بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ الذي أذلَّ الكفارَ وأضلَّ أعمالَهم، الرَّحمنِ الذي هدى المؤمنين وأصلَحَ بالَهم، الرَّحيمِ الذي يُدْخِلُهم الجنةَ عرَّفَها لهم.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة محمد كان حقًّا على اللَّه تعالى أنْ يَسْقِيَه مِن أنهار الجنة" (^٢).
وهذه السُّورةُ مكِّيَّةٌ، ويُقال: مدنيَّةٌ، وهو الصَّحيحُ.
وهي ثمانٍ وثلاثون آيةً. وقيل: تسعٌ. وقيل: أربعون، الاختلافُ في قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾، وقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾.
وهي خمسُ مئةٍ وتسعٌ وثلاثون كلمةً، وألفان وثلاثُ مئةٍ وستةٌ وثمانون حرفًا.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ خَتْمَ تلك بالفاسقين، وافتتاحَ هذه السورةِ بالكافرين، وذلك فِسْقُ كُفْرٍ (^٣).
_________________
(١) في (أ): "القتال".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٨)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (١٢١٤)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١١٨)، وهو قطعة من الحديث الموضوع المروي عن أبي بن كعب ﵁. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٩٣).
(٣) في (ر): "فسق وكفر".
[ ١٣ / ٤٠٧ ]
وانتظامُ السورتين: أنَّهما في التَّمييزِ بين الأولياء والأعداء، والترغيب والترهيب بالجزاء، وفي هذه السورة خُصوصُ الأمرِ بالجهاد، والإنفاقِ في سبيل اللَّه.
* * *
(١) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: الذين كفروا باللَّه، ومنَعوا غيرَهم عن سلوك سبيل رضا اللَّه تعالى -وهو الإسلامُ-، جعلَ اللَّهُ تعالى فِعْلَهم ضلالًا عن الرُّشْد.
وقال ابن عباس ﵄: أبطَلَ حسناتِهم (^١)؛ أي: ما كان مِن جِنْسِ ما يكون مِن المؤمنين حسنةً، كالإطعام، وصِلَةِ الأرحام، وبِرِّ الأيتام، وقِرَى الأضياف، وتَقْوِيَةِ الضِّعاف؛ لأنَّه لا يُعْتَبَرُ شيءٌ مِن ذلك بغير إسلام.
وقال ابن عباس ﵄: هُم المُطْعِمون ببدرٍ أهلُ الثَّرْوة منهم والقُوَّةِ والمَيْسَرةِ، وهم: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابنا ربيعةَ، ونُبَيْةٌ ومُنَبِّهٌ ابنا الحجاج، وأبو جهل والحارثُ ابنا هشام لعنَهم اللَّهُ، فهؤلاء ستةٌ (^٢).
وقال مقاتل: كانوا اثني عشر: هؤلاء الستة، والباقون: عامرُ بن نَوْفَلٍ، وحكيمُ بن حِزامٍ، وزَمْعَةُ بن الأسود، وأبو سفيانَ بن حَرْب، وصَفْوانُ بن أُمَيَّةَ، والعباسُ بن
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٢٦٢)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٦) من غير نسبة، والواحدي في "البسيط" (٧/ ٤٢٥) عن الكلبي، وهو عن ابن عباس ﵁ في "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٤٢٧). ولعله من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٦) عن الكلبي، وذكره عن ابن عباس ﵁ مختصرًا الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣١٤). ولعله من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
[ ١٣ / ٤٠٨ ]
عبد المطلب (^١)، أطعَمَ كلُّ واحدٍ منهم يومًا الأحابيشَ والجنودَ، يَسْتَظْهِرون بهم على عداوة النبي -ﷺ-، وهُم المذكورون في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٦].
وقال الضحاك: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: أبطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بالنبي (^٢).
* * *
(٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: أي: والمؤمنون الذين خالَفوا هؤلاء محا اللَّهُ وسترَ ذنوبَهم التي كانت قَبْلَ الإيمان.
﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: حالَهم (^٣).
وقال مجاهد: شأنَهم (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٧).
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٧٤).
(٣) رواه الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢١٣) عن مجاهد عن ابن عباس ﵄. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٦٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٨١)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٩١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٠٩) جميعهم عن قتادة. وروى الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٨١)، وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٦٨٧٨)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٩١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٠٩) عن ابن عباس ﵁ أنه فسرها بقوله: أَمْرَهم.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٨١)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٦)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٩١)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢١٣).
[ ١٣ / ٤٠٩ ]
وقال مقاتل بن حيان: عملَهم ونيَّاتِهم (^١).
وقال ابن كيسان: أثبَتَ أعمالَهم، ولم يُبْطِلْها كما أبطلَ أعمالَ الكفار.
* * *
(٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: أي: ذلك التَّمييزُ بالجزاء للفريقين ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: فاستحَقَّ أولئك العقابَ، وهؤلاء الثوابَ.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾: قيل: أي: كذلك يصِفُ لكلِّ عاملٍ مِن الناس جزاءَ عملِه بما يُماثِلُه، فيُجازي المُحْسِنَ بإحسانه بالحُسْنى، والمُسِيءَ بإساءته بالسُّوأَى (^٢).
وقيل: أي: فكذلك يصِفُ اللَّهُ للناس عواقبَ أمورِهم التي يَصيرون بها أمثالًا لِمَن سِواهم.
