بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ مُنَزِّلِ القرآنِ المَجيد، الرَّحمنِ مُقَدِّمِ الوعدِ والوعيد، الرَّحيمِ المُبَشِّرِ بالجنة والمزيد.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأَ سُورةَ ق هوَّنَ اللَّهُ عليه تاراتِ الموت وسَكَراتِه" (^١).
وهذه السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، وهي خمسٌ وأربعون آيةً، وثلاثُ مئةٍ وثلاثٌ وسبعون كلمةً، وألفٌ وأربعُ مئةٍ وأحدٌ وثمانون حرفًا.
وافتتاحُ هذه السُّورةِ واختتامُ السُّورةِ التي قبلها باسم اللَّه تعالى، وهو وجهُ انتظامِها.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٩٢)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (١٢١٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٦٢)، وهو قطعة من الحديث الطويل الموضوع المروي عن أبي بن كعب ﵁. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١٠٠٨). لكن قد ورد في فضلها كثير من الأحاديث الصحيحة، فقد كان -ﷺ- كثيرًا ما يقرؤها في صلاة الفجر كما روى مسلم (٤٥٨) عن جابر بن سمرة، وفي حديث قطبة بن مالك أنه ﵊ كان يقرؤها في الركعة الأولى من صلاة الفجر، رواه مسلم أيضًا (٤٥٧). وروى مسلم أيضًا (٨٩١) عن أبي واقد الليثي أنه -ﷺ- كان يقرأ في العيد بقاف واقتربت. وروى مسلم أيضًا (٨٧٣) عن أم هشام ابنة حارثة قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا من في رسول اللَّه -ﷺ-، كان يقرأ بها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
[ ١٤ / ٥ ]
وانتظامُ السُّورتين: أنَّ الأولى في تعليم آدابِ الشَّرْع وثوابِ عاملِها وعقابِ تاركِها في الآخرة، وهذه في مُحاجَّةِ مُنْكِري البعثِ، وبيانِ أحوالِهم في الآخرة.
* * *
(١) - ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿ق﴾: قال ابن عباس ﵄: هو قسَمٌ، وهو اسمٌ مِن أسماء اللَّه تعالى (^١).
وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ: هو افتتاحُ أسماءِ اللَّه تعالى: قادر، وقدير، وقديم، وقاهر، وقَهَّار، وقريب، وقاضٍ، وقابض (^٢).
وقال قتادة: هو اسمٌ مِن أسماء القرآن (^٣).
وقيل: هو اسمُ هذه السُّورةِ، وتقديرُه: هذه سُورةُ (ق).
وقال الضحاك: (ق) جبلٌ مُحيطٌ بالأرض (^٤).
وقال عكرمة: (ق) جبلٌ أخضرُ مُحيطٌ بالأرض، والأرَضون السَّبْعُ على عاتِقِ ملَكٍ، والملَكُ على الياقوتة، والياقوتةُ على الثَّور، والثَّورُ على ظَهْرِ الحوت، وبين كلِّ أرَضين بحرٌ، ولولا ذلك البحرُ لَأَحْرَقَتْ جهنَّمُ كلَّ شيءٍ فيها إلى مُنتهى
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٠٠)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٥٢).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٩٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٥٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٥٧).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٤٤)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٠٠).
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٣١) عن قتادة. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٤٥) عن مجاهد.
[ ١٤ / ٦ ]
الكرسيِّ، ثم أنبتَ اللَّهُ مِن الياقوتة جبلًا، فأحاطَ بالأرَضين السَّبع، ثم أنبَتَ اللَّهُ هذه الجبالَ كلَّها على وجه الأرض في بَرِّها وبحرِها مِن ذلك الجبل، فهي عروقُه (^١).
وقال ابن عباس ﵄: (ق) جبلٌ مُحيطٌ بالأرَضين مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ (^٢)، فخُضْرَةُ السماءِ منه، فليست مدينةٌ مِن المدائن إلا وفيها عِرْقٌ مِن عُروقه وملَكٌ مُوكَّلٌ به واضِعٌ يديه على تلك العُروق، فإذا أرادَ اللَّهُ بقوم هلاكًا، أوحى اللَّهُ إلى ذلك الملَكِ، فحرَّكَ منها عِرْقًا، فخسَفَ بأهلها، فالشياطينُ ينطلقون إلى ذلك الزَّبَرْجَدِ، فيأخذون منه، فيَبُثُّونه في الناس، فمِن ثمَّةَ هو قليلٌ (^٣).
وقيل: معناه: قُل يا محمدُ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
وقال أبو بكر الوراق: معناه: قِفْ يا محمد (^٤) عند أَمْرِنا ونَهْيِنا ولا تتعدَّاهما (^٥)، والعربُ قد تقتصِرُ مِن الكلمة على حرفٍ، قال قائلُهم:
_________________
(١) لم أقف عليه وهو من خرافات الإسرائيليات.
(٢) في (ر): "زبرجد أخضر".
(٣) رواه بنحوه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" (٢٢)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٨٤ و١٤٨٩). وهو كسابقه من خرافات الإسرائيليات، ولعله لا يصح عن ابن عباس، وقد ذهب القرافي إلى أن جبل قاف لا وجود له، وبرهن عليه بما برهن ثم قال: ولا يجوز اعتقاد ما لا دليل عليه. ذكر ذلك الآلوسي في "روح المعاني" (٢٥/ ٤١٢)، ثم أورد تعقب ابن حجر الهيتمي على القرافي وأعقبه بقوله: والذي أذهب إليه ما ذهب إليه القرافي من أنه لا وجود لهذا الجبل بشهادة الحس، فقد قطعوا هذه الأرض برها وبحرها على مدار السرطان مرات فلم يشاهدوا ذلك، والطعن في صحة هذه الأخبار أهون من تكذيب الحس، وليس ذلك من باب نفي الوجود لعدم الوجدان كما لا يخفى على ذوي العرفان، وأمر الزلزلة لا يتوقف على ذلك الجبل، بل هي من الأبخرة وطلبِها الخروج مع صلابة الأرض، وإنكار ذلك مكابرة عند من له أدنى عرق من الإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(٤) في (أ): "قف"، بدل: "معناه قف يا محمد".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٩٣)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٥٧).
[ ١٤ / ٧ ]
قلتُ لها قِفي فقالتْ قِ (^١)
وقال الفرَّاءُ: قيل: معناه: قضى ما هو كائنٌ (^٢).
قولُه تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾: أقسَمَ بالقرآن تَعْظيمًا له.
و﴿الْمَجِيدِ﴾: الشريفُ، وقيل: الكريمُ.
واختُلِفَ في جواب هذا القسَمِ، وأصلُه: أنَّ جوابَه بأحدِ خمسةِ أشياءَ:
(إنَّ) المُشَدَّدة؛ كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
و(ما) النَّافية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣].
واللَّامُ المفتوحةُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢].
و(إنْ) الخفيفةُ بمعنى (ما): ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧].
و(لا): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى﴾ [النحل: ٣٨].
وزاد البَعْلِيُّ على هذا:
(قد)؛ كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. . . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
و(بل)؛ كما في قوله في هذه السورة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ. . . بَلْ عَجِبُوا﴾.
وقيل: إنَّ جوابَ هذا القسَمِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾، وتقديرُه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾؛ كما في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ﴾، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: لقد أفلَحَ.
_________________
(١) ذكره الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٧٥)، وابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" (ص: ١٨٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٠١)، والأزهري في "تهذيب اللغة" (١٥/ ٤٨٨)، وابن جني في "المحتسب" (٢/ ٢٠٤) من غير نسبة.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٧٥).
