بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه ربِّ البيت الحرام، الرحمنِ مطعِمِ الطعام، الرحيمِ مؤمنِ الأنام.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة لإيلاف (^٢) قريش أعطاه اللَّه تعالى عشر حسنات بعددِ مَن طاف حول البيت واعتكف به" (^٣).
وهذه السورة مكية، وهي أربع آيات وسبعَ عشرةَ كلمة وثلاثةٌ وستون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في ذكر البيت الحرام وما له من القَدْر والاحترام.
* * *
(١ - ٣) - ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾.
قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾: اللام لها ثلاثة أوجه:
قيل: هي لام التعجُّب؛ أي: اعجَبوا من كفر قريشٍ مع إيلافنا إياهم ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾؛ أي: إلزامنا، وقيل: تهيئتنا.
_________________
(١) في (ر): "سورة لإيلاف قريش".
(٢) "لإيلاف" ليس من (أ).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٩)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٥٥)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٢٤)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٤٩١ ]
وقيل: هي متصلةٌ بالسورة الأولى؛ أي: فعلنا بأصحاب الفيل ذلك لنؤلِّف قريشًا رحلتيها.
وقيل: هي متصلة بما بعدها: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ لإيلافنا ذلك، والإيلاف: تعدية الإلف؛ أَلِفْتُ الشيءَ؛ أي: لزمتُه، وآلَفَني غيرى ذلك.
وقال ابن الأنباري: أَلِفَ الشيء؛ أي: هيَّأه وجهزه.
يقول: فعلت بهم ذلك لأُوْلِف قريشًا رحلتيهم اللتين هما قِوام عيشهم؛ إحداهما في الشتاء والأخرى في الصيف؛ لأن مكة بلدٌ جَدْبٌ لا زرعَ فيه ولا ضرع؛ كما قال: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فكان أشراف مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين، فيمتارون لأنفسهم ولمن وراءهم من عشيرتهم (^١) ببضائعهم ما يكفيهم عامَهم، وكان تمامُ هاتين الرحلتين بأهل (^٢) الآفاق من رؤساء الممالك وإيجابهم وتوقيرهم لقريش، وقولهم لهم: هؤلاء جيرانُ بيت اللَّه تعالى وسكانُ حرمه وولاةُ الكعبة، فلو تمَّ لأهل الحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة لزال عنهم هذا العزُّ، ولبطلت هذه الحرمات، ولصاروا هم وغيرهم سواءً يُتخطَّفون من كل جانب، ويُتعرَّض لهم بالمكاره في النفوس والأموال، فصان اللَّه عليهم جاههم، وزاد بإهلاك أصحاب الفيل عزَّهم، وأدام لهم رحلتيهم.
وقال أبو عبيدة: أَلِفَ وآلَفَ واحدٌ كقولهم: نَكِرَ وأَنْكَرَ (^٣)، ومعناه: لتألَفَ قريشٌ (^٤) ذلك.
_________________
(١) في (ف): "عشائرهم".
(٢) في (ف): "لأهل".
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣١٢). وزاد: ومجاز ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ على: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. . لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.
(٤) في (أ): "ليألف من قريش".
[ ١٥ / ٤٩٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾: تكريرٌ للتأكيد والتقرير.
﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾: نصبٌ بوقوع الإيلاف عليه، وهو اللزوم أو الإلزام، فعلى الأول: لَزِموا رحلة الشتاء والصيف وداموا عليها، وعلى الثاني: ألزمهم اللَّه رحلةَ الشتاء والصيف وأدامها لهم (^١).
﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾: أي: فلْيوحِّدوا وليطيعوا.
﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾: الذي (^٢) نالوا به ما نالوا من الحرمة والنعمة؛ شكرًا له على ابتداء (^٣) هذه المنَّة.
* * *
(٤) - ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾: أي: بعد جوع؛ قال الشاعر:
ما زالتُ أقطع منهلًا عن منهلٍ حتى أنختُ ببابِ عبد الواحد (^٤)
أي: بعد منهل.
قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾: أي: بعد خوف.
وقيل: أي: أطعمهم على حاجتهم إليه لجوعهم، وآمنهم في الطرق على خوفهم، يريد أمر الرحلتين على قول بعضهم.
وقيل: ذكرُ الرحلتين كان فيما مضى، ويقول: فليذكروا تلك المشقَّة وأنِّي أزلتُ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وداموا عليها".
(٢) في (أ): "أي".
(٣) في (ف): "إسداء".
(٤) تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣].
[ ١٥ / ٤٩٣ ]
ذلك وأطعمتُهم بما فتحتُ عليهم من الفتوح فنُقل إليهم كلُّ شيء، وآمنتُهم من خوف الطرق (^١) فكفيتُهم مؤنة الأسفار، وجعلتُ كلَّ شيء يجيء إليهم على إكثار.
وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾؛ أي: فعلتُ بأصحاب الفيل ذلك لإزالة إيلافِ قريش رحلتيها، وهو كقولك: فعلتُ كذا بك لتكلُّفك (^٢) الأسفارَ، أي: لأزيل ذلك عنك وأغنيَك عنه.
