بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم الذي آتى لقمان الحكمة، الرحمنِ الذي أسبغَ علينا النعمة، الرحيمِ الذي ينزل الغيث ويكشفُ الغمة.
وروَى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة لقمان كان لقمانُ له يومَ القيامة رفيقًا، وأُعطي عشرَ حسنات بعددِ مَن عمِل بالمعروف ونهى عن المنكر" (^١).
وهذه السورةُ مكية إلا آيتينِ نزلتا بالمدينة: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وهي ثلاث وثلاثون آية، وكلماتها خمسُ مئة وسبعٌ وأربعون، وحروفُها ألفان ومئة وعشرون حرفًا (^٢).
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ ختمَ تلك بذمِّ الكفار لأنهم لا يوقنون وافتتاح هذه السورة بمدحِ المؤمنين أنهم بالآخرة هم (^٣) يوقنون.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٠٩)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٩١٨)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ٢٠٥)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٣٠٩)، وفيهما: (وكلمها خمس مئة وثمان وأربعون كلمة، وحروفها ألفان ومئة وعشرة).
(٣) "هم" من (أ).
[ ١٢ / ٥٣ ]
وانتظام السورتين: أنهما مكيتان، وكلُّ واحدةٍ منهما في بيانِ وحدانية اللَّه وبيانِ حقِّيَّة الكتاب والرسولِ، ومدحِ المؤمنين وبيانِ حُسن عاقبتهم، وذمِّ الكافرين وبيانِ سوءِ خاتمتهم.
* * *
(١ - ٢) - ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الم﴾: قد بينَّا الأقاويل فيه.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾: أي: هذه آياتُ القرآن المحكَم، من قوله تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ [هود: ١].
وقيل: أي: ذي الحكمة.
وقيل: أي: الحاكمِ، ومعناه: أنَّ فيه بيانَ الأحكام.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾: قرأ حمزة بالرفع على الاستئناف؛ أي: هو هدًى ورحمةٌ، وقرأ الباقون بالنصب على القطع (^١)؛ لأنَّه نكرة جُعل نعتًا للمعرفة، ومعناه: هذه الآيات يُهتدَى بها إلى سبيل (^٢) الحق، ورحِم اللَّه بها عباده بأنْ أودعها ما بهم إليه حاجةٌ في دينهم ومصالح دنياهم، فصاروا بذلك محسنين؛ أي: يُحسنون العمل للَّه تعالى، وخصَّهم بالإضافة لاختصاصهم بالانتفاع بها.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥١٢)، و"التيسير" (ص: ١٧٦).
(٢) في (أ): "سبل".
[ ١٢ / ٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: صفات المحسنين.
* * *
(٥ - ٦) - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: وعدٌ لهم؛ أي: هم على الرشاد في الدنيا ولهم الفوزُ في العقبى.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: أي: ومن الناس مَن يختارُ على هذا الكتاب الذي مرت صفتُه ومدحُ متَّبعيه ووعدُهم عليه في الدارين (^١) حديثًا يُلهيه؛ أي: يَلِذُّه في غير دينه، كأحاديثِ ملوك فارسَ والروم، فيقطع الزمانَ بمثله ويدعو نظراءَه إلى التلهِّي به.
وقوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: عن دِينه الحقِّ.
وقيل: سبيلُ اللَّه ها هنا هو القرآن وذكرُ اللَّه، وهذا عن ابن عباس ﵄ (^٢).
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي: جهلًا منه وقلةَ تمييز بين ما يُفيد نفعًا في مصالح الدارين وبين ما يفيد وِزرًا وخُسرانًا (^٣) في الدارين.
وقيل: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: جهلًا منه بما عليه من الوزر به في الآخرة.
_________________
(١) في (أ): "في الدار الآخرة".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٣٩ - ٥٤٠).
(٣) في (أ): "وخسارًا".
[ ١٢ / ٥٥ ]
وقيل: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ صفة المفعول بالإضلال؛ أي: يضلُّ به مَن قلده توهُّمًا أنه على علم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾: عطف على ﴿لِيُضِلَّ﴾؛ أي: وليتَّخذ سبيلَ اللَّه هُزوًا؛ أي: سخريةً يسخر منه وممن اعتقده، ويقول: هؤلاء يضيِّعون أيامهم، ويتحمَّلون أثقالَ شرائعَ على أمرٍ (^١) مظنونٍ مشكوك فيه، لا ثمرة له على نَصَبه.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: أي: هذه الطائفةُ لهم السبي والقتل في الدنيا.
وقيل: لهم العذاب المذِلُّ المخزي في الآخرة.
* * *
(٧) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾: أي: القرآنُ ﴿وَلَّى﴾؛ أي: أعرضَ (^٢) عن الاستماع إليه.
﴿مُسْتَكْبِرًا﴾؛ أي: متعظِّمًا مترفِّعًا عن استماعه واتِّباعه.
﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾: أي: يعرض عنها كإعراضِ مَن لم يسمعها.
﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾: وكإعراض مَن في أذنيه ثقلٌ أو (^٣) صمم.
_________________
(١) في (أ): "أثقال على أمر"، وفي (ف): "أثقال شرائع أمر".
(٢) في (ف): " ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾؛ أي: مدبرًا معرضًا" وفي (ر): " ﴿وَلَّى﴾ مدبرًا أي: أعرض".
(٣) في (أ): "و".
[ ١٢ / ٥٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^١): أي: وجيع، وجَمع في ختم الآيتين (^٢) لأنه من جنسٍ أُريد به الجمع، فوحَّد في الابتداء للَفظه وجمعَ في الآخر لمعناه.
وقيل: المراد بالبشرى هو البشرى المعروف.
وقيل: المذكور في الآيتين هو النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار، وهو الذي قُتل ببدر، وكان يتَّجر ويخرج إلى فارس، فيرجعُ بكتب الأعاجم ويقول لقريش: إن محمدًا يحدِّثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بحديث كسرى وبهرام (^٣).
وقال مقاتل: كان يحدث قريشًا بحديث رستم وإسفنديار وكانوا يستملحون حديثه فيصدُّهم بذلك عن النبي -ﷺ- (^٤).
وقيل: اللهو في هذه الآية: الغناءُ وما يتصل به من الملاهي، وكان منهم مَن يشتري القَينةَ تُلهيه وتغنِّيه، فيقطعُ بذلك أيامه ويُحسن الاستماع (^٥) إليه، ويستكبر عن استماع مواعظ اللَّه تعالى، وهو قول ابن عباس ومجاهد (^٦).
وروى أبو أمامة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا يحلُّ بيعُ المغنيات ولا التجارةُ فيهن، وثمنهنَّ حرام، وإنما أنزلت هذه الآية في هذا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي
_________________
(١) في (أ): "فبشرهم بعذاب أليم" وهو سهو فإن الآية هنا: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ بالإفراد. وانظر التعليق الآتي.
(٢) كذا في (أ) و(ف)، وسقطت الجملة من (ر)، والصواب أن الأولى فقط هي التي ختمت بالجمع، ولعل هذا الخطأ مبني على ما تقدم في النسخة (أ) من مجيء (فبشرهم) بالجمع فيها.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٨٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٩١٤)، عن ابن عباس ﵄.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣١٠) عن مقاتل والكلبي، وهو قطعة من خبر ابن عباس السابق.
(٥) في (أ): "الاستمتاع".
(٦) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٣٤ - ٥٣٨)، ورواه أيضًا عن ابن مسعود وجابر وعكرمة.
[ ١٢ / ٥٧ ]
لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ والذي نفسي بيده لا يرفعُ الرجل عقيرته بالغناء إلا اكتنَفه شيطانٌ من هذا الجانب وشيطان من هذا الجانب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت" (^١).
وقال قتادة: هو كلُّ لهوٍ ولعب (^٢).
وقال عطاء: هو الترهات وفضول الكلام (^٣).
وقيل: لهو الحديث هو الشرك لأنه يلهي عن الطاعات للَّه؛ لجحود صاحبه بيوم الحساب (^٤).
