بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أقسم بالنُّون والقلم، الرحمنِ الذي مدح رسوله بالخُلُق الأعظم، الرحيمِ الذي وعد المتَّقين بالجنان والنِّعَم (^١).
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ كان له ثوابُ الَّذين أحسنَ اللَّه أخلاقَهم" (^٢).
وهي مكيَّة، وآياتها اثنتان وخمسون، وكلماتها ثلاثُ مئة، وحروفها ألف ومئتان وسبعون.
وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك في خطاب الرَّسول، وافتتاحَ هذه في ثناء (^٣) الرَّسول.
وانتظامهما: أنَّ تلك السُّورة في ثناء اللَّه وذمِّ مَن جحده ومدحِ مَن وحَّده، وهذه في ثناء رسول اللَّه -ﷺ- ومدحِ مَن اتَّبعه وذمِّ مَن عاداه وحسده.
* * *
_________________
(١) في (أ): "بالجنات والنعيم" وفي (ف): "الجنات والنعم".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٣٢)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) في (ر): "ثناء اللَّه وثناء".
[ ١٤ / ٥١٩ ]
(١) - ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: نون اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى (^١).
وقال عطاء: افتتاح اسم اللَّه تعالى: نورٌ وناصر ونصير (^٢).
وقال جعفر بن محمَّد الصَّادق: هو اسم نهر في الجنَّة (^٣).
وقال الكلبيُّ: النُّون: السَّمكة التي تحمل الأرض على ظهرها، وهي في الماء، وتحتها ثور، وتحت الثَّور صخرة، وتحت الصَّخرة الثَّرى، ولا يعلم ما تحتَه إلَّا اللَّه.
وقال الكلبيُّ ومقاتل: اسم السَّمكة: بهموت (^٤).
وقال الواقديُّ وأبو اليقظان: اسمه ليوثا (^٥).
وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: اسمُه يلهوت (^٦).
وقال عكرمةُ: أقسم اللَّه تعالى بالحوت؛ لأنَّ نمرود لعنه اللَّه لَمَّا رمى بالسَّهم نحو السَّماء عاد السَّهم مختضبًا بدم سمكة في بحر معلَّق بالهواء، فأكرم اللَّه تعالى ذلك الحوت بأن أقسم به، وأحلَّ جنسَه من غير ذكاة (^٧).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٠٠).
(٢) ذكره الثعلبي فى "تفسيره" (١٠/ ٦).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٧).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥).
(٥) في (ر): "لبونا". ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥). والاسم مضطرب في المصادر، ولا طائل من البحث فيه.
(٧) لم أجده هكذا، وذكر البغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٦١) عن عكرمة قال: (كان معه في التابوت غلام قد حمل معه القوس والنشاب فرمى بسهم فعاد إليه السهم متلطخًا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء). وكلاهما من خرافات الإسرائيليات.
[ ١٤ / ٥٢٠ ]
وقيل: هو آخر حرف من حروف (الرَّحمن)؛ فإنَّك إذا جمعت بين ﴿الر﴾ و﴿حم﴾ و﴿ن﴾ صارَ: الرَّحمن.
وقيل: هو اسم هذه السُّورة.
وقيل: هو اسم القرآن.
وقيل: هو الدَّواة.
وقيل: هو المداد الذي تَكتب به الملائكة.
وقيل: هو اللَّوح المحفوظ، والقلم هو القلم الذي كتب به على اللوح المحفوظ.
وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: أوَّل ما خلق اللَّه تعالى القلم، فقال له: اكتب، فقال: يا ربِّ، ما أكتبُ؟ قال: اكتب القدر، قال: فجرى بما يكون من ذلك الوقت إلى أن تقوم السَّاعة، ثم ارتفع بخار الماء فخلق منه السَّماوات، ثم خلق منه (^١) النُّون الذي عليه قرار الأرض، فبسط الأرض من فوقه، فتحرَّك النُّون، فمادَتِ الأرض، فأُثْبِتَتْ بالجبال (^٢).
وقال مجاهد: هو قلم من نور طوله مسيرة مئة عام (^٣).
_________________
(١) "منه" من (أ).
(٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣٢٧٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٤٠).
(٣) ذكره ابن كثير في "تفسيره" عن ابن جريج. وروى أبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٥٩٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٦٧)، من طريق مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أول شيء خلق اللَّه القلم من نور مسيرة خمس مئة عام". وفيه عثمان بن عبد اللَّه الشامي، قال ابن عدي: له موضوعات. انظر: "الضعفاء" للذهبي (٢/ ٤٢٦).