[ ١٤ / ٨ ]
وقيل: حُذِفَتِ اللَّامُ على نِيَّةِ تقديمِ جوابِ القسَمِ، وتقديرُه: قد علِمْنا ما تنقُصُ الأرضُ منهم، والقرآنِ المجيدِ.
وقال ابنُ كَيْسانَ: جوابُه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ (^١).
والصَّحيحُ: أنَّ جوابَه محذوفٌ، ودليلُ ذلك قولُه: ﴿بَلْ﴾؛ لأنَّه لِنَفْيِ ما قَبْلَه، فدلَّ على مَنْفِيٍّ (^٢) مُضْمَرٍ، وتقديرُه: أُقْسِمُ بجبَلِ (ق) الذي به بقاءُ دنياكم، وبالقرآنِ المجيدِ الذي به بقاءُ دينِكم، ما كذَّبوك لِمعرفتِهم بكَذِبِكَ.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾.
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾: وهو كقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢]، ولم يقل: (فقالوا)، بل قال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ تقبيحًا لهم ووَصْفًا لهم بما هو أسوأُ صفاتِهم -وهو مِن فَرْطِ جهالتِهم- أنْ تَعَجَّبوا وأنكروا أنْ يكونَ مَن مِثْلُهم نبيًّا مبعوثًا، واستجازوا أنْ يكون الصَّنَمُ الذي هو دونَهم إلهًا مَعْبودًا.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾: أي: وقالوا أيضًا هذا: أئذا مِتْنا وبَلِينا وصِرْنا تُرابًا أَنُبْعَثُ؟! فهذا مُضْمَرٌ.
﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: أي: رَدٌّ بعيدٌ عن العقل؛ أي: قولُه: إنا نُردُّ بعد الموت إلى الحياة، مُحالٌ لا يقبَلُه العقلُ، وهو كقولهم: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، والرَّجْعُ مُتَعَدٍّ، والرُّجوعُ لازمٌ.
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٩٣)، وابن عطية في "تفسيره" (٥/ ١٥٥).
(٢) في (ر): "قسم".
[ ١٤ / ٩ ]
قال مقاتل: نزلت في أُبَيٍّ وأُمَيَّةَ ابني خلَفٍ الجُمَحِيَّينِ، ونُبَيْهٍ ومُنَبِّهٍ ابني الحَجَّاج السَّهْمِيَّينِ، وأسيدُ بنُ كَلَدَةَ أبي الأَشَدَّين لعنَهم اللَّهُ (^١).
* * *
(٤) - ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾: أي: ما تأكلُه الأرضُ بعد موتهم مِن أجسادهم لَحْمِها وعَظْمِها وشَعْرِها وبَشَرِها وكلِّ ما فيها، ما يَغيبُ شيءٌ منها عن عِلْمِنا، ولا يتعذَّرُ إعادتُها علينا.
﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾: أي: وعندنا في السماء كتابٌ حافظٌ لذلك كلِّه؛ أي: هو مُثْبَتٌ فيه، فكأنَّه حافِظٌ له، وهو فَعيلٌ بمعنى فاعلٍ؛ كـ (السَّميعِ) بمعنى (السَّامِعِ).
وقيل: هو بمعنى مفعول، وهو كقوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾: أي: نحفَظُ نحن فلا نُضَيِّعُ.
وقيل: يعني: عندنا كتابٌ حفيظٌ لأعمالِ بني آدم خيرِها وشَرِّها ولأسمائِهم وعَدَدِهم لِنُحْضِرَهم ونَجْزِيَهم يومَ البَعْثِ.
وقال الحسن: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ﴾: مِن هؤلاء الكفار بالقَتْلِ والموت والانتقال مِن الكفر، ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾: فيه أعمالُهم وما وعدتُّكَ مِن النَّصْر، وهو كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، وهو في وَعْدِ النبي -ﷺ- بالنَّصْر والظَّفَر عليهم (^٢).
* * *
(٥) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ١١٠).
(٢) لم أقف عليه.
[ ١٤ / ١٠ ]
قولُه تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: قيل: يرجِعُ إلى قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وليس عَجَبُهم لاستحالتِه، بل لِتَكذيبِهم للحقِّ عِنادًا، وهو الرَّسولُ.
﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾: قال مجاهد: أي: مُلْتَبِسٍ مُخْتَلِطٍ (^١).
وقال ابن عباس ﵄: أي: فاسدٍ (^٢).
وقال الضحاك: في لَبْسٍ وضلالٍ (^٣).
ومعنى الاختلاطِ: أنهم مَرَّةً قالوا: هو مجنونٌ، ومَرَّةً قالوا: هو ساحِرٌ، ومَرَّةً قالوا: هو كاهِنٌ، ومَرَّةً قالوا: هو شاعِرٌ، ومَرَّةً قالوا: هو كاذِبٌ، ومَرَّةً قالوا: هو مُفْتَرٍ.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٠٧). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٩٤)، ومكي بن أبي طالب (١١/ ٧٠٣١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٥٦)، عنه وعن سعيد بن جبير. وذكره النحاس في "إعراب القرآن" (٤/ ١٤٧) عنه وعن قتادة.
(٢) ذكر هذا القول بهذا اللفظ الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٤١) لكن عن أبي هريرة ﵁. وروى الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٠٦ - ٤٠٧) عن ابن عباص ﵄ ثلاث روايات في المريج: الأولى: الشيء المنكر. والثانية: مختلف. والثالثة: هم في أمر ضلالة. وروى عنه ابن الأنباري في "المكتفى في إيضاح الوقف والابتدا" (ص: ٦٤) رابعًا، وهو قوله: مختلط، ألم تسمع إلى قول الشاعر: فجالتْ والتمستُ به حشاها فخر كأنه خُوطٌ مَرِيج
(٣) ذكر عنه النحاس في "إعراب القرآن" (٤/ ١٤٧) قوله: مختلط. ووقع في (ر): "في لبس جديد وضلال".
[ ١٤ / ١١ ]
وقيل: هذا (^١) يرجِعُ إلى إنكار البَعْثِ، وتقديرُه: ما أنكَروه لِجَهْلِهم فإنَّهم مُقِرُّون بقُدْرة اللَّهِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِـ﴾ هذا الخبَرِ ﴿الْحَقِّ﴾ لَمَّا جاءهم، ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾: مُلْتَبِسٍ مِن حديث البَعْثِ، فمنهم مَن يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، ومنهم مَن يقول: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، ومنهم مَن يقول: ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦].
وقيل: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾؛ أي: جوابٍ مُتَناقِضٍ، فإنهم يُقِرُّون (^٢) بالقُدْرةِ على الإنشاء، ويُنْكِرون القُدْرةَ على الإعادة، وهو تناقُضٌ.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾: أي: أيُّ عُذْرٍ لهم في إنكار البَعْثِ؟! أمَا يَنْظُرون بأبصار قلوبِهم إلى أصناف ما خَلَقْتُه مِن السماء والأرض وما بينهما؟! فيتنبَّهوا بذلك على قُدْرَتي على إعادة الموتى؛ إذ قد رأوا بأبصار رؤوسِهم السماءَ كيف جعلناها (^٣) كالبِناءِ المُظِلِّ فوقهم ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالكواكب والشمس والقمر ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾؛ أي: شُقوقٍ.
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: أي: بَسَطْناها ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابتَ ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾؛ أي: مِن كلِّ نوعٍ حَسَنٍ مِن النبات.
_________________
(١) في (ف): "هو".
(٢) في (أ): "يقولون".
(٣) في (أ) و(ف): "خلقتها".
[ ١٤ / ١٢ ]
(٨ - ٩) - ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾.