* * *
(٨ - ٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾: هو في مقابلةِ وعيد أولئك بالعذاب الأليم.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي في جنات النعيم لا يخرجون منها ولا يموتون فيها.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: أي: وعَد اللَّهُ ذلك وَعْدًا صدقًا.
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" (٧٧٤٩). وضعفه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٥٧٤).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣١٠). وروى عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٨٥)، الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٣٣)، عنه قوله: (واللَّه لعله أن لا ينفق فيه مالًا، ولكن اشتراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقّ)، زاد الطبري: (وما يضرّ على ما ينفع).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣١٠). بلفظ: (الترهات والبسابس).
(٤) في (أ): "القيامة".
[ ١٢ / ٥٨ ]
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع الذي لا يغالب فيما يفعل بأوليائه وأعدائه.
﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يفعل من التمييز بينهم وبينهم.
* * *
(١٠) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾: أي: العزيز الحكيم ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ فأقامها ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ وأنتم ﴿تَرَوْنَهَا﴾ أنها بغير عمدٍ.
وقيل: جعل لها عمدًا ولكنكم لا ترونها وهي القدرة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: أي: وخلق فيها جبالًا ثوابت.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أي: لئلا تضطرب بكم؛ كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]؛ أي: لئلا تضلوا.
وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾: أي: نشر (^١) فيها ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ من أنواع الحيوانات التي تدبُّ على وجه الأرض، وهذا كلُّه على المغايبة (^٢).
ثم قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: وهذا إخبارٌ عن نفسه كخطاب الملوك على الجمع، وهو من تلوين الخطاب، وهو أحد أنواع البلاغة.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: أي: من كلِّ صنفٍ من النبات حسنٍ مُؤْنق.
* * *
_________________
(١) في (ر): "فرق"، وفي (ف): "أنشر".
(٢) في (ر): "المعاينة".
[ ١٢ / ٥٩ ]
(١١) - ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾: أي: مخلوقُ اللَّه ﴿فَأَرُونِي﴾ معاشرَ المشركين ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والملائكة والشياطين فيستحِقُّوا بذلك العبادة.
وقوله تعالى: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿بَلِ﴾ ردٌّ لِمَا قبله صريحًا أو تقديرًا، وتقديره هاهنا: ليس إشراكهم باللَّه لأن ما أشركوا به (^١) خلَق شيئًا بل هم واضعون العبادةَ في غير موضعها على سبيلِ ضلالٍ عن الحق ظاهرٍ وجهلٍ بيِّن.
* * *
(١٢) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾: ذكر قصةَ لقمان وأمرِه ابنَه بتجنُّب الشرك وملازمة الإخلاص وغير ذلك من الأمور التي كان مشركو قريش يخالفونها؛ لأن أمر (^٢) لقمان كان مشهورًا عند أهل الكتاب، وكان مشركو العرب يرجعون إليهم، فكان تصديق أهل الكتاب بقصته حجةً على المشركين.
واختلف في لقمان: هل كان نبيًّا أو لا؟
قال الواقدي: كان عبدًا حبشيًا مجدَّعًا مصكَّك الركبتين مصفَّح القدمين، قاضيًا في بني إسرائيل (^٣).
_________________
(١) "به" من (أ).
(٢) "أمر" من (أ).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣١٢) عن الواقدي مقتصرًا على قوله: (كان قاضيًا في بني إسرائيل)، =
[ ١٢ / ٦٠ ]
وقال وهب: هو ابن أخت أيوب صلوات اللَّه عليه (^١).
وقال مجاهد: كان عبدًا نوبيًّا غليظَ الشفتين ذا مَشافرَ (^٢).
وقال محمد بن إسحاق: هو لقمان بن باعور بن ناحور بن تارخ وهو آزر والد إبراهيم ﵇ (^٣).
وقال قتادة: كان حكيمًا من غير نبوة (^٤).
وقال عكرمة: كان نبيًّا (^٥)، وتفرَّد بهذا القول.
وقال مجاهد: الحكمة هي العقل والإصابة في القول والعمل (^٦).
وقال وهب: هي العلم والفهم والفطنة من غير نبوة.
قال: وكان عبدًا لرجل من بني إسرائيل فأعتقه وأعطاه مالًا فبارك اللَّه له فيه، وكان لا يأتيه سائل إلا أعطاه، ولا ينزل به ضيف إلا أضافه، وكان في زمن داود ﵇ قد نوَّر اللَّه قلبه بالإيمان، وأطلق لسانه بالحكمة، وعمِّر عمرًا طويلًا، بعث اللَّه تعالى طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون للقائلة، فدخلوا عليه بيته يسمع كلامهم ولا يرى صورهم، فسلَّموا عليه فرد ﵈،
_________________
(١) = ورواه بنحوه الإمام أحمد في "الزهد" (٢٦٦)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٤٧)، عن مجاهد، ولفظه: كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًّا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيًا على بني إسرائيل.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣١٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٤٧) عن سعيد بن المسيب.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣١٢).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٤٦).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٤٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣١٢).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٤٦).
[ ١٢ / ٦١ ]
فقالوا: إنا رسل ربِّك ليجعلك خليفةً في الأرض تحكُم بين الناس بالحق، قال لقمان: إنْ جبَرني ربي على ذلك سمعتُ له وخضعتُ لطاعته ورجوتُ أن يُعينني ويسدِّدَني عليه، فإذا أعفاني قبلتُ العافية ولم أتعرَّض للفتنة؛ لأن الحكم بين الناس بأشدِّ المنازل وأكثرِها لمواقع الفتن، والحاكم إذا لم يحكم بالحق خُذل، وإذا حكم بالحق أُعين، وفيه خطرٌ عظيم، ومَن أخطأ الحقَّ أخطأ طريقَ الجنة، ومَن يكن في الدنيا حقيرًا خاملًا كان أهونَ عليه يومَ المعاد و﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ ويوم ﴿تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ فعَجِبت الملائكة من حكمته، ورضي اللَّه تعالى قوله.
فلما أمسى لقمان وجنَّه الليل وأخذ مضجعه، غشَّاه اللَّه بالنعاس، وأنزل عليه الحكمة فصبها عليه صبًّا وحشا بها جوفَه، وأظهرها على لسانه، فاستيقظ وهو أحكمُ أهل زمانه، فلا يلقى أحدًا إلا وعظه وذكَّره.
وآتى اللَّه تعالى داود ﵇ الخلافةَ، وبينما لقمان يومًا يَعِظ الناس وهم مجتمعون عليه إذ مر عظيم من عظماء بني إسرائيل، فأقبل ينظر (^١) في وجهه فإذا رجل أسود، فتحوَّل حتى أتاه من خلفه، فأخذ برقبته فغمزها ثم قال: أنت لقمان؟ قال: أنا لقمان، قال: أنت راعي بني فلان؟ قال: نعم، قال: فما الذي بلَّغك (^٢) ما أرى وأنت أنت؟ قال: صدقُ الحديث وأداءُ الأمانة وتركي ما لا يَعنيني، قال: صدقت.
وقد وعظ ابنَه ثاران بعشرة آلاف حكمة، وقيل: إنه لمَّا (^٣) فرغ منها لقمان خرجت روح ابنه لِمَا أثقله من حملها.
وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾؛ أي: وقلنا له: اشكر للَّه.
_________________
(١) في (أ): "قيل فنظر"، بدل: "فأقبل ينظر".
(٢) في (ف): "بلغ بك".
(٣) في (أ): "ولما"، وفي (ف): "وقيل إنه كان لما"، بدل: "وقيل إنه لما".
[ ١٢ / ٦٢ ]
وقيل: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ ترجمةٌ لقوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ وهو بيان أن رأس الحكمة للمخلوقين شكرُهم نِعَمَ اللَّه تعالى.