وقال الكلبي: كانوا تعوَّدوا رحلتين إحداهما في الشتاء إلى اليمن، والأخرى في الصيف إلى فلسطين، فمكثوا بذلك زمانًا حتى اشتدَّ ذلك عليهم، فأَخصبت تَبَالةُ وجُرَشُ وأهلُ ساحل البحر، وحمل أهل البرِّ على الإبل، وأهلُ البحر بالسفن لجُدَّة، وامتار أهل مكة ما شاؤوا، وكفاهم اللَّه تعالى الرحلتين (^٣).
وقال نفطويه: الإيلاف: العهود التي كانت تأخذها رجال قريش من ملوك العرب إذا خرجوا في التجارات، فيسيرون في ممالكهم فيأمَنون بتلك العهود، وكان لأشراف قريش تجارات، فكان هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل بنو عبد مناف أصحابُ الرحلتين، وكان يتَّجر هاشم بن عبد مناف بالشام، وكان يأخذ الإيلاف من قيصر ومَن يليه من رؤساء قبائل العرب كملوك غسان الذين يتولون الشام، فيسير في أرض الشام ولا يَعْرِض (^٤) له أحد، وكان هو الرئيسَ على مَن سلك تلك الطرقَ،
_________________
(١) في (أ): "الطارق".
(٢) في (أ): "فعلت بكذا كذا لتكلفك" وفي (ر): "فعلت كذا بك لأكلفك".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٢) عن أبي صالح، ولعله من رواية الكلبي عنه، وقد تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] عن مقاتل نحوه، وفيه: (. . . فأسلم أهلُ صنعاء وجُدَّةَ وجُرَشَ، وحملوا الطعام إلى مكة على ظهور الدَّوابِّ. . .).
(٤) في (أ): "فيسير في الأرض لا يعرضن".
[ ١٥ / ٤٩٤ ]
وكان أولَ مَن رحل رحلتين، فيقول اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ الذي دفع عنه العدو ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك وآمَن بلدهم وجعلهم يتفرقون في البلاد كما شاؤوا.
وقيل: ﴿أَطْعَمَهُمْ. . . وَآمَنَهُمْ﴾ (^١)؛ أي: بعد سبع سنين في الجدب والقحط حتى أكلوا الجيَف.
وعن علي ﵁: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ يعني (^٢): آمَنَ قريشًا أن تكون الخلافة إلا فيهم (^٣).
وعن سعيد بن جبير قال: مرَّ رسول اللَّه -ﷺ- بملأ ومعه أبو بكر ﵁ وهم ينشدون:
قل للَّذي طلبَ السماحةَ والنَّدَى هلَّا مَرَرْتَ بآلِ عبدِ الدَّارِ
هلَّا مررتَ بهم تريد قِراهُمُ منعوكَ من جهدٍ ومن إقتارِ
فقال رسول اللَّه -ﷺ- لأبي بكر: "أهكذا قال الشاعر؟ " قال: لا والذي بعثك بالحق، بل قال:
قل للَّذي طلبَ السماحة والنَّدى هلَّا مررتَ بآلِ عبدِ مَنافِ
هلا مررتَ بهم تريدُ قِراهمُ منعوك من أسرٍ ومن إكتاف
الرائشينَ وليس يوجدُ رائشٌ والقائلين هلمَّ للأضيافِ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقيل: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ ".
(٢) في (أ): " ﴿وَآمَنَهُمْ﴾ أي".
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٤٩)، وجعله الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٨٠٣) من بدع التفاسير.
[ ١٥ / ٤٩٥ ]
والخالطين غنيَّهم بفقيرهم حتى يصيرَ فقيرُهم كالكافي
والقائمين بكلِّ وعدٍ صادقٍ والراحلينَ برحلةِ الإيلافِ
عمرُو الذي (^١) هَشَم الثَّريدَ لقومه ورجالُ مكةَ مسنِتون عجافُ
سفرين سنَّهما له ولقومه سفرَ الشتاء ورحلةَ الأصيافِ (^٢)
وقرئ: ﴿لإلَاف قريش﴾ بغير ياء (^٣)، وهو العهدُ، وقال أبو طالب يوصي أبا لهب برسول اللَّه -ﷺ-:
ولا تتركَنْهُ ما حييتَ لمعظَمٍ وكُنْ رجلًا ذا نجدةٍ وعفافِ
تذودُ العِدَى عن عصبةٍ هاشميةٍ إلَافُهُمْ في الناس خيرُ إلافِ (^٤)
* * *
_________________
(١) في (ف): "الذي".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٣٠/ ٣١٨ - ٣٢٠) (ط: دار التفسير).
(٣) هي قراءة ابن عامر. انظر: "السبعة" (ص: ٦٩٨)، و"التيسير" (ص: ٢٢٥).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠١).
[ ١٥ / ٤٩٦ ]