﴿تَبْصِرَةً﴾: أي: تعريفًا لِمَن نظَرَ إليها وتدبَّرَ خَلْقَها أني أنا خالِقُها؛ إذ لا يتهَيَّأُ ذلك لأحدٍ مِن المخلوقين، ولا يُتَصَوَّرُ تكوُّنُها مِن غير تكوينِ مُكَوِّنٍ كوَّنَها لا يُشْبِهُها، قادرٍ عالمٍ واحد.
﴿وَذِكْرَى﴾: أي: تذكيرًا للعباد يتذكَّرون بها قُدْرتي ووحدانِيَّتي.
﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: أي: جعَلْتُ هذا التَّبْصيرَ والتَّذْكيرَ لكلِّ عبدٍ أقبلَ إليَّ بإرادتِه ونِيَّتِه، وعلَّقَ قلبَه بالتَّفَكُّر في أصناف خَليقَتي، فهو الذي أُوَفِّقُه لِلتَّذْكار والاستبصار.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾: أي: مطرًا كثيرَ الخيرِ والبرَكةِ.
ثم ذكَرَ بعضَ تلك البركاتِ، فقال:
﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾: أي: بساتينَ مُشْتَمِلَةً على الأنهار (^١) والثِّمار.
﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: أي: الزَّرْعِ، واحدٌ بمعنى الجَمْع؛ لأنَّه جنسٌ، وأضاف الحَبَّ إلى الحَصيدِ لأنَّ الحَصيدَ هو المحصودُ، وهو السُّنْبُلُ، وهو الجوابُ الصَّحيحُ عن هذا السؤال أنَّه: لماذا أُضِيفَ إليه؟
وقال (^٢) الفرَّاء: الحَبُّ هو الحَصيدُ، فأُضِيفَ إلى نفْسِه؛ كقولكَ: (حَقُّ اليقينِ)، و(مسجدُ الجامعِ)، و(صلاةُ الأولى) (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الأزهار".
(٢) في (ر) و(ف): "وقد قال".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٧٦). وتعقب هذا القول الآلوسي ذاكرًا نحو كلام المؤلف السابق له، فقال: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾؛ أي: حب الزرع الذي من شأنه أن يحصد من البر والشعير وأمثالهما، =
[ ١٤ / ١٣ ]
(١٠ - ١١) - ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾: أي: وأنبَتْنا النَّخْلَ، وهو (^١) جَمْعُ نَخْلَةٍ.
﴿بَاسِقَاتٍ﴾: قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: أي: طِوالًا (^٢).
وقيل: الباسِقُ: العالي بذهابه في (^٣) جِهَة الارتفاع.
﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾: قال مجاهدٌ وقتادةُ: نُضِدَ بعضُه على بعضٍ (^٤)، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ.
وقيل: النَّضيدُ: المُتَرَاكِبُ، والطَّلْعُ: الكُفُرَّى (^٥)، وهو نَضيدٌ ما دام في وعائه.
وقيل: الطَّلْعُ: التَّمْرُ، وهو نضيدٌ؛ أي: مُتراكِبٌ في رؤوس النَّخْلِ، ليس كسائر الأشجار التي تتفرَّقُ ثمارُها.
_________________
(١) = فالإضافة لما بينهما من الملابسة، و﴿الْحَصِيدِ﴾ بمعنى المحصود صفةٌ لموصوف مقدر كما أشرنا إليه، فليس من قبيل: مسجد الجامع. انظر: "روح المعاني" (٢٥/ ٤٢٢).
(٢) في (ر) و(ف): "وهي".
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤١٢ - ٤١٣)، وذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٤٣)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٩٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٥٧) عن مجاهد وعكرمة وقتادة، وعلقه البخاري قبل الحديث (٤٨٤٨) عن مجاهد.
(٤) في (ر): "إلى".
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤١٤)، ورواه عن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٥٠).
(٦) الكُفُرَّى: وعاء الطلع وقشره الأعلى، وكذلك كافوره، وقيل: هو الطلع حين ينشق. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ١٨٩). وفي البخاري قبل الحديث (٤٨٤٨): ﴿نَضِيدٌ﴾: الكُفُرَّى ما دام في أكمامه، ومعناه: منضودٌ بعضُه على بعضٍ، فإذا خرج من أكمامِه فليس بنَضيدٍ.
[ ١٤ / ١٤ ]
﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾: أي: أنبَتْنا هذه الأشياءَ عَطِيَّةً منا وقُوتًا دارًّا للعباد، ولم نخلُقْها لأنفسنا.
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾: أي: بالماء المبارك ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾؛ أي: أرضًا يابسةً قد ذهَبَ نباتُها.
﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾: مِن قبوركم يومَ البَعْثِ بعد إذ كنتم أمواتًا.
* * *
(١٢ - ١٤) - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أي: قبلَ هؤلاء المشركين ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾.
﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾: نبيَّهم ﴿وَثَمُودُ﴾: صالحًا ﴿وَعَادٌ﴾: هودًا.
﴿وَفِرْعَوْنُ﴾: موسى وهارونَ.
﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾: أي: قومُ لوطٍ وأنسباؤُه (^١) لوطًا.
﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾: أي: الغَيْضَةِ شُعيبًا.
﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾: رسولَهم.
﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: أي: كلُّ واحدٍ كذَّبَ رسولَه.
وقيل: كلُّ واحدٍ كذَّبَ جميعَ الرُّسُل؛ لأنَّ تكذيبَ الواحدِ تكذيبُ الكلِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الرسل يدعو إلى تصديق الكُلِّ.
﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾: أي: وجَبَ عليهم ما كنتُ توَعَّدتُهم به، وقد مَرَّ ذِكْرُ كلِّ قِصَّةٍ فيما تقدَّمَ.
_________________
(١) في (أ): "وأنسابه".
[ ١٤ / ١٥ ]
وأصحابُ الرَّسِّ ذكَرْناهم في سورة الفرقان.
قال ابن عباس: كانوا أصحابَ آبارٍ (^١).
وقال الضحاك: كانوا بناحية أَذَرْبيجانَ (^٢).
وقال عكرمة: كان لهم نبيٌّ رَسُّوه في بئرٍ (^٣).
وقال مقاتل: الرَسُّ بئرٌ، قيل: أُلْقِيَ فيها حبيبٌ النَّجَّارُ صاحبُ ياسين (^٤).
وقال سعيدُ بنُ جُبير: هُم قتَلوا نبيَّهم، ورَسُّوه في بئر ببَطْنِ فَلَجٍ نحوَ اليمامة، واسمُ نبيِّهم حَنْظَلَةُ بنُ صفوان (^٥).
وقال عكرمة: كانوا قومًا مِن بُطون إسماعيل وأولادِه.
وقال وَهْبٌ: كانوا أهلَ بئرِ قعودًا عليها وأصحابَ مَواشٍ، وكانوا يعبدون الأصنامَ، فوجَّهَ إليهم شعيبٌ النبيُّ ﵇ نبيًّا يَدْعوهم إلى الإسلام، فأتاهم وأقام عندهم بُرْهَةً يدعوهم فيَأْبَون، وهو يُلاطِفُهم إلى أنْ تمادَوا في أذاه، فحذَّرَهم
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٣٣)، وذكر الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٤٤) عنه: أنهم أهل بئر بأذربيجان.
(٢) ذُكر هذا القول عن ابن عباس كما في التعليق السابق. أما الضحاك فروى عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤١٥) قوله: الرس: بئر قتل فيها صاحب يس، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٤٤)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٥٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٥٢)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ١٤٥)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٨٤).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ١١١).
(٥) ذكره مطولًا بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٣٤) عن سعيد بن جبير وابن الكلبي والخليل. وذكره عن سعيد أيضًا الكرماني في "غرائب التفسير" (٢/ ٨١٦)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٨٤)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٣٢١).