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾: أي: نفعُه يعود إليه بتمام النعمة ودوامها وزيادتها والثواب على شكرها ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ النعمة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ عن شكر عباده، لا يتكثَّر بشكرهم، ولا يتعزَّز بطاعتهم ﴿حَمِيدٌ﴾ على إنعامه لأن آثار إنعامه ظاهرةٌ على كافة بريَّته.
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾: أي واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾:
﴿يَابُنَيَّ﴾: تصغير على جهة الشفقة والتلطف ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: لا تجعل للَّه شريكًا في العبادة.
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ﴾ من المشرك على نفسه ﴿عَظِيمٌ﴾ لأنه يورده (^١) عذابًا لا ينقطع ولا يُفتَّر، ولأنه وضْعُ العبادةِ غيرَ موضعها وهو عظيم؛ أي: شنيع منكر في العقول.
* * *
(١٤) - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
_________________
(١) في (ر): "يؤديه".
[ ١٢ / ٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾: قيل: هو عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ. . . وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾.
وقيل: هذا كلام معترِضٌ في قصة لقمان إلى قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثم عاد الكلام إلى قصته.
وقيل: هو متصل كلُّه، وهاهنا مضمر تقديره: وقلنا له -أي: للقمان-: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾.
قيل: أي: ببرِّ والديه، وقد صرح به في آية أخرى: ﴿بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾: ﴿بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾، ثم نبَّه على المعنى الموجِب لبِرهما فقال:
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾: أي ضَعفًا على ضَعفٍ؛ أي: تزداد كلَّ يوم ضعفًا على ضعفٍ؛ لأن الحمل في البداية خفيفٌ ثم يَثْقُل شيئًا فشيئًا.
وقيل: معناه: أن المرأة ضعيفة في الخلقة ثم يُضعفها الحمل لثقله.
وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾: أي: فطامه عن الرضاعة لتمام عامين؛ أي: أنها ترضعهُ وتربِّيهِ في هذه المدة، وهذا مما يوجِب لها حقًّا، ويُلزمه لها شكرًا.
وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾: قيل: هو متصل بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ. . . أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾: اشكر لي على الإيجاد ولهما على التربية.
﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾: وهو ترغيب وترهيب.
* * *
(١٥) - ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾:
[ ١٢ / ٦٤ ]
أي: إني وإن كنتُ عظَّمتُ عليك حقَّهما، فلم يبلغ من حقِّهما عليك أن (^١) يجوز لك طاعتُهما فيما يأمرانك به من الإشراك بي وإن اجتهدا عليك في ذلك.
وهذا كلُّه تعريفٌ لهؤلاء المشركين شدةَ في الأمر في الشرك، فإنه لا يباح بحال، وانتظمت هذه الآية (^٢) بالأولى بهذا المعنى، فإنه قال هناك: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، وها هنا قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي. . . فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾: أي: في أمور الدنيا بالمعروف لمثلهما، وهو الطاعةُ لهما فيما لا يُفسد عليك دينك.
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾: أي: واتَّبع أيها الإنسان طريقَ مَن أقبل عليَّ بتوبته وعبادته (^٣).
﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: أي: رجوع جميعِكم في الآخرة.
﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: أخبرُكم بأعمالكم وأجازيكم عليها.
وقيل: نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص، وذلك أن أمه حمنةَ بنت سفيان (^٤) بن أمية بن عبد شمس، نذرت أن لا تأكل ولا تشرب حتى (^٥) يمس سعدٌ إسافًا ونائلةَ (^٦)، وهما صنمان كانا على الصفا والمروة.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فلا"، بدل: "فلم يبلغ من حقهما عليك أن".
(٢) في (ف): "الحالة".
(٣) في (ف): "ثبوتك على عبادته" بدل: "من أقبل علي بتوبته وعبادته".
(٤) قيل: بنت سفيان، وقيل: بنت أبي سفيان. انظر: "أسد الغابة" (٢/ ٤٣٣).
(٥) في (أ): "أو"، وفي (ف): "ما لم".
(٦) رواه بنحوه مسلم (١٧٤٨) كتاب فضائل الصحابة، عقب الحديث (٢٤١٢)، والترمذي (٣١٨٩)، من حديث سعد ﵁.
[ ١٢ / ٦٥ ]
وقال سعد بن أبي وقاص نزلت فيَّ ثلاث آيات: هذه الآية، وآية الوصية، وآية تحريم الخمر (^١)، وقد ذكرناها مبسوطة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآيةَ.
* * *
(١٦) - ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: قرأ نافع: ﴿مِثْقَالَ﴾ رفعًا (^٢)، وعلى هذا قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ تكون الكناية عمادًا كما في قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]، وتأنيثُه ردٌّ إلى القصة أو الحادثة أو الواقعة، وقوله: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ بالرفع يكون رفعًا بـ (كان)، وهو تامٌّ لا خبر له، وتأنيثه -مع أن المثقال مذكَّر- لِمَا أنه مضاف إلى ﴿حَبَّةٍ﴾، و(مثقال حبة) هي الحبةُ حقيقةً، وهو كقول الشاعر:
طولُ الليالي أسرعتْ في نقضي (^٣)
لأن طولَ الليالي هي الليالي حقيقةً.
وقرأ الباقون: ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ بالنصب، وعلى هذا قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ تكون كنايةً عن الفعلة ونحوِها؛ أي: إن كانت فعلةُ الإنسان مقدارَ (^٤) خردلةٍ في الثقل والوزن من خيرٍ أو شر.
_________________
(١) قطعة من الحديث السابق.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥١٣)، و"التيسير" (ص: ١٥٥). وقرأ باقي السبعة بالنصب كما سيأتي.
(٣) الرجز للعجاج كما في "الكتاب" (١/ ٥٣)، و"مجاز القرآن" (١/ ٩٩)، و"تفسير الطبري" (٥/ ٦٥٨)، وعزاه العيني في "المقاصد النحوية" (٣/ ١٣١٧) للأغلب العجلي، وبعده: طوَين طولي وطوَين عَرضي
(٤) في (أ): "مثقال".
[ ١٢ / ٦٦ ]
﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾: قيل: في جبل، وقيل: في حجر.
﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾: مع سعَتهما.
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾: أي: يُحضرها اللَّه صاحبَها (^١)؛ كما قال: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠] حتى يوفِّيَه جزاءها إن خيرًا وإن شرًّا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾: أي: عالمٌ بكل دقيقٍ وجليل من الأشياء.
﴿خَبِيرٌ﴾: أي: عالم بالأشياء على حقائقها وبواطنها، لا بقَدْر (^٢) ما يعلمه العباد من ظواهرها.
وقال أبو معاذ: هذا في الرزق؛ أي: وإن كان للإنسان رزقُ مثقالِ حبةٍ من خردلٍ في هذا الموضع جاء اللَّه بها حتى يسوقَها إلى مَن هي رزقُه؛ كأنه قال: لا تهتمَّ للرزق اهتمامًا يشغلك عن أداء فرائض اللَّه تعالى.
* * *
(١٧) - ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي: حافِظْ عليها بأركانها وسُننها وأدائها (^٣).
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: ما عُرف حُسْنُه عقلًا وشرعًا.
﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: ما أنكره الشرع والعقل.
_________________
(١) في (ف): "لصاحبها"، وفي (ر): "مع صاحبها".
(٢) في النسخ: "يقدر"، ولعل المثبت هو الصواب.
(٣) "أي حافظ عليها بأركانها وسننها وأدائها" من (أ)، ولعل الصواب: (وآدابها).
[ ١٢ / ٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾: أي: مِن أذَى مَن أمرتَه ونهيتَه، روى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يا أبا هريرة، مُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك، فإن ذلك من وثائق الأمور"، قال: يا رسول اللَّه آمُرُ بالمعروف وأَنْهَى عن المنكر وأُوذَى؟ قال: "نعم كما أُوذيَتِ الأنبياء، ليس أحدٌ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا سيُؤذى في الدنيا" (^١).