وعن ابن عباس ﵄: أنَّ الآيةَ الأولى في كفار مكة، صدُّوا عن المسجد الحرام وعن الدخول في الإسلام، والآيةَ الثانيةَ في المسلمين مِن أهل المدينة، وهُم الأنصارُ، آمَنوا بمحمد لَمَّا جاءهم (^٣)، فذكَرَ جزاءَ الفريقين، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ
_________________
(١) "ونياتهم" ليس من (أ)، وذكره عن مقاتل دون هذه اللفظة السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٦)، وذكره دون قوله: "عملهم" مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٦٨٧٩)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٩١)، عن النقاش.
(٢) قوله: "فيُجازي المُحْسِنَ بإحسانه بالحُسْنى، والمُسِيءَ بإساءته بالسُّوأَى" معناه: فيُجازي المُحْسِنَ بالحُسْنى بسبب إحسانه، والمُسِيءَ بالسُّوأَى بسبب إساءته.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٨٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٠٣) وقال: صحيح =
[ ١٣ / ٤١٠ ]
يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾؛ أي: كذلك يفعَلُ اللَّهُ تعالى بالناس كلِّهم كما يفعلُ بهؤلاء.
* * *
(٤) - ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: فإذا لَقِيتُم -مَعاشِرَ المسلمين- هؤلاء الكافرين في مواطن الجهاد.
﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾: أي: فاضرِبوا رِقابَهم، نصبٌ على الإغراء.
وقيل: أي: فافعلوا ضَرْبَ الرِّقابِ (^١)، نصبٌ بإضمار الفعل.
والألفُ واللامُ في ﴿الرِّقَابِ﴾ بدلٌ عن الإضافة.
وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾: وأَصْلُ الإِثْخانِ: الغلَبَةُ، يُقالُ: أثخَنَ الصَّيدَ: إذا غلَبَه؛ أي: أكثَرْتُم القتلَ في البعض، وأعجَزْتُم الباقين عن الفَوات.
﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾: أي: فشُدُّوا وَثاقَهم، والألفُ واللامُ بدلى عن الإضافة ها هنا أيضًا.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْد﴾: أي: فإما أنْ تمُنُّوا بعد ذلك بالإطلاق مَجَّانًا ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾؛ أي: وإمَّا أنْ تَفْدُوا بعضَهم فتأخُذوا منهم فِداءً وتُطْلِقُوهم.
_________________
(١) = الإسناد، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٧٤).
(٢) في (ر): "الأعناق".
[ ١٣ / ٤١١ ]
وقد ذُكِرَ القتلُ قَبْلَه، فكان الإمامُ مُخَيَّرًا في ذلك، يَختارُ ما يرى فيه المصلحة على حسَبِ ما يَقتضيه الحالُ.
وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾: قيل: أي: حتى تنقضِيَ الحربُ.
والأوزارُ: الأسلحةُ، جَمْعُ (وِزْرٍ)، وهو الحِمْلُ والثِّقلُ في الأصل، والإِثْمُ سُمِّيَ وِزْرًا لذلك، وهو استعارةٌ، وتقديرُه: حتى يتفرَّقَ الكفارُ، ويأمَنَ المسلمون فيَضعوا أسلحتَهم، وفيه مُضْمَرٌ: حتى يضَعَ أهلُ الحربِ أوزارَهم.
وقيل: ﴿الْحَرْبُ﴾: المُحارِبون، قال الشاعر:
وكانوا لنا سِلْمًا فصاروا لنا حَرْبًا (^١)
وقال الحسن وقتادة: أي: افعلوا هذا بأعدائكم إلى أنْ تستغنوا عن مُحاربتهم بدخولهم في الإسلام أو قَتْلِهم جميعًا (^٢)،. . . . . . .
_________________
(١) عجز بيت نسبه ابن بري كما في "اللسان" (مادة: ملح) لأبي عُيَيْنةَ محمدِ بن أَبي صُفْرة في مطلع قصيدةٍ له، وصدره: تَجَنَّى عَلَيْنَا أَهلُ مَكتومةَ الذَّنْبا وهو من غير نسبة في "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٣)، وصدره فيه: أشاعوا لنا فى الحي أشنع قصة وجاء في "ديوان عمر بن أبي ربيعة" (ص: ٧٧)، بيت برواية: ورجا مصالحة فكان لكم سلما وكنت ترينه حربا
(٢) رواه عن الحسن ابن المنذر فيما عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٤٥٩) بلفظ: حتى يعبد اللَّه ولا يشرك به. وعن قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٧٢)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٨٨) بلفظ: حتى لا يكون شرك. وذكره عنه السمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٦٩) بلفظ: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، وابن عطية =
[ ١٣ / ٤١٢ ]
وهو كقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
وقال النبي -ﷺ-: "ينزِلُ عيسى ابنُ مريمَ حَكَمًا عَدْلًا، يَكْسِرُ الصليبَ، ويقتُلُ الخنزيرَ، وتضَعُ الحربُ أوزارَها" (^١)؛ أي: ويُسْلِمُ الناسُ حتى لا يبقى في الأرض مشركٌ.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾: أي: هذا الذي ذكَرْناه هو حقٌّ.
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾: أي: لانتقَمَ منهم بغير قتالٍ منكم.
﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾: أي: ولكنْ أمرَكم بالجهاد لِيُظْهِرَ منكم ما علِمَ في الأزَل مِن الائتمارِ بالأمر وتَرْكِه.
وقال ابن عباس ﵄: لِنَخْتَبِرَ المؤمنَ بالمُشْركِ، والمُعافى بالمُبْتلى، والصَّحيحَ بالسَّقيمِ (^٢).
﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: استُشْهِدوا، ومَن قرأ: ﴿قاتَلوا﴾ فمعناه: جاهَدوا (^٣).
﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: فلن يُضَيِّعَ ولن يُبْطِلَ أعمالهم كما أضلَّ أعمالَ الكفارِ، بل يُثِيبُهم عليها أعظمَ الثوابِ.
_________________
(١) = في "المحرر الوجيز" (٥/ ١١١) بلفظ: حتى يسلم الجميع، فتضع الحرب أوزارها. وذكر نحوه الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٢٦٥)، وهو الأقرب لنص المصنف ﵀.
(٢) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٩٣٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وإسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥)، دون قوله: "وتضع الحرب أوزارها". وورد ضمن حديث طويل رواه ابن ماجه (٤٠٧٧) عن أبي أمامة الباهلي ﵁.
(٣) لم أقف عليه. وفي (ف): "المؤمن من المشرك والمعافى من المبتلى والصحيح من السقيم".
(٤) قرأ أبو عمرو وحفص: ﴿قُتِلُوا﴾، والباقون: ﴿قَاتَلُوا﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٦٠٠)، و"التيسير" (ص: ٢٠٠).
[ ١٣ / ٤١٣ ]
(٥ - ٦) - ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾.
﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾: أي: المُجاهدين، يُثَبِّتُهم على الرُّشْد، وفي حقِّ المقتولين سيَهديهم إلى طريق الجنة في الآخرة.
﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾: أي: شأنهم، وهو ما (^١) بيَّنَّاه.
وقيل: أي: لا يُخْطِرُ ببالهم فيها إلا ما يَفْرَحون به.
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾: قيل: طيَّبَها لهم؛ مِن العَرْفِ بالفتح.
وقيل: مِن المعرفة؛ أي: إذا دخَلوها عرَفوا منازلَهم واهتدَوا إليها، على ما رُوِيَ: إنَّ أحدَهم لَأَعْرَفُ بمنازله في الآخرة منه بمَنازله في الدنيا (^٢).
وقيل: أَعْلَمَها لهم في الدنيا، وعرَّفَهم نعيمَها.
* * *
(٧ - ٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾: أي: دِينَ اللَّه ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾: على أعداءكم في الدنيا ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾: أي: يُشَجِّعْكم، فتَثْبُتوا لهم.
وقيل: ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾: في الآخرة، ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾: في مَواطِنِ الحساب وعلى الصِّراط؛ كما قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
_________________
(١) في (أ): "وهو لما"، وفي (ر): "وما" بدل: "وهو ما".
(٢) رواه البخاري (٢٤٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا، ولفظه: "فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا".
[ ١٣ / ٤١٤ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾: أي: سُقوطًا على وجوههم.
وقيل: تقديرُه: فأَتْعَسَهم اللَّهُ، فقد قال بعدَه:
﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: أَبْطَلَها.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: أي: ذلك التَّعْسُ لهم بسبب أنهم استَثْقَلُوا ما أنزلَ اللَّهُ في كتابه على نبيِّه مِن الأمر والنهي.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: وكرَّرَ ذِكْرَ إِضْلالِ العملِ وإِحْباط العمل؛ ليكونوا كلَّما ذُكِروا يتَّصِلُ ذِكْرُهم بالذَّمِّ والتَّحْقير والإخبار بسُوء الحال عند اللَّه؛ كالمعهود في ذِكْرِ الأخيار، كلَّما أُعيدَ ذِكْرُهم وُصِلَ به رَحْمَةُ اللَّهِ، وفي حقِّ الصحابة ﵃، وفي حقِّ النبي -ﷺ-.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: أفلم يَسِرْ هؤلاء المشركون؟! استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: لقد ساروا في الأرض التي تُجاوِرُ بلادَهم مِن أرض عادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ وقومِ شعيبٍ وغيرهم، فينظروا إلى سُوء عَواقبِ الأُمَم التي كفَرَتْ (^١) باللَّه، وكرِهَتْ ما أنزلَ اللَّه.
﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أهلَكَهم واستأصَلَهم.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾: أي: أمثالُ تلك العُقوبات، وهي غيرُ مَذْكورةٍ، لكنَّها مدلولةٌ بذِكْرِ الدَّمار.
_________________
(١) في (أ): "كذبت".
[ ١٣ / ٤١٥ ]
(١١ - ١٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾: أي: ذلك المذكور مِن نَصْرِ المؤمنين وسُوء عِقابِ (^١) الكافرين إنما هو لأنَّ اللَّهَ ناصِرُ المؤمنين والذَّابُّ عنهم والمُتَوَلِّي لأمورهم، والكافرون ليس لهم ناصِرٌ يُعينُهم ويمنعُهم ويدفعُ العذابَ عنهم، وكذلك في الآخرة حالُ الفريقين.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: هذا لأحد الفريقين. وأما الفريقُ الآخَرُ، فقد قال:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾: بنعيم الدنيا ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾: يَقْضُون الشَّهواتِ، ولا يُفَكِّرون في الآيات، ويختارون الرَّاحات ولا يَتْعَبون بالعبادات، فهُم كالأنعام التي لا عُقولَ لها.
﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾: في الآخرة؛ أي: مُقامٌ بدَلَ الجنةِ للمؤمنين.
* * *
(١٣) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً﴾: أي: كم مِن أهل بَلْدَةٍ ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً﴾؛ أي: هُم أقوى ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ﴾؛ أي: مِن أهل بلدتك مكةَ.
﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾: أي: مكَروا بكَ في دار النَّدْوة، وقصَدوا أنْ يُثْبِتُوكَ (^٢) أو يَقْتُلوكَ أو يُخْرِجوك، فاضطُرِرْتَ إلى الخروج منها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "عواقب".
(٢) في (ر): "يفتنوك".
[ ١٣ / ٤١٦ ]
﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: أي: أهلَ تلك القُرى.
﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾: أي: لا مانعَ لهم بدَفْعِ العذاب عنهم، وله وجهان:
أحدُهما: أي: فما كان لهم ناصِرٌ حين نزَلَ بهم العذابُ.
والثاني: فلا ناصِرَ لهم الآن في قبورهم يَدْفَعُ عذابَ القبرِ عنهم.
* * *
(١٤) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: قال عكرمة: أي: على حُجَّةٍ وبَصيرةٍ (^١).
وقال مقاتل: أي: على (لا إله إلا اللَّه) (^٢).
وقال ابن عباس: أي: على دِينٍ مِن ربه (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: ليسا سواءً.
﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: جُمِعَ وإنْ أُفْرِدَ ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾؛ لأنَّ (مَن) فَرْدٌ لفظًا، جَمْعٌ معنًى.
قال ابن عباس: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: أبو جهل (^٤).
_________________
(١) لم أقف عليه عن عكرمة، وذكره الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٩٩)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٢٠) من غير نسبة.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٣٣) عن ابن عباس ﵄ ومقاتل والكلبي بلفظ: على بيان من ربه ويقين من دينه، وهو محمد -ﷺ- على شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٣٧٠) عن الكلبي.
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٠٠) عن مقاتل والكلبي، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٣٣) عنهما وعن ابن عباس ﵄، وهو من غير نسبة في "تفسير الثعلبي" (٩/ ٣٢)، و"النكت والعيون" للماوردي (٤/ ٤٦٣)، و"تفسير السمعاني" (٥/ ١٧٣)، و"تفسير البغوي" (٧/ ٢٨٢).
[ ١٣ / ٤١٧ ]
وقال مقاتل: هو أبو جهل وأبو حُذيفة بنُ المُغِيرة ونحوُهما لعنَهم اللَّهُ (^١).
* * *
(١٥) - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: أي: فيما يُتْلى عليكم صفةُ الجنةِ.
وقيل: أي: صفةُ الجنةِ التي وُعِدَ المتقون (^٢).
﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾: أي: غيرِ مُتَغَيِّر الرائحة.
قال قتادة: الآسِنُ: المُنْتِنُ (^٣)، والفِعْلُ مِن باب (دخَلَ) و(ضرَبَ) و(عَلِمَ).
أي: لا يتغيَّرُ ماءُ الجنة كما يتغيَّرُ ماءُ الدنيا بطُول المُكْث في منافعها وفي أوانيها.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾: كما يتغيَّرُ في الدنيا، فيَصيرَ حامِضًا وقارِصًا وغيرَ ذلك.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾: أي: لذيذةٍ. والِفعلُ مِن باب (علِمَ)، والنَّعْتُ: (لَذٌّ) و(لذيذٌ)، والهاءُ للتأنيث.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٤٦).
(٢) يعني قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ وخبره هو قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ إلخ، على معنى: مثل الجنة وصفتها مضمون هذا الكلام ولا يحتاج مثل هذا الخير إلى رابط. وعلى القول الأول -وهو قول سيبويه- هو مبتدأ خبره محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم، أو فيما قصصنا عليك، وهذا قول سيبويه، ويقدر مقدمًا، و﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ إلخ على هذا بيان لذلك المثل. وقيل في المقدر غير هذا، وعلى كل هو مبتدأ باتفاق المعربين. انظر: "روح المعاني" (٢٥/ ١٤٥).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٨٧٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٠٠).
[ ١٣ / ٤١٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾: أي: لذيذةِ الطَّعْم، طَيِّبةِ الشُّرْب، لا يكرَهُها الشَّارِبون كما في الدنيا، ولا يكون فيها مِن الأذى كما يكون في خَمْر الدنيا.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾: لم يخرُجْ مِن بُطونِ النَّحْل مُخْتَلِطًا بالشَّمْع والقَذى، خلَقَه اللَّهُ مُصَفًّى، لا أنْ كان مُخْتَلِطًا فصُفِّيَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: للأكل، والأنهارُ للشُّرْب.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: أي: ولهم مع ذلك عَفْوٌ لِمَا كان منهم مِن الذنوب، وقد نسُوها، فلا يتذكَّرونها؛ لئلا يتنغَّصَ الحالُ عليهم.
وقولُه تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾: وها هنا مُضْمَرٌ؛ أي: أفمَن هو صائِرٌ إلى هذا وهو خالدٌ فيه كمَن هو خالدٌ في النار؟! كما قال في الآية الأولى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية.
وقولُه تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾: أي: ويُسْقَون؛ لأنَّ ما كان في الآخرة فهو كائن لا محالةَ، فأُلحِقَ بالمُتَحَقِّق، وجُمِعَ مع إفراد قوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ بكلمة (مَن) الذي هو فَرْدٌ لفظًا، جَمْعٌ معنًى.
﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾: جَمْعُ (مِعًى).