[ ١٤ / ١٦ ]
عِقابَ اللَّهِ وبأسَه، فبينما هُم حولَ البئر في منازلهم انهارَتِ البئرُ، وانخسَفَتْ بهم، وانخسَفَتْ رِباعُهم ودُورُهم، وهلَكوا جميعًا (^١).
وأما تُبَّعٌ، فقد ذكَرْنا فيه الأقاويلَ والأحاديثَ في سورة الدُّخان.
وقال الحسن: لم أسمَعْ مِن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يذكُرون مِن تُبَّعٍ أكثرَ ممَّا ذكَرَه اللَّهُ تعالى في كتابه، وقد كذَّبَ قومُه رسولَهم.
وقال وَهْبٌ ومحمدُ بنُ إسحاقَ والواقديُّ: هُم قومٌ مِن حِمْيَرَ، وكان تُبَّعٌ مُسْلِمًا، وسُمِّيَ تُبَّعًا لكثرة مَن تَبِعَه، وكان تُبَّعٌ أعجبَه غِلْمانٌ مِن فَدَك كانوا يختلفون إليه، فقالوا: قد أكرَمَنا هذا الرجلُ، وإنا نراه يعبُدُ نارًا لا تُغْني عنه شيئًا، أفلا نَدْعُوه إلى أمرِنا ونخبرُه أنَّ اللَّهَ بعَثَ رسولًا، يَعْنون به موسى، وأنزَلَ عليه التَّوراةَ فيها الحلالُ والحرامُ والأمرُ والنَّهْيُ؟! فقال بعضُهم: نخافُ أنْ يقتُلَنا، وقال أَصْغَرُهم: أنا أقولُ له ذلك، فإن قال شيئًا قلتم: هو أصغرُنا وأحدَثُنا سِنًّا، فلما خلا بهم ذكَرَ أمرَ موسى، فقال تُبَّعٌ للآخرين: ما يقول هذا الفتى؟ فقالوا: صدَقَ، فإنْ شئتَ عرَضْنا عليك أمرَنا، قال: فافعلوا، فعرَضوا عليه أمرَهم، فقَبِلَه وتابعَهم، ثم عرَضوا على حاشِيَتِه وخاصَّتِه فقَبِلوه، وفشا في الناس ذلك، وقالوا: إنَّ الملِكَ ترَكَ دِينَه، فصاروا إليه، فقالوا: بلَغَنا أنكَ ترَكْتَ دِينكَ، فإنْ كنتَ فعلتَ ذلك لم تكن بعد هذا علينا مَلِكًا، وإنْ لم تفعلْ ذلك فادفَعْ إلينا هؤلاء الغِلْمانَ، وكانت لهم نارٌ في أسفَلِ جبلٍ يُقال لها: نِدًّا، يتحاكمون إليها، فتَحْرِقُ الظالمَ، فتحاكَموا إليها، فجاء الفَدَكِيُّون بالتوراة، وجاء الحِمْيَرِيُّون بأصنامهم، فخرجَتْ نارٌ، فأحرقَتِ الحِمْيَرِيِّينَ، ولم تَحْرِقْ أحدًا مِن أصحاب التوراة، فهُم قومُ تُبَّعٍ (^٢).
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٣٣)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٣٤١)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٨٤).
(٢) ذكره الغزالي في "مقامات العلماء" (ص: ٢٠) عن وهب ومحمد بن إسحاق.
[ ١٤ / ١٧ ]
وقال سعيدُ بنُ المُسَيِّب: سأل أبو مِجْلَزٍ لاحِقُ بنُ حُمَيدٍ ابنَ عباسٍ عن قومِ تُبَّعٍ، فقال سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ سَلامٍ، فقال: تُبَّعٌ كان رجلًا مِن العرب، وإنه ظهَرَ على الناس، وسبى فِتْيَةً مِن الأحبار، فتابعَهم، وإنَّ قومَه استنكَروا (^١) ذلك، وقالوا: بَدَّلَ دِينَه، فقال للفِتْيَةِ: ما ترون؟ قالوا: بيننا وبينهم النَّارُ، فينجو الصادقُ، ويحترِقُ الكاذبُ، فعمَدوا إلى النار، فأمرَ تُبَّعٌ الفِتْيَةَ أنْ يدخُلوها، ففعَلوا ومصاحفُهم (^٢) في أعناقهم، فلما أرادوا دُخولَها سفَعَتِ النارُ وجوهَهم فنكَصوا، فقال تُبَّعٌ: لَتَدْخُلُنَّ، فدخَلوها، فانفرَجَتْ عنهم حتى قطَعوها، ثم قال لقومه: ادخُلوها، فلما أرادوا دخولَها سفَعَتِ النارُ وجوهَهم، فنكَصوا، فقال تُبَّعٌ: لَتَدْخُلُنَّ، فدخَلوها، فانفرجَتْ عنهم، حتى إذا توسَّطوها أحاطَتْ بهم، فأحرَقَتْهم عن آخرهم، فأسلَمَ تُبَّعٌ عند ذلك (^٣).
* * *
(١٥) - ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾: أي: أَفَعَجِزْنا عن الخَلْق الأول؟! استفهامٌ بمعنى النَّفْيِ.
قال الحسن: الخَلْقُ الأولُ آدمُ (^٤)، وقد كانوا يُقِرُّون به وأنهم مِن ولَدِه.
_________________
(١) في (ر): "أنكروا".
(٢) في (ر): "فعلقوا مصاحفهم" بدل: "ففعلوا ومصاحفهم".
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣١٩٢٢)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤١٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١١/ ٧).
(٤) ذكره عنه يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٦٥٠)، وابن أبي زمنين في "تفسيره" (٤/ ٢٧١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٥٩). وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٣٥٠) من غير نسبة.
[ ١٤ / ١٨ ]
وقيل: هو الإنشاءُ، وهو احتجاجٌ عليهم أنَّ مَن قَدِرَ على الإنشاء قَدِرَ على الإعادة.
﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾: أي: ما عَيِينا، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾: أي: لبَّسَ الشيطان عليهم وموَّهَ، فأعرَضوا عن التَّدَبُّر؛ أي: لا يُنْكِرون البعثَ عن دليلٍ، بل عن تقليدٍ بجَهْلٍ.
﴿مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أي: البعثِ والتَّجديدِ بعد البِلى، وهو كما قالوا: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩].
* * *
(١٦) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾: الوسوسةُ: حديثُ النَّفْسِ في خفاءٍ، ومنها وسوسةُ الشيطانِ؛ أي: لا يخفى علينا ما يخطُرُ بباله.
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: قال ابن عباس ومجاهد: هو عِرْقٌ في الحَلْقِ (^١)، وهما الوَريدان في العُنُقِ عن يمينٍ وشمالٍ، ويَرِدُ إليهما ما يَنْصَبُّ مِن الرأس.
وقيل: هو العِرْقُ الذي بين الحُلْقُوم والعِلْبَاوَينِ (^٢).
وقال الفراء: الحَبْلُ هو الوَريدُ، وأُضِيفَ إليه لاختلاف اللَّفْظَين (^٣).
وقال الأخفش: أُضِيفَ إليه كما أُضِيفَ إلى العاتِقِ.
وقيل: الحَبْلُ: العِرْقُ، وهو اسمُ جنسٍ، وأُضِيفَ إلى نوعه كما يُقالُ: (عِرْقُ
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٢٢). ورواه أبو حاتم الرازي في "الزهد" (٤٥) عن ابن عباس ﵄. وذكره عنه النحاس في "إعراب القرآن" (٤/ ١٤٩)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٤٦).
(٢) العِلْباوان: جمع (عِلْب)، وهو عصب العنق الغليظ خاصة. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٢/ ٢٤٧).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٧٦).