وقيل: هو مبتدأ؛ أي: واصبر على ما أصابك من شدائد الدنيا من اللَّه تعالى مثلَ الأمراض والفقر، وهو أن لا يجزع، ويعلمَ (^٢) أن اللَّه تعالى إنما (^٣) يفعلُ به ذلك تأديبًا أو تمحيصًا، أو ليُثيبه عليه في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: أي: هذه الأشياءُ مما عزم اللَّه تعالى به على عباده؛ أي: أمرهم به أمرًا حتمًا، فعليهم الثباتُ عليه واعتقادُ وجوبه.
وقيل: ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: من الأمور التي تدل على أن صاحبه ثابتٌ في دينه، قويُّ النية (^٤) في طاعة ربه، عالمٌ بصحة ما يَدين به، مستبصِرٌ في أمره، وفلانٌ من أولي العزم هو هذا.
* * *
(١٨) - ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾: أي: لا تُمِلْه مُعْرِضًا عن الناس تكبُّرًا أو استخفافًا لمن يُقبل عليك يكلِّمك، بل أَقبِلْ عليه بوجهك متواضعًا.
_________________
(١) لم أقف عليه، وأحاديث الأمر بالمعروف كثيرة في الصحيحين وغيرهما.
(٢) في (أ) و(ف): "أن لا تجزع وتعلم".
(٣) في النسخ: "إن"، والصواب المثبت.
(٤) "النية" من (أ)، وفي (ف): "دينه".
[ ١٢ / ٦٨ ]
وقرئ: ﴿ولا تُصاعِرْ﴾ (^١) وهما لغتان في معنًى واحد، وهو من الصَّعَر، وهو داءٌ يأخذ البعير في عنقه فيُميله، والتصعير والمصاعرة كالتضعيف والمضاعفة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: أي: بطرًا وأشرًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾: والاختيال مشيةُ المتكبِّر، والفخر: ذكر المناقب للتطاوُل بها على السامع.
* * *
(١٩) - ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾: هو المشي في لِينٍ وتواضعٍ، كما قال تعالى: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وقوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾: أي: واخفِضْ صوتَك إذا تكلَّمتَ ولا تُفْرِط في رفعه كفعلِ المتعظِّم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾: أي: أقبحَ الأصوات وأشنعَها عند السامعين.
﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾: جمع حمار، ولو كان في ارتفاع الصوت فضيلةٌ لم يُستشنع صوتُ الحمار الذي هو أرفعُ الأصوات.
﴿أَنْكَرَ﴾ بمعنى: أقبح؛ كقولهم: هذا (^٢) رجل منكرُ الوجه؛ أي: قبيحُه، وقال
_________________
(١) قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ بتشديد العين من غيرِ ألف، والباقون بالألف وتخفيف العين. انظر: "السبعة" (ص: ٥١٣)، و"التيسير" (ص: ١٧٦).
(٢) في (ف): "هو".
[ ١٢ / ٦٩ ]
عمر بن عبد العزيز لرجل رفع صوته في الكلام: لا ترفع صوتك، فإنه بحسْبِ المرء (^١) من الكلام ما أسمع جليسَه، أو صاحبه (^٢).
وعن عبد اللَّه بن زَحْرٍ قال: كان النبي -ﷺ- يعجبه أن يكون الرجل خفيضَ الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت (^٣).
* * *
(٢٠) - ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا تعجيبٌ من اللَّه عبادَه من هؤلاء المشركين بعد انقطاع حُججهم وزوال عُذرهم في الشرك، واعترافهم بما يُبطله، قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾؛ أي: ألم تعلموا العلم الذي يقوم مقام رؤية العين أن اللَّه خلق لكم ما في السماوات وما في الأرض من شمسٍ وقمرٍ ونجمٍ ونباتٍ وبرٍّ وبحر مما جعله اللَّه مذلَّلًا لكم غيرَ ممتنعٍ عليكم منفعةً لكم وقِوامًا لحياتكم في دار الامتحان.
وقوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: أتمَّ عليكم ﴿نِعَمَهُ﴾: قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿نِعَمَهُ﴾ جماعةً مضافة، والباقون: ﴿نعمةً﴾ واحدةً منوَّنةً غير مضافةٍ (^٤).
_________________
(١) في (ف): "المؤمن".
(٢) في (أ): "وأصابه" بدل: "أو صاحبه".
(٣) حديث مرسل، ولم أقف عليه مسندًا.
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٥١٣)، و"التيسير" (ص: ١٧٧).
[ ١٢ / ٧٠ ]
أي: أنعم عليكم نعمًا ﴿ظَاهِرَةً﴾ تَظهر وتُشاهد ﴿و﴾ نِعمًا ﴿باطنةً﴾ لا تَظهر للأبصار ولا تشاهَد.
فالظاهر: ما يُرى على العبد من نعمة الجمال والمال، وحُسن الصورة، وسعة العيش، وتمام الجاه، وثناء الناس، والعلم والمعرفة بالأمور، والتوفيقِ للإيمان والأعمالِ الصالحة.
والباطن: ما يجده الإنسان في نفسه من الاستبصار في دينه، والعلمِ بربِّه (^١)، وما يستره اللَّه من عيوبه وذنوبه، وما يدفع اللَّه عنه من بليَّاته، وما يُنعم اللَّه عليه في دينه ومصالحِ دنياه مما لا يقف على كُنْهه، فهذا باطن عن المنعَم عليه وعن سائر الناس.
ومَن قرأ ﴿نعمةً﴾ على الوحدان فقد قال المفسرون: هي نعمة الإسلام؛ هي ظاهرةٌ بالإقرار وباطنةٌ بالتصديق، ويجوز أن يكون هذا الواحدُ دلالةً على الجمع كما يقال: خوَّله اللَّه مالًا.
وفي النعمة الظاهرة والنعمة (^٢) الباطنة أقاويلُ كثيرة، ونحن ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بكتاب (^٣) "بحر علوم التفسير على نحو رسوم التذكير" عند قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثلاث مئة قول على البسط والتطويل، ونذكر ها هنا بعضها على الاختصار فنقول:
قال ابن عباس ﵄: هذا من مخزوني الذي سألتُ عنه رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: يا رسول اللَّه، ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟ فقال: "يا ابن عباس، أما
_________________
(١) في (ف): "والعمل به" وفي (ر): "والعمل لربه".
(٢) "النعمة" من (ف).
(٣) "الموسوم بكتاب" ليس في (ف).
[ ١٢ / ٧١ ]
ظاهرُها فالإسلام وما سوَّى مِن خلْقِك وما أفضَلَ عليك من الرزق، وأما ما بطَنَ فسترُ مساوئ عملك" (^١).
وقيل: الظاهر الجوارح والباطنة المصالح، وهي الصفات القائمة بها.
الظاهرة التصوير، والباطنة التنوير.
الظاهرة الإقرار، والباطنة الاعتقاد.
الظاهرة الدعوة إلى الإيمان، والباطنة الهداية إلى الإيمان.
الظاهرة إعطاء الإيمان، والباطنة الإبقاء على الإيمان (^٢).
الظاهرة الدعاء إلى الإسلام، والباطنة الدعاء إلى دار السلام.
الظاهرة النفع، والباطنة الدفع.
الظاهرة التوفيق للإيمان والطاعات، والباطنة العصمة عن الكفر والجفوات.
الظاهرة إظهار الطاعات، والباطنة إخفاء السيئات.
الظاهرة التخفيف، والباطنة التضعيف.
الظاهرة النطق، والباطنة العقل.
الظاهرة التبيين: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢١] والباطنة التزيين: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧].
الظاهرة التكليف: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، والباطنة التأليف: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣١٨) من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. وجويبر متروك.
(٢) "الظاهرة إعطاء الإيمان، والباطنة الإبقاء على الإيمان" من (أ).
[ ١٢ / ٧٢ ]
الظاهرة تعديد الحسنات: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ الآية [التوبة: ١١٢] ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآيات ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢] الآيات ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] الآيات، والباطنة إجمال السيئات: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١].