* * *
(١٦) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾: أي: ومِن هؤلاء الذي يتمتَّعون ويأكلون كما تأكلُ الأنعام، وزُيِّنَ لهم سوءُ أعمالِهم، واتَّبَعوا أهواءَهم: قومٌ يحضُرُ الواحدُ
[ ١٣ / ٤١٩ ]
منهم مَجْلِسَكَ الذي تتلو فيه القرآنَ ووتبيِّنُ معانيَه ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: باللَّهِ وكتابِه ودِينِه مِن أصحابكَ.
﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾: أي: أيُّ شيءٍ قال محمد الآنَ؟
ولهذا الكلام وجهان:
أحدُهما: أنْ يسمعَ الإنسانُ ولا يفهَمَ؛ لِشُغْلِ قلبِه بشيءٍ آخرَ.
والثاني -وهو أشبَهُ-: أنْ يُقال على سبيل التَّهاوُنِ بما سَمِعَ والاستهزاءِ به.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: جُمِعَ هذا مع (^١) توحيد أوَّلِ الكلام؛ لِمَا مرَّ أنه ذَكَرَ كلمةَ (مَن).
﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: كذلك؛ أي: لا يَخْلُصُ فَهْمُ القرآن إلى قلوبهم؛ لأنَّ اللَّه تعالى ختَمَ عليها لِعِلْمِه باختيارهم ذلك، ولاتِّباعهم أهواءَهم دون الحق.
ويجوزُ أنْ يكون هذا في المشركين، ويجوزُ أنْ يكون هذا في المنافقين.
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾.
ثم ذَكَرَ الذين يُخالِفونهم، فقال:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾: بالقرآن ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾: أي: زادَهم اللَّهُ تعالى؛ أي: أدامَهم اللَّهُ تعالى على الهدى.
وقيل: والذين اهتدوا بالإيمان زادَهم القرآنُ رَشَدًا وبَصيرةً في دينهم.
_________________
(١) في (ف): "على".
[ ١٣ / ٤٢٠ ]
﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾: أي: ألهَمَهم اللَّهُ تَقْواهم.
وقيل: أي: أعطاهم ثوابَ تقواهم. قالَه سعيد بن جُبير (^١).
وقولُه تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾: أي: ما ينتظرُ هؤلاء بإيمانهم؛ أي: بتأخيرهم الإيمانَ إلا الساعةَ، فإنْ كانوا ينتظرونها فهي لا تأتيهم إلا فَجْأةً، فإنَّ اللَّهَ تعالى طَوى عِلْمَها عن الخَلْق، فإذا أتَتْهم بَغْتةً لم يُغْنِ الإيمانُ حينئذٍ، وإنْ أرادوا الإيمانَ عند دُنُوِّها لِيَنفعَهم فهذا وقتُه.
﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾: أي: علاماتُها، فقد عُلِمَ دنوُّها فما ينتظرون؟
قال ابن عباس: ﴿أَشْرَاطُهَا﴾؛ أي: علاماتُها (^٢)، انشقاقُ القمرِ والدُّخانُ (^٣).
وقال محمد بن كعب: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- مِن أشراط الساعة؛ لأنَّ صِفَتَه في الكتب أنَّه آخِرُ الأنبياء (^٤).
وقال النبي -ﷺ-: "بُعِثْتُ أنا والساعةُ كهاتين، إنْ كادتْ لَتَسْبِقُني" (^٥).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٨٣)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٤١).
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٠٧)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٩٩) بلفظ: أوائلها، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٢٤) بلفظ: معالمها.
(٣) هو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٤/ ٤٨)، وذكره عنه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٢٤).
(٤) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٧/ ٤٦٧). وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٤٤) عن الحسن. وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٩٩) عن الضحاك، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١١٦) من غير نسبة.
(٥) رواه البخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) من حديث أنس ﵁. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢٢٩٤٧) من حديث بريدة الأسلمي ﵁، واللفظ له.
[ ١٣ / ٤٢١ ]
وقولُه تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾: أي: فكيف ومن أين لهم أنْ يتذكَّروا إذا جاءتهم الساعةُ؟! قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].
* * *
(١٩) - ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: أي: فاثبُتْ على هذا.
وقال الكِنانيُّ (^١): كان يضيقُ صدرُه بأذى الكفار، فقال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، لا تُعَلِّقْ قلبَكَ بأقاربكَ، واعلمْ أنه لا كاشِفَ لِما في قلبكَ سوى اللَّه (^٢).
ويُقال: قيل له: ﴿فَاعْلَمْ﴾، ولم يقل له: (عَلِمْتُ)، وإبراهيم قيل له: ﴿أَسْلِمْ﴾، ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ﴾، وجوابُه مِن وجوه:
منها: أنَّ إبراهيم قال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، فابتُلِيَ، ومحمد -ﷺ- لم يقل: (عَلِمْتُ)، فعُوفِيَ.
وقيل: إنَّ إبراهيم سبَقَ، فذُكِرَ جوابُه في الكتاب المُنَزَّل بعده، ولم يَنْزِلْ بعد القرآن كتابٌ آخرُ يذكُرُ فيه جوابَ محمد.
_________________
(١) في النسخ الثلاث: "الكتاني"، وهو تصحيف، والمثبت موافق للمصادر الآتية. وهو عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني المكي، صاحب كتاب "الحيدة"، تفقه للشافعي واشتهر بصحبته، وخرج معه إلى اليمن، قدم بغداد وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة مشهورة في القرآن. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" للخطيب (١٢/ ٢١٢)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٨/ ٢٢١).
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٤).
[ ١٣ / ٤٢٢ ]
وقيل: التَّسليمُ مُتَناهٍ، فيُمكِنُ الإخبارُ عنه، والعِلْمُ لا يتناهى، فلا يُمكنُ الإخبارُ عنه.