[ ١٤ / ١٩ ]
النَّسا)، ومعنى هذا الكلامِ: ونحن أقرَبُ إلى ضميرِه مِن هذا العِرْقِ إلى بدَنِه، ولا يُرادُ به قُرْبُ المكانِ جلَّ اللَّهُ تعالى عن ذلك، بل يُرادُ به أنه عالِمٌ به، لا يخفى عليه منه شيءٌ.
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾: قيل: أي: اذْكُرْ إذ يتلَقَّى.
وقيل: أي: نَعْلَمُ منه ما يكونُ منه إذ يتلَقَّى الملَكانِ المُوَكَّلانِ به عمَلَه (^١)، فيكتبان ذلك عليه؛ كمَن يُمْلِي على آخرَ شيئًا، فيَتَلَقَّاه المُمْلَى عليه فيكتُبُه.
والتَّلَقِّي: هو الأَخْذُ والقَبولُ، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧].
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: أي: أحدُ الملَكين قَعيدٌ له عن يمينه، والآخَرُ عن شماله، كأنَّهما جَليسان قاعدان في مَجْلِسٍ واحدٍ، والإفرادُ لهذا التَّقْدير.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾: أي: ما يَتكَلَّمُ، وأصلُه: الرَّمْيُ.
﴿إِلَّا لَدَيْهِ﴾: أي: عنده، ويجوز أنْ يكون كِنايةً عن الإنسان، ويجوز أنْ يكونَ كِنايةً عما يَلْفِظُ.
﴿رَقِيبٌ﴾: أي: حافِظٌ، وهو الملَكُ الكاتِبُ ﴿عَتِيدٌ﴾؛ أي: مُعَدٌّ.
وقال الزَّجَّاجُ: أي: ثابتٌ لازمٌ (^٢).
وهذه الآيةُ في كتابة الأقوال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وهذا في كتابة الأفعال.
_________________
(١) في (ر): "بعمله".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٤٥).
[ ١٤ / ٢٠ ]
وهذه حالةُ الحَياة، ثم ذكَرَ حالةَ الموت، فقال:
* * *
(١٩ - ٢٠) - ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾: أي: تجيءُ شِدَّةُ الموتِ التي تَغْلِبُ على فَهْمِ الإنسان حتى تغمُرَه كَسَكْرَةِ الشَّراب.
﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بأمر اللَّه الذي هو حَقٌّ.
وقيل: أي: تأتي بالموت الذي هو كائنٌ.
وقيل: أي: ببيان (^١) ما يَصيرُ إليه مِن جنة أو نار، فإنه يظهَرُ له ذلك عند الموت.
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾: أي: ويُقالُ له: هذا الذي كنتَ تَنْفِرُ منه وتكرَه لقاءَه.
والحَيْدُ: المَيْلُ والرَّوَغانُ.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: أي: يُنْفَخُ فيه نَفْخَةُ البَعْثِ، ويُبْعَثُ الإنسانُ.
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾: أي: ذلك اليومُ الذي أُوعِدُ به الناسَ لِيَرْغَبوا في الطاعات، ويَجْتَنِبوا السَّيِّئاتِ (^٢).
* * *
(٢١) - ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾.
﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾: أي: تجيءُ كلُّ نفْسٍ يومئذٍ.
﴿مَعَهَا سَائِقٌ﴾: يَسوقُها إلى مَوْقِفِ الحساب.
﴿وَشَهِيدٌ﴾: يَشْهَدُ عليها بما عَمِلَتْ مِن خيرٍ أو شرٍّ.
_________________
(١) في (أ): "بنيل".
(٢) في (ف): "عن السيئات".
[ ١٤ / ٢١ ]
فلا مَهْرَبَ مِن ذلك الأمرِ ومعه السَّائِقُ، ولا جُحودَ ومعه الشَّاهِدُ، واختُلِفَ فيهما:
فقيل: السَّائِقُ ملَكٌ، والشَّاهِدُ كذلك.
وقيل: السَّائِقُ إلى الجنة وإلى النار؛ كما قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر: ٧١]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر: ٧٣].
وقال القُتَبِيُّ: السَّائِقُ: قرينُه مِن الشياطين، والشَّهيدُ: الملَكُ (^١).
وقيل: الشَّهيدُ: كاتِبُ عمَلِه.
وقيل: هو الرَّسولُ، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
وقيل: أعضاءُ الإنسانِ.
وقيل: اللَّيلُ والنَّهارُ.
وقيل: البِقاعُ التي عَمِلَ فيها الإنسانُ.
وقال الضَّحَّاكُ: السَّائِقُ: كاتبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهيدُ: كاتِبُ الحسَناتِ (^٢).
وقال أبو هريرة: السَّائِقُ: الملَكُ، والشَّهيدُ: العمَلُ (^٣).
وقال القُرَظِيُّ: السَّائِقُ والشَّهيدُ: الملَكان المُتَلَقِّيان.
_________________
(١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" (ص: ٢٣٨).
(٢) روى عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٣١) قوله: السائق من الملائكة، والشاهد من أنفسهم: الأيدي والأرجل، والملائكة أيضًا شهداء عليهم. وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٦٠).
(٣) رواه الدولابي في "الكنى والأسماء" (٧٥٥)، وابن ماسي في "فوائده" (٣٦)، والحاكم في "الأسامي والكنى" (١١٣٤). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٦١).
[ ١٤ / ٢٢ ]
(٢٢) - ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.
قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: أي: يُقالُ له: ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ في الدنيا، ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: لا تتفكَّرُ فيه.
﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: أَوْضَحْنا لكَ ما كان مَخْفِيًّا عنكَ.
﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾: أي: فعِلْمُكَ اليومَ ثاقبٌ نافذٌ، وهو مَجازٌ واستعارةٌ.
وقال الكلبي: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾: يعني: الحياةَ بعد الموتِ (^١).
وقال مجاهد: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾؛ أي (^٢): نظَرُكَ إلى لسانِ ميزانِكَ حتى تَرى حسناتِكَ وسيِّئاتِكَ (^٣).
وقال السُّدِّيُّ: الآيةُ في الكافر (^٤).
وقيل: أي: في كُلِّ بَرٍّ وفاجِر.
* * *
(٢٣ - ٢٤) - ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾: أي: قرينُ هذا الإنسانِ، وهو الملَكُ الكاتِبُ عمَلَه.
﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾: أي: الذي كتبتُه عليه عندي مُعَدٌّ، فإنْ كانت الآيةُ في الكافر على ما قال بعضُهم، فالقَرينُ هو كاتِبُ السَّيِّئاتِ، وليس له كاتِبُ الحسَناتِ، فلذلك وُحِّدَ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٣٥) عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (أ): "يعني".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٦٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٣٤) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وسفيان.
[ ١٤ / ٢٣ ]
وقولُه تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾: أي: ويُقالُ للزَّبانِيَةِ: أَلْقُوا، والتَّثْنِيَةُ على عُرْفِ العرب، فإنَّ أكثرَ مُخاطباتِهم بالنداء والأمرُ على التَّثْنِيَةِ؛ لأنَّ أعدَلَ الرِّفْقَةِ ثلاثةٌ، فيُخاطِبُ أحدُهم صاحِبَيْهِ بذلك، وصار الأكثرُ على هذا الأغلَبِ، ولذلك قال امرؤ القيس:
قِفَا نَبْكِ مِن ذكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ (^١)
وقال المُبَرِّدُ: هذا خِطابُ الشَّاهدِ للسائقِ (^٢)، والتَّثْنِيَةُ بمعنى التكرير بمعنى: أَلْقِ ألقِ، ونُقِلَ إلى التَّثْنِيَةِ (^٣)، وعلى هذا قال الشاعرُ:
فقلتُ لصاحبي لا تَحْبِسانا (^٤)
قولُه تعالى: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾: مُبالغَةٌ للكافر، ﴿عَنِيدٍ﴾: أي: عادلٍ عن الصواب.