الظاهرة الأوصاف، والباطنة الأسرار.
الظاهرة الأفعال المرئية، والباطنة الضمائر المطوية.
الظاهرة الأقوال والأفعال، والباطنة المقامات والأحوال.
الظاهرة الشخوص والأشباح، والباطنة القلوب والأرواح.
الظاهرة حسن الصورة، والباطنة حسن السيرة.
الظاهرة الرسوم، والباطنة العلوم.
الظاهرة حسن الخَلق، والباطنة حسن الخُلق.
الظاهرة وجود النعمة، والباطنة شهود المنعم (^١).
الظاهرة الدنيوية، والباطنة الدينية.
الظاهرة نفس بلا زلة، والباطنة قلب بلا غفلة.
الظاهرة في الأموال ونمائها، والباطنة في الأحوال وصفائها.
الظاهرة توفيق الطاعات، والباطنة قبول الطاعات.
الظاهرة التسوية (^٢)، والباطنة التصفية.
_________________
(١) في (أ): "النعم".
(٢) في (ف): "التسرية".
[ ١٢ / ٧٣ ]
الظاهرة صحبة الصالحين، والباطنة حفظ حرمتهم.
الظاهرة الزهد في الدنيا، والباطنة الاكتفاء بالمولى.
الظاهرة الزهد، والباطنة الوَجد.
الظاهرة توفيق المجاهدة، والباطنة تحقيق (^١) المشاهدة.
الظاهرة وظائف النفس، والباطنة لطائف القلب.
الظاهرة اشتغالك بنفسك عن غيرك، والباطنة اشتغالك (^٢) بربك عن نفسك.
الظاهرة طلبه، والباطنة وجوده.
الظاهرة أن تصل إليه، والباطنة أن تبقى معه.
الظاهرة الخدمة، والباطنة الحرمة.
الظاهرة الأمر، والباطنة الأجر.
الظاهرة ما سمَّى من نعيم الجنة، والباطنة ما أخفاه منها، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
الظاهرة المال والثروة، والباطنة العلم والحكمة.
الظاهرة حفظ القرآن، والباطنة فهم القرآن.
الظاهرة محكم القرآن، والباطنة متشابه القرآن.
الظاهرة تفسيره، والباطنة تأويله.
_________________
(١) في (أ): "توفيق".
(٢) في (ر): "إشغالك".
[ ١٢ / ٧٤ ]
الظاهرة الترغيب، والباطنة الترهيب.
الظاهرة الترغيب والترهيب، والباطنة التزيين والتحبيب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧].
الظاهرة أنك تحبه، والباطنة أنه يحبك.
الظاهرة أنك مريده، والباطنة أنك مراده.
الظاهرة النعم المنقودة (^١)، والباطنة النعم الموعودة.
الظاهرة المحضرة، والباطنة المنتظرة.
الظاهرة النصر على الأعداء في الحروب، والباطنة إلقاء الرعب في القلوب.
الظاهرة الصحة، والباطنة العلة؛ تقدر على الأعمال الصالحات في صحتك، ويكتب لك ثوابُ الأعمال من غيرِ عملٍ في علتك.
الظاهرة الشباب، والباطنة الشَّيب؛ الشباب سرور والشيب نور.
الظاهرة إدامة النعمة عليك لتشكر فتنالَ ثواب الشاكرين، والباطنة سلب النعم عنك لتصبر فتنالَ ثواب الصابرين.
الظاهرة الإعطاء بالمسألة، والباطنة الإعطاء من غير مسألة.
الظاهرة الرزق، والباطنة تفريق الرزق.
الظاهرة قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]، والباطنة قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦].
_________________
(١) في (ر): "المنقادة".
[ ١٢ / ٧٥ ]
الظاهرة التنعيم، والباطنة التعليم.
الظاهرة الرزق، والباطنة البركة في الرزق.
الظاهرة سلام النبي ﵇ ظاهرًا، والباطنة سلام الملائكة ليلة القدر وعند الموت وفي القيامة وفي الجنة ثم سلام الرب بلا واسطة.
الظاهرة أولياؤك، والباطنة أعداؤك؛ تستعين باللَّه على أمورك بأوليائك، وتستعيذ باللَّه من أعدائك، يذكر وليك محاسنك فتلازمُها، ويذكر عدوك مساوئك فتفارقُها، يُعينك وليُّك فيكثر لك الحسنات، ويظلمك عدوُّك فتصبرُ فتُغفَر لك السيئات.
الظاهرة الزوجة المساعدة، والباطنة الزوجة المخالفة؛ تلك تشرح بالسرور صدرك، وهذه تُعْظِمُ بالصبر والاحتمال أجرك وقَدْرك (^١).
الظاهرة الجار المرضيُّ، والباطنة الجار المؤذي؛ ذاك يقرُّك في دارك فتعيش في الرخاء، وهذا يزعجك عن وطنك فتنال فضيلة الغرباء.
الظاهرة قبول القلوب، والباطنة نفرة القلوب؛ وفي ذلك وجود برِّ الأبرار، وفي هذا زوال رحمة الأغيار.
الظاهرة الجاه والرفعة، والباطنة الخمول والضَّعَة (^٢)؛ في ذاك يُنشر عملك (^٣) فتثابُ بكلِّ ما عمِل به أحد من الأمة، وفي هذا يَسْلَم (^٤) دينك فلا تقع في الرياء والسمعة.
_________________
(١) "وقدرك" ليست في (أ).
(٢) في (ف): "والضعفة".
(٣) في (أ): "ينتشر علمك".
(٤) في (أ): "تسليم".
[ ١٢ / ٧٦ ]
الظاهرة الولد البار، والباطنة الولد العاق؛ ذلك يُكثر الأعداد (^١) وهذا يقطع عن الخلق الاعتماد.
الظاهرة ولادة الولد، والباطنة موته، ذاك فرح (^٢) وهذا فَرَط.
الظاهرة النهار، والباطنة الليل؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: ٧٣].
الظاهرة البحار والأنهار، والباطنة العيون والآبار.
الظاهرة الصلوات، والباطنة الصوم.
الظاهرة قصة الماضين علينا لنعتبر، والباطنة ترك (^٣) قصَّتنا على غيرنا لنستتر
الظاهرة اختلاف الهيئات، والباطنة اختلاف الهمَّات، لو (^٤) استوت الهيئات لم تتميَّز الذوات، ولو علَتِ الهمم لم يشتغل أحد بالحِرَف الخسيسة فتعطَّلت الحاجات.
الظاهرة النظر في ملكوت الأرضين والسماوات، والباطنة التدبر في السور والآيات.
الظاهرة التقويم، والباطنة التقديم.
_________________
(١) في (أ): "هذا يكسر الاعتقاد"، وفي (ف): "ذلك تكثير الأعداد".
(٢) في (ر) و(ف): "فرج".
(٣) في (ف): "ستر".
(٤) في (أ): "لو اختلفت".
[ ١٢ / ٧٧ ]
الظاهرة التعديل، والباطنة التبديل: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].
الظاهرة التحسين، والباطنة التحصين (^١).
الظاهرة التصريف، والباطنة التعريف.
الظاهرة حسن العمل، والباطنة صدق الوجل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
الظاهرة الحمد على النعمة، والباطنة الشكر في (^٢) النعمة؛ والحمد ثناء اللسان وذكره، والشكر معرفة الإحسان ونشره.
الظاهرة المنح، والباطنة المحن، والمنح: الأموال للتصرُّف، والأعمال للتشرُّف، والثياب للتجمُّل، والعيال (^٣) للتمتُّع. والمحن: الخسران والنقصان، والأدواء والأسواء، والنوائب والمصائب، وعاقبتُها: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، والموعود عليها: الصلوات والرحمة ودوام الهداية.
الظاهرة العروق المتحركة، والباطنة الساكنة.
الظاهرة التربية بعد الولادة، والباطنة التربية قبلها؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢].
الظاهرة ما يَكتسِب، والباطنة ما يأتيه من حيث لا يحتسب.