وقيل: إنَّ إبراهيم هو قال بنفْسِه: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، واللَّهُ تعالى أخبَرَ عن محمد -ﷺ-: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾، وهو إخبارٌ عن عِلْمه وزيادةٌ، وإخبارُ اللَّهِ تعالى عنه أعلى مِن جوابه بنفْسِه.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: أي: لِتَقْصِيركَ، فلن يخلوَ العبدُ عنه.
وقيل: أي: لِمَا يُتَصَوَّرُ عندك أنه تقصيرٌ، فإنه يُزيلُ عن قلبكَ ما تَسْتَشْعِرُه مِن ذلك، قال النبي -ﷺ-: "إنه لَيُغانُ على قلبي، فأستغفرُ اللَّهَ تعالى في اليوم سبعين مرةً" (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: لِأُمَّتِكَ، وهي أرجى آيةٍ في القرآن، فإنه لا شك أنه ائتمَرَ بهذا الأمر، ولا شكَّ أنَّ اللَّه تعالى أجابَه فيه، فإنه لو لم يُرِدْ إجابتَه فيه لَمَا أمرَه به.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾: مُتَصرَّفَكم في الدنيا، ومُقامَكم في الآخرة؛ أي: فلن يَخْفى عليه حالُكم ومآلُكم، وهذا تأويلُ ابن عباس ﵄ (^٢).
وقيل: مُتَقَّلَبَكُم بالنهار، ومثواكم بالليل.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٠٧) عن أبي هريرة ﵁، ومسلم (٢٧٠٢) عن الأغر المزني ﵁.
(٢) رواه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم؛ كما في "الدر المنثور" (٧/ ٤٩٦). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٨٥) عن ابن عباس ﵄ والضحاك.
[ ١٣ / ٤٢٣ ]
(٢٠) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾: أي: يستعجلُ المؤمنون بنُزول سورة في الجهاد والحثِّ عليه؛ لِحِرْصِهم في نُصْرة الدِّين وقَمْعِ الكافرين.
﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾: ناسِخةٌ لِما قَبْلَها مِن الحُكْم.
وقيل: مُؤَكَّدةٌ في الأمر والنهي.
وقيل: مُعْجِزةٌ بنَظْمها ومعناها، يُعْلَمُ أنها مِن اللَّه تعالى.
﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾: أي: فُرِضَ الجهادُ.
﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: شكٌّ ونفاقٌ.
﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: أي: مِن حُضور أسباب الموت مِن آثار الجُبْن والفَزَع؛ مِن تغيُّرِ الوجه وانقلابِ حَلْقَةِ العين ودورانها.
وقيل: ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾؛ أي: مِن خوف الموت في القتال.
﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾: أي: فويلٌ لهم؛ كما قال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤].
* * *
(٢١) - ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أي: كانوا يقولون: مِنَّا طاعةٌ، وهذا قولٌ معروفٌ؛ أي: حسَنٌ في العقل والشَّرع.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾: أي: جَدَّ الأمرُ بالقتال، وأتَتِ العَزيمةُ فيه، كرِهوا ذلك، هذا مُضْمَرٌ، وقيل: المُضْمَرُ: لم يُصَدِّقوا اللَّهَ.
[ ١٣ / ٤٢٤ ]
وقولُه تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾: أي: كصِدْقِ المؤمنين.
﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أي: أَنْفَعَ لهم في دِينهم ودنياهم.
* * *
(٢٢) - ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: أي: فهل تريدون إذا تركتم دِينَ محمد أنْ تعودوا إلى مِثْلِ ما كنتم عليه مِن التَّقاتُل والتَّقاطُع.
وقيل: أي: فلعلَّكم إذا أعرضتُم عن القرآن والإيمان رجعتم إلى الإفساد في الأرض وقَطيعةِ الأرحام؛ أي: تظنُّون أنْ تُهمَلوا في ذلك؛ أي: ليس كذلك.
وقيل: أي: إنْ وُلِّيتُم أَمْرَ هذه الأُمَّةِ.
قال ابن عباس ﵄: قد كان هذا، وهُم بنو أميَّةَ فعَلوا ما ذُكِرَ في الآية (^١).
وقيل: إنَّ الآية في المنافقين، تولَّوا عن رسول اللَّه -ﷺ-، وسعَوا في الأرض بالفساد.
وقيل: هي في الحَرُوريَّة.
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٢٧٩). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٨٧) عن المسيب بن شريك والفراء. قلت: لم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء. وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (٢٦/ ١١٢): ومنهم من جعلها -أي: الآية- فيما يحدث بين بني أمية وبني هاشم على عادة أهل التشيع والأهواء من تحميل كتاب اللَّه ما لا يتحمله، ومن قصرِ عموماته على بعض ما يراد منها.
[ ١٣ / ٤٢٥ ]
(٢٣) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أي: هؤلاء الذين يفعلون هذا.
﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾: عن سماع الحقِّ ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾: عن رُؤية الحقِّ.
وقيل: ﴿عَزَمَ الْأَمْرُ﴾: في الآخرة.
وقيل في قوله: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أقاويلُ أخَرُ:
قال الضحاك: أي: فهلَّا طاعةٌ للَّه، وقولٌ معروفٌ لرسوله (^١).
وقال الحسن: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خيرٌ لهم مِن الكراهة والفَزَع (^٢).
وقال مجاهد: أي: قولوا: طاعةٌ وقولٌ معروفٌ (^٣).