_________________
(١) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ٢١)، وعجزه: بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخولِ فحَوْملِ
(٢) في (أ): "السائق".
(٣) ذكره عنه السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٤٢)، والتبريزي في "شرح القصائد العشر" (ص: ٣)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٦٣).
(٤) في (أ): "تحسبانا". وفي (ف): "حبسانا". نسبه الجوهري في "الصحاح" (٣/ ٨٦٨) ليزيد بن الطثرية، وقال ابن بري: ليس هو ليزيد، وزاد الصاغاني: وإنما هو لمضرس بن ربعي الأسدي، انظر: "التكملة" للصاغاني، و"تاج العروس" للزبيدي (مادة: جزز). وأورده الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٧٨)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٣٧)، وابن جني في "سر صناعة الإعراب" (ص: ١٩٨) من غير نسبة، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٤٥) عن الأعشى، إلا أن فيه: (لا تعجلانا) بدل من (لا تحبسانا). وعجز البيت: بنزعِ أُصُولِهِ واجْتَزَّ شيحًا
[ ١٤ / ٢٤ ]
وقيل: ذاهِبٍ عن الحقِّ.
وقيل: جاحِدٍ مع (^١) المعرفة.
* * *
(٢٥ - ٢٧) - ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾: بخيلٍ بالمال، وقيل: بما ينفَعُ النَّاسَ.
﴿مُعْتَدٍ﴾: مُجاوزٍ حُدودَ الشَّرْعِ (^٢).
﴿مُرِيبٍ﴾: صاحبِ رِيبَةٍ، وهي التُّهمَةُ.
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أي: أشرَكَ به غيرَه.
﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾: عذابِ النَّارِ.
﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: هو الشَّيطانُ الذي قُرِنَ به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
أي: يُلْقَى الكافرُ في النار مع قَرينِه، فيَلْعَنُ (^٣) قرينَه، ويقول: هو أَضَلَّني، فيقول: ما أطغيتُه أنا.
﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: طغى باختياره، وضلَّ ضلالًا بعيدًا عن الحق بإرادتِه.
* * *
_________________
(١) في (ف): "عن".
(٢) في (ر) و(ف): "اللَّه".
(٣) في (أ): "فيلقى".
[ ١٤ / ٢٥ ]
(٢٨ - ٣٠) - ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾.
﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾: يقول اللَّهُ تعالى للكفار وقُرنائِهم مِن الشياطين: لا تَخْتَصِموا عندي ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ﴾: الكتابَ والرَّسولَ ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ بهذا.
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: أي: لا يُغَيِّرُ قولُ السَّائِقِ أني أُخَلِّدُ الكافرَ في النار.
﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: لا أُعَذِّبُ عبدًا بغير ذَنْبٍ.
قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: أي: نَمْلَؤُها مِن الجِنَّةِ والناسِ أجمعين كما كنا وعدنا (^١)، ثم نقول لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: فإني أَحْتَمِلُه، وهذا على طلَبِ المزيدِ؛ إظهارًا للتَّغَيُّظِ على الكفار.
وقيل: أي: لا مَوْضِعَ للزِّيادة فِيَّ، وهو كقول النبي -ﷺ-: "وهل تركَ لنا عقيلٌ مِن دار" (^٢)؛ أي: وما ترك، وكقول الشاعر:
ألا هل أخو عَيْشٍ لذيذٍ بدائمٍ (^٣)
_________________
(١) في (ف): "كما وعدناهم".
(٢) رواه البخاري (٣٠٥٨)، ومسلم (١٣٥١)، من حديث أسامة بن زيد ﵄.
(٣) ذكره الفراء في "معاني القرآن" (ص: ١٦٤)، والطبري في "تفسيره" (٤/ ٤٤٤)، والأزهري في "تهذيب اللغة" (٥/ ٢٣٨) من غير نسبة. وعزاه ابن الحداد في "الأفعال" (٢/ ٨٠)، والصغاني في "التكملة" (٦/ ٤٩٦) للفرزدق. وصدر البيت: يقولُ إذا اقلولى عليها وأقردَتْ وللفرزدق قصيدة مطلعها: وَدَّ جريرُ اللؤمِ لو كان عانيًا ولم يَدْن مِنْ زأرِ الأسودِ الضرّاغِمِ =
[ ١٤ / ٢٦ ]
وقيل: هو طلَبُ الزِّيادةِ في سَعَتِها.
وقيل: مَن حَمَلَ على طلَبِ الزِّيادة فعند دُخولِ البعض، ومَن حَمَلَ على نَفْيِ احتمالِ الزِّيادة فعند (^١) دُخولِ الكل.
وقيل: هذا الخِطابُ لِجَهَنَّمَ، وجوابُها على الحقيقة، ويُنْطِقُها اللَّهُ تعالى بذلك كما يُنْطِقُ الجوارح.
وقيل: هذا الخِطابُ لِخَزَنةِ جهنَّمَ، والجوابُ منهم، وهو على الإضمار، وتقديرُه: يومَ نقولُ لخَزَنَةِ جهنَّمَ.
وقيل: هو على التَّمْثيلِ؛ أي: تصيرُ بحيث لو قيل لها ذلك وهي ناطِقَةٌ لَقالَتْ ذلك، وهو كقول الشاعر:
امتلَأَ الحَوْضُ وقال: قَطْني مَهْلًا رُوَيْدًا قد ملأْتَ بَطْني (^٢)
وقرأ نافعٌ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ: ﴿يومَ يقولُ﴾ بالياء؛ أي: يقولُ اللَّهُ تعالى، والباقون بالنُّون (^٣)؛ أي: نقول نحن، وهو خبَرٌ مِن اللَّه تعالى عن نفْسِه بخِطاب الملوك جَمْعًا.
_________________
(١) = قال أبو عبيدة في "شرح نقائض جرير والفرزدق" (٣/ ٨٧٥): (وزعم خالد بن جبلة وسعيد بن خالد أن فيها قوله. . .) فذكر أبياتًا منها هذا البيت.
(٢) في (ر) و(ف): "فبعد".
(٣) ذكره ابن السكيت في "إصلاح المنطق" (ص: ٥٠)، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٦٩)، والزجاج في "معاني القرآن" (١/ ١٩٩)، والأزهري في "تهذيب اللغة" (٨/ ٢١٦) من غير نسبة. ونسبه أبو بكر الأنباري في "الزاهر" (٢/ ٣٢٣)، والصحاري في "الإبانة" (٤/ ٢٦) إلى أبي النجم الراجز.
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢).
[ ١٤ / ٢٧ ]
(٣١ - ٣٢) - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾.
وهذه الآياتُ في الكفار، ثم قال في المؤمنين:
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: قُرِّبَتْ ورأَوْها مِن قُرْبٍ إذا فرغوا مِن الحساب.
والمُتَّقون: الذين اتَّقوا الشركَ والمعاصي.
﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: أي: دخوُلهم فيها، وهو نَصْبٌ على الحال.
والإِزْلَافُ: تَقْريبُ الرُّؤْيةِ، و﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: تقريبُ الدُّخول.
وقيل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عن العاصين.
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾: رَجَّاعٍ إلى اللَّه بالطَّاعات.
﴿حَفِيظٍ﴾: حافظٍ للحُدود والعُهود، مُحافِظٍ على الخيرات، ذاكرٍ لِمَا سلَفَ مِن السَّيِّئاتِ لِيَسْتَغْفِرَ منها.