الظاهرة الأمر بمحاربة الكفار، والباطنة الأمر بمحاربة الشيطان؛ ذلك لئلا يستوليَ على نفسك، وهذا لئلا يزيلَك عن دينك.
_________________
(١) في (أ): "الظاهرة المحسنين والباطنة المحصين".
(٢) في (أ): "على".
(٣) في (ف): "والجمال".
[ ١٢ / ٧٨ ]
الظاهرة الأمر بالصدقة، والباطنة إعطاء الخَلَف على النفقة.
الظاهرة العمل، والباطنة النية.
الظاهرة الإطعام والإسقاء، والباطنة الإشباع والإرواء.
الظاهرة إساغة الطعام والشراب، والباطنة إخراجهما بسهولة من (^١) ذلك الباب.
الظاهرة الإشباع والإرواء، والباطنة الإجاعة والإظماء.
الظاهرة إنزال الأمطار، والباطنة إخراج الحبوب والثمار.
الظاهرة ما ظهر من الزروع والثمار، والباطنة ما بطن من الرطاب (^٢).
الظاهرة ما يستفاد بالتجارات والصناعات، والباطنة ما يستفاد بالزراعات، وهذا أكثر ربحًا لأنه معاملةٌ مع اللَّه تعالى.
الظاهرة صيود البر، والباطنة صيود البحر.
الظاهرة ما يكتسب في الأسواق من الدرهم والدينار، والباطنة ما يستخرج من المعادن والبحار.
الظاهرة التجارات لإصلاح المحاش، والباطنة أن لا تشغلَك هذه التجارات عن إصلاح المعاد؛ قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [النور: ٣٧].
الظاهرة العمل الصالح، والباطنة العلم النافع.
الظاهرة ذكر اللسان، والباطنة ذكر الجَنان.
الظاهرة أنك تدعوه، والباطنة أنك تريده؛ قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
_________________
(١) في (أ) و(ف): "عن".
(٢) في (ف): "والباطنة نتاجه ورطوباته".
[ ١٢ / ٧٩ ]
الظاهرة البسط، والباطنة القبض؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥].
الظاهرة النوم بالسكون والراحة، والباطنة التهجد للمناجاة والخلوة.
الظاهرة الصيف فالنعم ظاهرة في الكروم، والباطنة الشتاء فالنعم باطنة في البيوت.
الظاهرة إحسان العبادة، والباطنة رؤية منة اللَّه تعالى في التوفيق للعبادة.
الظاهرة شريعة الرسول، والباطنة شفاعة الرسول.
الظاهرة السمعيات، والباطنة العقليات.
الظاهرة أعيان النصوص، والباطنة دلائل المنصوص.
الظاهرة العبارات، والباطنة الإشارات.
الظاهرة التمكين، والباطنة التسكين؛ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفتح: ٤].
الظاهرة ما يؤكل ظاهره ويلقى باطنه كالتفاح والكمَّثْرى والسَّفَرْجَل ونحوها، والباطنة ما يؤكل باطنه ويلقي ظاهره كالرمان والجوز واللوز ونحوها.
الظاهرة الاختبار: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، والباطنة الاختيار (^١): ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨].
الظاهرة المناداة، والباطنة المناجاة.
الظاهرة حياة النبي -ﷺ-، والباطنة موته ﵇؛ قال ﵇: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم" الحديث (^٢).
_________________
(١) في (أ): "الاجتباء".
(٢) رواه الحارث في "مسنده" (٩٥٣ - زوائد الهيثمي) عن بكر بن عبد اللَّه المزني عن النبي -ﷺ- مرسلًا، =
[ ١٢ / ٨٠ ]
الظاهرة قضاء غيرِك حاجتَك، والباطنة قضاؤك حاجةَ غيرك؛ قال النبي -ﷺ-: "يا علي، وإذا أتاك طالبُ حاجة فاعلم أنها نعمةٌ ومنةٌ من اللَّه تعالى عليك حين أراد أن يغفر لك ذنبك ويقضيَ حوائجك" (^١).
الظاهرة الأمن في الدنيا، والباطنة الأمن في العقبى.
الظاهرة صحة الأبدان، والباطنة صحة الأديان.
الظاهرة البدن السليم، والباطنة القلب السليم.
الظاهرة غنى المال، والباطنة غنى الحال.
الظاهرة إخراجنا بعد الأنبياء والأمم لئلا يطَّلعوا على قبائحنا، والباطنة ذكرنا (^٢) الأنبياء بعد (^٣) مجيئنا بأوصاف مدائحنا.
الظاهرة الرواية، والباطنة الرعاية.
الظاهرة ركوب الأنعام، والباطنة ركوب السفن العظام.
_________________
(١) = والبزار في "مسنده" (١٩٢٥) من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ بلفظ: "حياتي خيرٌ لكم تُحْدِثُون ويُحدَثُ لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت اللَّه عليه، وما رأيت من شر استغفرت اللَّه لكم"، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٤) والعراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (٢/ ١٠٥١): (رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح). زاد العراقي: (إلا أن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه كثيرون، ورواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" من حديث أنس بنحوه بإسناد ضعيف).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ف): "ذكر".
(٤) في (أ): "للأنبياء قبل" بدل: "الأنبياء بعد".
[ ١٢ / ٨١ ]
الظاهرة المراكب في حياتك، والباطنة المناكب بعد وفاتك.
الظاهرة المال والبنون، والباطنة المفروض والمسنون؛ وهما في قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٤٦].
الظاهرة قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، والباطنة قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [التوبة: ٢١].
الظاهرة الحياة، والباطنة الموت، قال الشاعر:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا: للموت ألفُ فضيلة لا توصفُ
منها أمانُ لقائه بلقائه (^١) وفراقُ كلِّ (^٢) مُعاشرٍ لا يُنصفُ (^٣)
ثم ذكرُ النعمة استبداءٌ لشكرها، والشكر يكون من جنس النعمة، فإذا عرفتَ أن اللَّه تعالى أسبغ نعمه (^٤) ظاهرةً وباطنة فشكرُ ذلك أن تعمل بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾: يقول: هذه نعمي على عبادي، ثم منهم ﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ في توحيدي وإخلاصِ طاعتي يريد بذلك إثبات الشريك والتعطيلَ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ منه بما يخاصم به إنما هو مقلِّد، ﴿وَلَا هُدًى﴾: ولا دلالةٍ عليه نظرًا وعقلًا ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾: ولا كتابٍ أنزله اللَّه تعالى بصحةِ ما يدعو إليه ويدَّعيه.
_________________
(١) في (ر): "ونعيمه"، وسقطت من (ف). والمثبت موافق للمصادر.
(٢) بعدها في (ف): "معاندو".
(٣) البيتان لابن الرومي كما في "ديوان المعاني" لأبي هلال العسكري (٢/ ١٧٢)، ولمنصور بن إسماعيل أبي الحسن التميمي الشاعر المصري الضرير أحد أئمة المذهب الشافعي، كما في "معجم الأدباء" (٥/ ٥٣٠)، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (٣/ ٤٧٨).
(٤) في (ف): "أسبغ عليكم نعمه" وفي (ر): "أصبغ نعمه عليكم".
[ ١٢ / ٨٢ ]
وقيل: إن الآية نزلت في شأن (^١) النضر بن الحارث (^٢).
* * *
(٢١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: أي وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في اللَّه: إنه ليس معكم من اللَّه هدًى ولا كتابٌ يدل (^٣) على ما تقولون فهلمُّوا إلى كتاب اللَّه.
﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ الأدنَيْنَ (^٤) والأقصَيْنَ الذين كانوا يعبدون الأوثان، ونشرك كما أشركوا تقليدًا لهم.
﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: وقال أبو عبيدة: (لو) هاهنا محذوفةُ الجواب؛ أي: أولو كان الشيطان يدعوهم إلى الكفر الذي يفضي إلى عذاب جهنم يتَّبعونه (^٥)، وهذا استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: فلِمَ يتَّبعونه وهو يدعو إلى ذلك.