وقيل: تقولون: طاعةٌ، أيها المنافقون، وهذا قولٌ معروفٌ منكم لا تعمَلون به.
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾: استفهامٌ بمعنى الأمر ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾: أي: بل على قلوبِ طائفةٍ منهم أقفالُها، استعارةٌ عن الخَتْم والطَّبْع.
أي: أقفلَ اللَّهُ على قلوبهم فلا يفهمون شيئًا، عَلِمَ اللَّهُ تعالى منهم اختيارَ ذلك، ففعَلَ بهم ذلك.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ذكره بنحوه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٠١) ولفظه: من أن يجزعوا من فرض الجهاد عليهم.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢١٢).
[ ١٣ / ٤٢٦ ]
وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾: قيل: رجَعوا عن طاعة اللَّه تعالى في الجهاد، فهُم هؤلاء المنافقون.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: أي: حَقِّيَّةُ الإسلامِ.
﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾: أي: زيَّنَ لهم أعمالَهم.
﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾: أي: أطالَ لهم الثَّباتَ فيه، وهو كقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢].
وقرأ أبو عمرو: ﴿وَأُمْلِيَ لهم﴾ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^١)؛ أي: أمهلَهم اللَّهُ.
* * *
(٢٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾: أي: قال المنافقون للمشركين الذين كرِهوا ما نزَّلَ اللَّهُ، فقد قال في هذه السورة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ إلى أنْ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: أي: في بعض ما تُدَبِّرونه على المسلمين مِن المَهالِكِ، والمرادُ بالبعض: السِّرُّ، لا الجَهْرُ.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾ بكسر الألف، وهو مصدرٌ، والباقون بفتحها (^٢)، وهي جَمْعُ: (سِرٍّ).
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١).
[ ١٣ / ٤٢٧ ]
(٢٧ - ٢٨) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أي: فكيف يَدْفَعون العذابَ إذا جاءتهم الملائكةُ لِقَبْضِ الأرواح.
﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: أي: أمامَهم وخَلْفَهم.
﴿ذَلِكَ﴾: أي: ذلك العذابُ.
﴿بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾: مِن مُظاهرَةِ المشركين.
﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾: أي: ما يَرْضاه اللَّهُ تعالى مِن مُعاونَة المؤمنين.
﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: أبطَلَ ما كان قُرْبَةً عندهم بنِفاقهم.
* * *
(٢٩ - ٣٠) - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾: أي: أَظَنَّ الذين في قلوبهم نفاقٌ أنْ لن يُظْهِرَ اللَّهُ أحقادهم على المؤمنين؟! أي: ليس كذلك، بل يُظْهِرُها.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾: أي: عاجلًا ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: بآثار وجوههم مِن تغيُّرِها.
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾: الآنَ قَبْلَ تغييرِ صُوَرِهم ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: أي: في مَخارجِ ألفاظِهم في مُخاطباتِهم لكَ.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾: مؤمنِكم وكافرِكم، ومُخْلِصِكم ومُنافقِكم.
[ ١٣ / ٤٢٨ ]
(٣١) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: ولَنَخْتَبِرَنَّكم بالأمر والنهي؛ أي: أُعامِلكم مُعاملةَ المُخْتَبِرِ؛ لِيَظْهَرَ منكم ما سبَقَ في عِلْمِي منكم، وذلك قولُه:
﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾.
وقيل: أي: حتى أَعْلَمَهم موجودين كما كنتُ عَلِمْتُهم أنهم يوجدون.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾: أي: وحتى نَكْشِفَها، كما قال: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وقد فعَلَ ذلك بما مرَّ في سورة براءة.
وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿ولَيَبْلُوَنَّكم﴾ ﴿وَيبْلوَ أخباركم﴾ (^١) بياء المغايبة رَدًّا على قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، وقرأ الباقون بالنون (^٢) رَدًّا على قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾.
وقال أنس بن مالك ﵁: ما خَفِيَ على رسول اللَّه -ﷺ- بعد نزول هذه الآية أحدٌ مِن المنافقين، وكان يعرِفُهم بسِيماهم، ولقد كُنَّا معه في غزوةٍ وفيها سبعةٌ مِن المنافقين، فشكاهم الناسُ، فناموا ذات ليلة، فأصبحوا وعلى جَبْهةِ كلِّ واحدٍ منهم مكتوبٌ: هذا منافقٌ، فذلك قولُه: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ (^٣).
* * *
(٣٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾.
_________________
(١) وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٧)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٢٧) هكذا من غير إسناد. قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ٢٩٨): غريب.
[ ١٣ / ٤٢٩ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾: أي: عادَوه وخالَفوه.
﴿بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: أي: لن يضُرُّوا رسولَه والمؤمنين بكَيْدٍ ولا حِيلَةٍ، ولا يُنْقِصُوا مِن مُلْكِ اللَّه تعالى شيئًا.
وقولُه تعالى: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾: مرَّ تفسيرُه مرَّاتٍ.
ويجوزُ أنْ يكون في المنافقين، ويجوزُ أنْ يكون في المشركين، وقد قال هؤلاء لهؤلاء: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾، فأخبَرَ أنَّ كيد هؤلاء وهؤلاء لا يضُرُّ أولياءَ اللَّهِ شيئًا.
* * *
(٣٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: بتَرْكِ طاعةِ اللَّه وطاعةِ رسوله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢].