وقيل: حافظٍ لِحَواسِّه وأنفاسِه.
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: أي: في دار الغَيْبِ.
وقيل: في الغَيْبَةِ عن شُهودِ الخَلْقِ.
وقيل: بالقلب.
وقال الضَّحَّاك: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: حين لا يَراهُ أحَدٌ.
وقال السُّدِّيُّ: في الخَلْوة.
وقال الحسن: إذا أُرْخِيَ السِّتْرُ، وأُغْلِقُ البابُ (^١).
_________________
(١) ذكر كُلًّا من الآثار الثلاثة: الثعلبيُّ في "تفسيره" (٩/ ١٠٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٦٣)، =
[ ١٤ / ٢٨ ]
﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾: أي: مُقْبِلٍ على اللَّه بطاعته، راجعٍ إليه بعَمَلِه وأَمَلِه.
﴿ادْخُلُوهَا﴾: أي: ويُقالُ لهم، وجُمِعَ لأنَّ (مَن) كلمةُ جنسٍ.
﴿بِسَلَامٍ﴾: أي: بسلامةٍ مِن كلِّ مكروهٍ.
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾: لأهل الجنة في الجنة، ولأهل النار في النار.
* * *
(٣٥) - ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾.
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾: أي: في الجنة.
وقال الإمام القشيري: يُقال لهم: قد قُلْتُم في الدنيا: ما شاءَ اللَّهُ كان، فاليومَ ما شئتُم كان، و﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] (^١).
﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: قال عِكْرمةُ: أي: على ما يشاؤون مِمَّا لم يَخْطُرْ ببالِهم (^٢).
وقال الرَّقَاشِيُّ: ما يسُرُّني بحَظِّي مِن المزيدِ الدنيا وما فيها.
وقال ابن عباس ﵄: وذلك حين يجتمعون إلى ربِّهم كلَّ يومِ جمعةٍ في أرضٍ كُثْبانُها المِسْكُ، فلا يسألونه شيئًا إلَّا أعطاه إياهم، ثم يرجعون إلى منازلِهم، فتأتيهم الملائكةُ مِن كلِّ بابٍ معهم الأطعمةُ والأشربةُ والكِسْوةُ، فيقولون: سلام عليكم، هذه هَدِيَّةٌ مِن ربكم، ولكم في كلِّ جمعةٍ مِثْلُ هذا، وهو المزيدُ مِن اللَّه تعالى.
_________________
(١) = والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤١٠).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٤٥٤).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠٥)، والواحدي في "الوجيز" (ص: ١٠٢٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٦٣)، من غير نسبة.
[ ١٤ / ٢٩ ]
وقال محمدُ بنُ كعبٍ في قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: يعني: لأهل الجنة، إنَّ أدنى أهلِ الجنة مَنْزِلَةً لو نزَلَ به أهلُ الجنة لَوَسِعَهم (^١).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ: يُزادُون كلَّ ساعةٍ نعيمًا وسرورًا؛ كما يُزادُ لأهل النارِ العذابُ، قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾.
وقال جابرُ بنُ عبد اللَّه: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: يتجلَّى لهم ربُّهم بلا كَيْفٍ (^٢).
وعن معاذِ بنِ جبلٍ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ الرجلَ مِن أهل الجنَّةِ لَيُنَعَّمُ في تُكَأَةٍ واحدةٍ سبعين عامًا، فتُناديه أبهى منها وأجملُ مِن غُرْفةٍ أخرى، تقول: ما ينالُنا منكَ دَوْلَةٌ بعدُ؟ قال: فيَلْتَفِتُ إليها، فيقول: مَن أنتِ؟ فتقول: أنا مِن التي قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، فيتحوَّلُ إليها، فيَتَنَعَّمُ معها سبعين عامًا في تُكَأَةٍ واحدةٍ" (^٣).
* * *
(٣٦) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾: عاد القَوْلُ إلى تَذْكِيرهم ووَعْظِهم.
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٠٨).
(٢) رواه الدارمي في "الرد على الجهمية" (١٩٨)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (٩٤)، وعبد اللَّه بن أحمد في "السنة" (١٢٢٦)، والبزار في "مسنده" (٧٥٢٨) من حديث أنس ﵁ بزيادة: "كل يوم جمعة". ورواه اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٨٥٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٦٩) من حديث علي ﵁. ولم أقف على رواية جابر، ولا زيادة: "بلا كيف".
(٣) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ١٨٥)، ومن طريقه ابن أبي زمنين في "تفسيره" (٤/ ٢٩٦). وورد ضمن حديث طويل رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (٦٣٢ - زوائد) عن أنس ﵁.
[ ١٤ / ٣٠ ]
يقول: كثيرًا ما أهلَكْنا قَبْلَ هؤلاء المشركين مِن أُمَّةٍ مِن الأُمَم السَّالِفة ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾: أي: تَجَبُّرًا وسَطْوَةً على الناس؛ كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ لُوطٍ.
﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾: قال مجاهد: ضرَبوا في البلاد (^١).
وقيل: طافُوا فيها وساروا في أقاصيها لِلتِّجارات وغيرِها، وقال امرؤُ القيسِ:
لقد نقَّبْتُ في الآفاق حتى رَضِيتُ مِن الغَنِيمة بالإيابِ (^٢)
﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: قال الفراء: أي: هل كان لهم مَحيصٌ (^٣)؛ أي: مَهْرَبٌ عن الهلاك؛ أي: لم يكنْ.
وقيل: ﴿فَنَقَّبُوا﴾: أي: طافَ هؤلاء المشركون ﴿فِي الْبِلَادِ﴾؛ أي: بلادِ أولئكَ (^٤)، وشاهَدوا آثارَ أولئكَ، ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: هل لهؤلاءِ مِن مَحيصٍ عمَّا حَلَّ بأولئكَ.
* * *
(٣٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾: أي: فيما ذُكِرَ في هذه السُّورة مِن البَعْثِ وأحوالِ يومِ (^٥) القيامة وإِهْلاكِ القُرونِ لِعِظَة.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٦٠)، وروى عقبه عن مجاهد أيضًا قوله: عملوا في البلاد، ذاك النقبُ. وعلقه البخاري (٦/ ١٣٨)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠٥).
(٢) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ٩٥)، وفيه: "وقد طوفت" بدل من "لقد نقبت".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٧٩).
(٤) في (ر): "في كل البلاد" بدل: "بلاد أولئك".
(٥) في (ف): "وأهوال" بدل: "وأحوال يوم".
[ ١٤ / ٣١ ]
﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: قال الفراء وجماعةٌ: أي: عَقْلٌ (^١).
وقيل: أي: قَلْبٌ مُتَدَبِّرٌ.
﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: أي: استمَعَ لِكتابِ اللَّه ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾: حاضِرُ القلبِ فيَفْهَمُ، أشارَ إلى أنَّ التَّنْبِيهَ يقعُ بالعَقْل والسَّمْع.
وقال قتادة: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: مِن هذه الأُمَّة، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: رجلٌ مِن أهل الكتاب سَمِعَ القرآنَ، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾: فصَدَّقه لِمَا في كتابه مِن بَيانه (^٢).
* * *
(٣٨) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: أي: أَهْلَكْنا القرونَ بذُنوبهم، ولم نُعاجِلْ إِهْلاكَ هؤلاء مع استحقاقهم؛ لِحِكْمَةٍ، كما خلَقْنا السماواتِ والأرضَ وما بينهما في ستَّةِ أيَّامٍ، ولم نُعاجِلْ خَلْقَها مع القُدْرة على ذلك لِحِكْمَةٍ، وقد بيَّنَّا ذلك في سورة الأعراف و(حم) (^٣) الدُّخان.
﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾: أي: إِعياءٍ، والفعلُ مِن باب (دخَلَ).
قال سعيدُ بنُ جُبير: ﴿مِنْ لُغُوبٍ﴾: أي: كَلالٍ (^٤).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٨٠)، و"تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٩/ ٣٦٦)، "وتفسير السمرقندي" (٣/ ٣٣٨)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ١٠٦).
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٦٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٦٢). وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٨).
(٣) في (ر): "وسورة".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١١٢) من غير نسبة.
[ ١٤ / ٣٢ ]
وقال الثَّوْريُّ: مِن سَآمَةٍ (^١).
وقال يَمانُ بنُ رِئابٍ: مِن تعَبٍ (^٢).
وقال مجاهد: مِن نَصَبٍ (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: إنَّ اليهودَ أتَتِ النَّبيَّ -ﷺ-، فسألَتْه عن خَلْق السماوات والأرض، فقال: "خلَقَ اللَّهُ الأرضَ يومَ الأحدِ والإثنين، وخلَقَ الجبالَ وما فيها مِن المَنافع يومَ الثُّلاثاءِ، وخلَقَ الشَّجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخرابَ يومَ الأربعاء، وخلَقَ السَّماءَ يومَ الخميس، وخلَقَ الشمسَ والقمرَ والنُّجومَ والملائكةَ يومَ الجمعة"، فقالت اليهودُ: ثُمَّ ماذا يا محمدُ؟ قال: "ثم استوى على العرش"، قالوا: قد أصَبْتَ، لو أَتْمَمْتَ، قال: "وما هو؟ " قالوا: ثم استراحَ يوم السَّبْتِ، فغَضِبَ النبيُّ -ﷺ- غضَبًا شديدًا، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^٤).
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٦٥).
(٢) ذكره النحاس في "إعراب القرآن" (٤/ ١٥٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٥٦)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٧٠) من غير نسبة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٦٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٧٦٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٨٢)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٣٦٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٩٩٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٧). من طريق أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس. وصححه الحاكم فتعقبه الذهبي بقوله: أبو سعد البقال قال ابن معين: لا يكتب حديثه. قلت: وأبو سعد البقال هو سعيد بن المرزبان العبسي مولاهم، الكوفي الأعور. قال عنه الحافظ في "التقريب": ضعيف مدلس.
[ ١٤ / ٣٣ ]
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: مِن الشِّرْكِ والتَّشْبيهِ والتَّكْذيبِ.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: أي: وصَلِّ شُكْرًا للَّه، وقيل: بأمرِ ربِّكَ.
﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: صلاةِ الفجرِ.
﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾: أي: غُروبِها: صلاةِ الظُّهر وصلاةِ العَصْرِ.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: صلاةِ المغربِ والعشاءِ.
﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وحمزةُ بكسر الألف، وهو الانقضاءُ، وقرأ الباقون بفَتْحِها (^١)، وهي جَمْعُ (الدُّبُر)، وهو عَقِيبُ الشَّيءِ.
وقال ابن عباس ﵄ موقوفًا عليه ومرفوعًا: هو الرَّكعتان بعد المغرب، أكَّدَ اللَّهُ النَّدْبَ إليهما، وهو قولُ عمرَ وعليٍّ والحسنِ بنِ عليٍّ وأبي هريرةَ وعِدَّةٍ مِن التابعين ﵃ (^٢).
والسُّجودُ: هو الصَّلاةُ، سُمِّيَتْ به لأنَّه فيها؛ كما تُسَمَّى تَسْبيحًا لذلك.
وقيل: هو التَّنَفُّلُ بعد كلِّ فرضٍ ورَدَ فيه نَفْلٌ.
وقيل: هو نَفْسُ التَّسْبيحِ بعد الصلوات، يقول: رَوِّحْ قلبَكَ إذا آذَوْكَ بالصلاة للَّه ومُناجاتِه.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٦٩ - ٤٧٢) عن علي، والحسن بن علي، وأبي هريرة، والشعبي، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وابن عباس، وجبير بن نفير، والحسن، والأوزاعي، وقتادة. وأما رواية ابن عباس ﵄ مرفوعة، فقد رواها الترمذي (٣٢٧٥)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٧١)، والطبراني في "الأوسط" (٧٤٥٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠٧) بلفظ: "إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر، وإدبار السجود الركعتان بعد المغرب".
[ ١٤ / ٣٤ ]
(٤١) - ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾.
﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾: أي: واستَمِعْ يا محمدُ صَيْحَةَ يومِ القيامة، فإنها قريبةٌ تأتيهم غيرَ مُبْطِئَةٍ.
﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: قال ابن عباس ﵄: هي النَّفْخَةُ الأخيرةُ، يقومُ إسرافيلُ على صَخْرَةِ بيتِ المَقْدِسِ -وهي أقرَبُ الأرض إلى السماء باثني عشر مِيلًا، وهو المكانُ القريبُ- يُنادي: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ، واللُّحومُ المُتَمَزِّقَةُ، والأوصالُ البالِيَةُ، والعُروقُ المُنْبَتَّةُ، قوموا إلى مُحاسبةِ ربِّ العزة، فيخرُجون، فينتشِرون على وجه الأرض (^١).
وقال عكرمة: ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: كأنه مِن تحت أقدامِهم (^٢).
وقال الضَّحَّاك: يُسْمِعُ البعيدَ كما يُسْمِعُ القَريبَ (^٣).
وقيل: ﴿مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: عندكم في الدنيا.
ثم الاستماعُ لا يقَعُ على اليوم، وإنما يقَعُ في اليوم، وأما ما يقع عليه:
فقيل: هو نِداءُ المُنادي، وهو مُضْمَرٌ.
وقيل: هو الصَّيْحَةُ.
وقيل: هو دُعاءُ الكافرين بالوَيلِ والثُّبورِ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٧٥) عن كعب. ورواه مختصرا ابن أبي الدنيا في "الأهوال" (٧٦) عن قتادة.
(٢) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٤٨)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٩٣)، من غير نسبة. وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤١٩) عن عطاء عن ابن عباس ﵄.
(٣) ذكر نحوه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٥٨) عن ابن جريج.
[ ١٤ / ٣٥ ]
(٤٢ - ٤٥) - ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾: قال الضَّحَّاكُ: صيحةَ إسرافيلَ صلواتُ اللَّهِ عليه (^١).
﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بأمر اللَّه الذي هو حَقٌّ.
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾: أي: مِن القُبور.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾: أي: مَصِيرُهم.
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾: أي: تَصَدَّعُ عنهم فيَخرجون ﴿سِرَاعًا﴾: إلى دَعْوَةِ المُنادي.
﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾: أي: هَيِّنٌ.
قولُه تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾: أي: بقولِ هؤلاء المشركين مِن تَكْذِيبِكَ، والافتراءِ على ربِّكَ، وإنكارِ البَعْثِ.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾: أي: بِمُسَلَّطٍ تُجْبِرُهم على الإسلام، إنما عليك الدَّعْوَةُ.
قال الحسن: وما أنتَ عليهم برَبٍّ تُجازيهم على أعمالهم (^٢).
وقيل: بفَظٍّ غليظٍ، فأعرِضْ عنهم، ولا تَنْتَقِمْ منهم إلى أنْ تُؤْمَرَ بقتالهم.
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾: خَصَّ الخائفَ به لأنه هو المُنْتَفِعُ به.
واللَّهُ المُوَفِّقُ
_________________
(١) هو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٤/ ١١٦)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٩) من غير نسبة.
(٢) ذكره عنه الطوسي في "التبيان" (٩/ ٣٧٦).
[ ١٤ / ٣٦ ]