_________________
(١) "شأن" من (أ).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٣٦)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٣٢٠)، و"النكت والعيون" (٤/ ٣٤٣)، ولم يذكروا له سندًا، لكن نسبه الماوردي لأبي مالك، كما أنه ذكر سببًا آخر لنزول الآية، وهو: أنها نزلت في يهودي جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته.
(٣) في (أ): "منير".
(٤) في (ر): "الأولين".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٣٢٠).
[ ١٢ / ٨٣ ]
(٢٢) - ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾: أي: ومَن يخلِص عمله للَّه ويتوجَّه إلى طلب رضا اللَّه ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ وفيما يعمل تاركٌ للإساءة ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾؛ أي: فقد (^١) تعلَّق بالركن الأوثق الذي لا أوثق منه، فهو مخلِّصه (^٢) من العذاب الذي لا انقطاع له.
﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: أي: ومصيرُ الأمور في أواخرها إلى اللَّه، وهو يحاسب بها ويجازي عليها.
* * *
(٢٣) - ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾: أي: ومَن لم يُسلِم وجهه للَّه وكفر به، فليَهُنْ عليك أمره، ولا يَغُمنَّك كفرُه، فلا يرجع إلا إليه ضرُّه.
﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: يوم الحساب ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: فنجزيهم بذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: عالم بضمائر القلوب فكيف بعلانيَة الأعمال، فهو يجازيهم بما أَظهروا وبما (^٣) أضمروا.
وأنزلت الآية في مشركي مكة حين قالوا: إن محمدًا يفتري على اللَّه، فحزن لذلك، فأنزل اللَّه هذه الآية.
_________________
(١) "فقد" من (أ).
(٢) في (أ): "يخلصه".
(٣) قوله: "أظهروا وبما" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٢ / ٨٤ ]
وقيل: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: يعلم بما في قلبك من الحزن لكفرهم.
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾: أي: نبقيهم في الدنيا فيمتَّعون (^١) بالبقاء فيها مدةً قليلةً وهي مُدَد أعمارهم.
﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: أي: ثم ندخلُهم كرهًا في ﴿عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ أي: شديدِ الإيلام عظيمِ المكروه، والاضطرارُ: الإلجاء، وهو متعدٍّ، وجُمع في هذه الآية ووحِّد في الآية الأولى لأن ﴿مَّن﴾ اسمُ جنس يصلح للواحد والجمع.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: أي: إذا سئل هؤلاء المشركون عن خالق السماوات والأرض اعترفوا بأنه هو اللَّه.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: قل: الحمد للَّه على ما هدانا لدينه (^٢) وجعلنا من أهل العلم به، وأوضح حججنا على مَن خالفنا فيه إذ قرَّرهم (^٣) بما فيه الحجة عليهم.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي ليس شركُهم لانقطاع الحجج عنهم، لكن أكثرهم لا يعملون بعلمهم؛ أي (^٤): يتركون التدبُّر في الدلائل فيَفوتهم العلم بسفههم.
_________________
(١) في (ف): "فيتمتعون".
(٢) "لدينه" من (أ).
(٣) في (ف): "أو قررهم".
(٤) في (أ): "لا يعلمون أو" وفي (ف): "لا يعلمون به" وسقط منها ما بعده. وفي (ر): (لا يعلمون بعلمهم أي). والصواب المثبت.
[ ١٢ / ٨٥ ]
(٢٦ - ٢٧) - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: له ذلك كلُّه، وهو مالكه وخالقه، ولا حاجة له إلى إيمان هؤلاء.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾: أي: إن اللَّه هو المستغني عن خلقه، المحمودُ بشهادة خلقه كلِّهم بوحدانيته وقدرته وإلهيته بشهادة الخِلقة (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿والبحرَ﴾ نصبًا عطفًا على (ما)، والناصبُ كلمة ﴿أَنَّ﴾، وقرأ الباقون: ﴿وَالْبَحْرُ﴾ رفعًا (^٢) على الاستئناف (^٣).
يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ جُعلت بالبَرْي أقلامًا ليُكتب بها ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾: فكان البحرُ مدادًا (^٤)، ومَدَّه -أي: زاد فيه- سبعةُ أبحر، فكتب بها كلمات اللَّه في إقامة الحجج على عباده، وضربِ الأمثال لهم، وتنبيهِهم على مصالح دينهم ودنياهم، وذكر أقاصيص مَن سلَف قبلهم من الأمم، وغيرِ ذلك من ضروبِ ما يشتمِل عليه كلامه، وما اختَصَّ العلماءَ به (^٥) من معاني كلامه، وما استأثر اللَّه به دون خلقه، لم يَفْنَ كلامُ (^٦) اللَّه، وذلك قوله:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الخليقة".
(٢) في (أ): "بالرفع".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٥١٣)، و"التيسير" (ص: ١٧٧).
(٤) في (ف): "ممدًا".
(٥) في (ف): "وما اختص من اختصه".
(٦) في (ف): "لم يفن ذلك من كلام".
[ ١٢ / ٨٦ ]
﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾.
ذُكر أن بعض المشركين قالوا فيما تلا (^١) عليهم النبي -ﷺ-: إن هذا كلام سيَنفد، فنزلت هذه الآية (^٢).
وقيل: نزلت جوابًا لليهود إذ قالوا: قد أوتينا التوراة وفيها كلُّ الحكمة، فنزلت الآية، قاله ابن عباس ﵄ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: أي: منيعٌ في ملكه فلا يُرام (^٤) ولا يغالَب.
﴿الْحَكِيمِ﴾: يُطْلع عبادَه على ما يشاء، ويفعل ما يشاء، ويضع كلَّ شيء في موضعه.
* * *
(٢٨) - ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: أي: إلا كخَلْقِ نفسٍ واحدة وبعثِ نفسٍ واحدة في أن أمري إذا أردتُ شيئًا أن أقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]، فلا يَلحقُني نَصَب (^٥) بكثرةٍ، ولا يَخِفُّ عليَّ بقلَّةٍ، وقدرتي على الكل قدرتي على الواحد، فإذا قدرتُ على الواحد فأنا على الجميع قادر.
_________________
(١) في (أ): "قرأ".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٠٠) دون عزو، و"إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ١٩٧) وعزاه لقتادة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٧٣) مطولًا. وهذا الخبر يدل على أن الآية مدنية، ومن قال: إنها مكية، علله بأن اليهود أمروا وفد قريش أن يسألوا عنه النبي ﵊. انظر: "روح المعاني" (٢١/ ٨٧).
(٤) في (أ): "يلام"، وفي (ف): "يرى".
(٥) في (أ): "تعب".
[ ١٢ / ٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: كقوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]؛ أي: كدوران الذي يغشى عليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: لافتراء المشركين على اللَّه في أنه لا بعث ولا نشور ﴿بَصِيرٌ﴾ بأعمالهم فهو مجازيهم عليها (^١).
* * *
(٢٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: وهذا احتجاج على المشركين؛ أي: ألم تر أن اللَّه يأخذ من الليل فيَزيد (^٢) في النهار، وكذا في النهار، وهو كقوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [النور: ٤٤].
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: لمنافع العباد ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى أن يكون الأجل المسمى وهو يوم القيامة، فيفني اللَّه هذا كلَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: عليم بذلك (^٣).
* * *
(٣٠) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: أي خلَق ما خلَق على ما شاهَدْتُموه ليدلَّكم بخلقه إياه على أنه هو الإله (^٤) الحقُّ لا إله غيرُه.
_________________
(١) في (أ): "فهو مجازيهم" وفي (ف): "فهو يجازيهم"، وفي (ر): "هو يجازيهم عليها".
(٢) في (ف): "فيزيده".
(٣) "بذلك" ليست في (أ).
(٤) في (أ): "اللَّه".