قال مقاتل: إنَّ أسدًا وخُزيمةَ أتوا النبيَّ -ﷺ-، فأسلَموا، وقالوا: أتيناكَ بأولادنا (^١)، وترَكْنا أموالَنا وعشائرَنا، فإنَّ العربَ لم يُؤمنوا بكَ إلا مِن بعد ما قاتلوك ولم نُقاتِلْكَ، فلنا عليكَ مِنَّةٌ، فنزلَتْ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ بالمَنِّ (^٢).
_________________
(١) في (أ) و(ر): "بالأولاد".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (٤/ ٥١). ورواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٥٩٠) عن مقاتل بن حيان. ورواه النسائي في "الكبرى" (١١٤٥٥)، والبزار في "مسنده" (٥١٤١)، من حديث ابن عباس ﵄، وذكره دون عزو الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٤٩)، جميعهم في نزول قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧]. =
[ ١٣ / ٤٣٠ ]
وقال الإمام القُشَيري: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: بالرِّياء والعُجْب والملاحظة.
وقيل: أي: بالسُّكون إليها.
وقيل: أي: بطلَبِ الأَعْواضِ عليها.
وقيل: أي: بأنْ تتوهَّموا أنَّه يجب بها شيءٌ بدون فَضْلِ اللَّه (^١).
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾: وهو كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
وقال مقاتل: هي في رُؤَساء مكَّةَ الذين قُتِلوا ببدرٍ (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾: أي: فلا تَضْعُفوا ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: أي: لا تَجْبُنوا عن قتالهم، ولا تَدْعوهم إلى الصُّلح، فأنتم الأَعْلَون قَدْرًا ويَدًا.
﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾: أي: حافظُكم وناصرُكم ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾؛ أي: ولن يَنْقُصَكم ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾؛ أي: أُجورَ أعمالِكم.
* * *
_________________
(١) = وقد تقدم على أنه سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِير﴾ [الحج: ١٣].
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٤١٥).
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٠٦) عن الكلبي. وذكر الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٢٩) من غير نسبة أنها نزلت في أهل القليب ببدر.
[ ١٣ / ٤٣١ ]
(٣٦) - ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: تَضْمَحِلُّ عن قريبٍ، فلا يحصُلُ الإنسانُ منها إلَّا على ما يحصُلُ مِن اللَّعِب واللَّهْو، فلا يَحْمِلَنَّكم حبُّها على أنْ تبخلوا بأنفسكم وأموالكم عن الجهاد في إحياء الدِّين، والدُّعاءِ إلى الإيمان والتقوى.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾: أي: تَثْبُتوا على الإيمان، وتتَّقوا العِصْيان ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾: وهي أكبرُ مِن الحياة الدنيا وما فيها، فإنَّ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ﴾: أي: اللَّهُ. وقيل: رسولُ اللَّهِ ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾: أي: كلَّها، بل خمسةً مِن مئتين، ونصفَ دينارٍ مِن عشرين دينارًا، وقليلًا من كثير.
وقال سفيان بن عُيَيْنةَ: غَيْضًا مِن فَيْضٍ، فطِيبوا بها أنفُسًا (^١).
وقيل: ليستْ أموالَكم، بل هي أموالُ اللَّهِ.
* * *
(٣٧ - ٣٨) - ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.
﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾: الإِحْفاءُ: هو الإلحاحُ والاستِقْصاءُ.
﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ﴾: أي: اللَّهُ. وقيل: البُخْلُ.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٢٣).
[ ١٣ / ٤٣٢ ]
﴿أَضْغَانَكُمْ﴾: جَمْعُ ضِغْنٍ، وهو الحِقْدُ؛ أي: كراهتكم.
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾: أي: يا هؤلاء ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: إلى أنْ تُنْفِقوا.
﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾: أي: على نفْسِه، فإنَّ ضررَه على نفْسِه، والحِرْمانَ راجعٌ إليه.
وقيل: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: عن بُخْلِ نفْسِه، ولو كان جوادًا لم يَبْخَلْ.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾: عن نفقاتكم ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾: إلى ثواب اللَّه (^١).
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾: عن الإنفاق في سبيل اللَّه ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: أي: يُهْلِكْكُمُ اللَّهُ، ويأتِ بقومٍ آخَرين ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾: في البُخْل والإمساك.
روى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه سُئِلَ عن هذه الآية: مَن هؤلاء؟ فأشار إلى سَلْمانَ، وقال: "هذا وقومُه" (^٢).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ذلك".
(٢) رواه الترمذي (٣٢٦٠)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٣٣)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٢١٣٤)، وابن حبان في "صحيحه" (٧١٢٣)، والطبراني في "الأوسط" (٨٨٣٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٠٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٩)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٣١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٢)، والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير" (٦٦١)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب في إسناده مقال. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقال الجوزقاني: حديث صحيح، ورجاله ثقات. ورواه البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁، لكن في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣].
[ ١٣ / ٤٣٣ ]
قال ابن عباس ﵄: هُم كِنْدَةُ والنَّخَعُ (^١).
وقال عكرمة: هُم فارسُ والرُّومُ (^٢).
وقال الحسن: هُم العَجَمُ (^٣).
وقال محمد بن كعب: هُم الفُرْسُ (^٤).
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) ذكره عنه الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٣١)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩١) عن الكلبي.
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩١)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٣١).
(٣) انظر المصادر السابقة.
(٤) لم أقف عليه عن محمد بن كعب، وقد تقدم الحديث المرفوع المروي عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٣ / ٤٣٤ ]
سورة الفتح
[ ١٣ / ٤٣٥ ]