[ ١٢ / ٨٨ ]
﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾: لا يستحقُّ العبادة (^١) غيرُه؛ لأنه لا يقدر على شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: العالي على كل شيء، وكلُّ ما دونه فهو له متذلِّلٌ منقاد، وهو الكبير وكل شيء دونه فهو له متصاغر.
* * *
(٣١) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾: أي: ألم ترَ أن السفن تجري في البحر مع صغرها وكِبَر البحر وهولِ أمواجه ﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بتسخيره إياها وإنعامه بذلك على خلقه.
﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾: من أعلام قدرته.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: أي: لكلِّ مَن هو من أفاضل المؤمنين؛ لأن جميع خصال الإسلام ترجع إلى الصبر والشكر، والصَّبَّار والشَّكور مبالغةٌ في هذين الوصفين؛ أي: الانتفاعُ بهذه الآيات إنما يحصل لهؤلاء، فكأنها لهم دون غيرهم.
* * *
(٣٢) - ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾: أي: وإذا جاءهم في البحر موجٌ متراكبٌ بعضُه على بعضٍ كأنها ظلل فوقهم؛ أي: جبال مُظِلَّة أو سحاباتٌ.
_________________
(١) في (أ): "لا مستحق للعبادة".
[ ١٢ / ٨٩ ]
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: حين علموا حينئذ أنه لا مُنْجيَ لهم غيرُه.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: قال قتادة: أي: مقتصدٌ في قوله مصرٌّ على كفره (^١)؛ أي: محسنٌ القولَ في ربه وهو مع ذلك ثابتٌ على كفره، ولا يَعتبر (^٢) بذلك إلا قَدْرَ الاقتصاد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾: أي: وما يجحد بما جعلناه آيةً من أمر البحر وغيرِه إلا كلُّ غدَّارٍ قبيحِ الغدر، يَنقُض عهدَ اللَّه من بعد ميثاقه بما جَعل له من المَشاهد في نفسه على وحدانية اللَّه تعالى، وبما أعطاه اللَّه من الإقرار بلسانه أنه خالقُه ومنجيه من الأهوال، كفورٍ لإنعام اللَّه تعالى عليه.
وقيل: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: مُوفٍ بما عاهَدَ اللَّه عليه في البحر (^٣)، قاله ابن عباس ﵄ (^٤).
وقيل: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: سالك قصدَ السبيل بالإسلام.
* * *
(٣٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
_________________
(١) لم أجده عن قتادة، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٧٣) عن مجاهد.
(٢) في (ف): "يتغير".
(٣) في (ر): "الخير".
(٤) في (أ): "وقال ابن عباس فمنهم مقتصد موف بما عاهد اللَّه عليه في البحر". وذكره عن ابن عباس الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٢٢)، والواحدي في "البسيط" (١٨/ ١٢٦).
[ ١٢ / ٩٠ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: ختَم السورة بتجديدِ الموعظة وترهيبِهم بيوم القيامة؛ توكيدًا للأمر بمخالفة المشركين في جحد البعث، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ فلا تخالفوا أمرَه ولا نهيه (^١).
﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾: أي: لا ينوبُ فيه والد عن ولده.
﴿مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾: أي: نائب.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: بالبعث والحساب والجزاء.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: لا تغترُّوا بهذه الحياة القُربى فتُهلِكوا (^٢) أنفسَكم وترتكبوا المعاصي مستبعِدين للقيامة، أو مغترِّين بقول هؤلاء المشركين الجاحدين له، فإن الحياة الدنيا قريبةُ الانقضاء تَفْنى لذَّاتُها وتبقى تَبِعاتها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: أي: ولا يخدعنَّكم مِن التوقِّي من عذاب اللَّه مَن يغرونكم فيدعوكم إلى المعاصي، ويُوهموكم أنْ لا بعثَ ولا حساب ولا جزاء.
وقيل: ﴿الْغَرُور﴾ اسم الشيطان، والاسم صالحٌ لكلِّ مَن عمل هذا (^٣) بالعبد من شيطان وغيره.
* * *
(٣٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
_________________
(١) في (أ): "أمره ونهيه".
(٢) في (أ) و(ف): "فتهملوا".
(٣) في (ف): "ذلك".
[ ١٢ / ٩١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: أي: علم (^١) وقت قيام الساعة عند اللَّه لا يعلمه غيره، فإياكم أن تأتيَكم بغتة وأنتم مغترُّون بالحياة الدنيا.
وقيل: نزلت الآية في الوارث (^٢) بن عمرو بن حارثة بن محارب رجلٍ من أهل البادية، أتى النبي -ﷺ- فسأله عن الساعة ووقتها، وقال: إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل بها الغيث؟ وامرأتي حُبلى فما تلد؟ وإني أعلم ما عملتُ أمس فما أعملُ غدًا؟ وإني أعلم أين ولدتُ فبأيِّ أرض أموت؟ فأنزل اللَّه هذه الآية (^٣).
وقال النبي -ﷺ-: "خمسٌ لا يعلمُهنَّ إلا اللَّه" وتلا هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (^٤)، وهو يعلم متى تقوم.
﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: أي: هو الذي ينزِّل الغيث للوقت الذي يعلم الصلاح في إنزاله لعباده (^٥) وبلاده، ولا يَعلم العباد بذلك.
_________________
(١) "علم" من (أ).
(٢) في (ر): "الحارث". وانظر التعليق بعد الآتي.
(٣) رواه ابن المنذر في "تفسيره" عن عكرمة كما في "الدر المنثور" (٦/ ٥٣٠)، وسمى الرجل: الوارث من بني مازن. وذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (٣/ ٤٤٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٢٣)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٤٧)، وذكره الواحدي أيضًا في "البسيط" (١٨/ ١٢٨) وعزاه لمجاهد ومقاتل، واسم صاحب القصة عندهم عدا "أسباب النزول": عبد الوارث بن عمرو. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٨٥) عن مجاهد ولم يسمه. فهذا الخبر مع الاختلاف في اسم صاحب القصة لم يرو بسند متصل إلى النبي -ﷺ-، وإنما هي مراسيل عن عكرمة ومجاهد ومقاتل.
(٤) رواه البخاري (٤٦٢٧).
(٥) في (ف): "هو الذي ينزله للوقت الذي يعلمه للإصلاح في أمره لعباده" وفي (ر): "هو الذي ينزله للوقت الذي يعلمه لإصلاح أمر عباده".
[ ١٢ / ٩٢ ]
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾: هو الذي يعلم ذلك: أذكر هو أم أنثى؟ أحيٌّ هو أم ميت؟ وعلم جميع صفاته وهيئته ووقت ولادته.
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾: أي: ما تعمل في مستقبل العمر من خيرٍ أو شرٍّ.
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾: أي: بأيِّ بلد.
وقيل: أي: بأيِّ قدم تموت.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾: أي: هو العالم بظواهر الأشياء وبواطنها بتفاصيلها وجملها، ما كان وما يكون وما لا يكون (^١) وجاز أن يكون أنْ لو كان كيف كان يكون.
وقال الزهري ﵀: أكثِروا من قراءة سورة لقمان فإن فيها أعاجيب (^٢).
الحمد للَّه الذي إذا دُعي يجيب، الرحمنِ الذي هو القابلُ للمنيب، الرحيمِ الذي (^٣) منا من حبل الوريد قريب، وصلى اللَّه على محمدٍ العطوفِ للمقيم والغريب (^٤).
* * *
_________________
(١) قوله: "وما لا يكون" ليس في (أ).
(٢) ذكره ابن عجيبة في "البحر المديد في تفسير آيات القرآن المجيد" (٤/ ٣٨٤)، والقنوجي في "فتح البيان في مقاصد القرآن" (١٠/ ٣٠٥).
(٣) في (ر): "الذي هو أقرب".
(٤) في (أ): "والحمد للَّه رب العالمين" بدل قوله: "الحمد للَّه الذي إذا دُعي يجيب، الرحمنِ. . . " إلى هنا.
[ ١٢ / ٩٣ ]
سورة السجدة
[ ١٢ / ٩٥ ]