[ ١٤ / ٥٢١ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄ ومقاتل: طوله ما بين السَّماء والأرض (^١).
وعن ابن عبَّاس في رواية: هو قلم الملائكة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: وما يكتبون من أعمال الخلق.
وقال قتادة: والقلم نعمة من اللَّه عظيمة، لولا القلم ما قام دينٌ، ولم يَصلح عيش، واللَّه أعلم بما يُصلح خلْقَه (^٢).
وهذا دليل على أنَّه كان يقول: إنَّ المراد بالقلم هو قلم النَّاس.
وأقسم به لِمَا فيه من الحكمة والأعجوبة، إذ جُعل آلةَ التَّفاهم، وقام مقام اللِّسان في الإفهام والبيان.
وقيل: هو كلُّ قلم يُكتَب به في السَّماء والأرض، ويدل عليه قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥].
﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾؛ أي: وما يكتبون؛ أي: الحلف (^٣) بالقلم.
والحاصل:
أنَّ بعضهم قال: هو قسم بالحوت الذي هو تحت الأرضين، وبالقلم الذي هو فوق السَّماوات، وهو ينتظِم ما بينهما.
وبعضهم حملها على اللَّوح المحفوظ والقلم.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٤٠٣). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢١٥) عن ابن عباس ﵄، لكنه في عرض اللوح المحفوظ، ولفظه: (إن اللَّه خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، عرضه ما بين السماء والأرض).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٢٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٥٠).
(٣) في (ر): "يحلف".
[ ١٤ / ٥٢٢ ]
وبعضهم على قلم الملائكة ومدادِهم وكتابة الأعمال.
وبعضهم على الدَّواة والقلم في الدُّنيا وما يكتبون بهما.
وقيل: هو قسم من اللَّه بنفسِه، وتقديره: وخالقِ القلم، ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يجوز أن يكون للمصدر، ويجوز أن يكون للمفعول.
* * *
(٢ - ٤) - ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾: هو المقسَم عليه؛ أي: لسْتَ يا محمَّد مجنونًا كما يقول مشركو مكَّة بهتانًا وعدوانًا؛ إذ كان اللَّه أنعم عليك بوفور العقل واستكمال خصال الخير ما لم ينعم على أحد من خَلْقه بمثله.
وهو كقوله: ما أنت بحمد اللَّه جاهلًا.
﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: أي: غير مقطوع، وقيل: غير منقوص، وقيل: غير ممتنٍّ به عليك.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: ولا مدحَ فوقَه، فما وصَفه اللَّه بالعظم مَن يدري نهايته؟
وهو تنزيهٌ له عن كلِّ عيبٍ يكون في الأخلاق، ووصفٌ بالتَّحلِّي بكلِّ محاسن الأخلاق.
وسُئلَتْ عائشة ﵂: كيف كان خُلُقُ رسول اللَّه -ﷺ-؟ قالت: "كان خلقه القرآن" (^١).
تعني: ما أدَّبه به القرآن، وأمَرَ اللَّهُ فيه به أهلَ الإيمان، من الاجتهاد في طاعة اللَّه
_________________
(١) رواه مسلم (٧٤٦).
[ ١٤ / ٥٢٣ ]
تعالى، والخضوع له، والانقياد لأمره، والتشدُّد على أعدائه، والتذلُّل لأوليائه، ومواساةِ عباده، وإرادةِ الخير لهم، والحرصِ على ما ينجيهم، والاحتمالِ لأذاهم، والقيامِ بمصالحهم، وإرشادِهم إلى ما يجمع لهم خير الدَّارين، والتَّعفُّفِ عن أموالهم، والحلمِ عن جهَّالهم، وخفضِ الجناح لهم، لم يتغيَّر عن ذلك في حالٍ من الأحوال، ولا زمنٍ من الأزمان.
ولَمَّا مدح اللَّه تعالى الأنبياء ووصفَ كلَّ نبيٍّ بصفة قال له: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] ففعل، فصار مستجمِعًا لكلِّ خصال الخير، وكان كلُّ واحد منهم مخصوصًا بخصلة، مثلَ نوحٍ بالشُّكر، وإبراهيم بالحِلم، وموسى بالإخلاص، وإسماعيلَ بصدق الوعد، ويعقوبَ وأيُّوب بالصَّبر، وداوُد بالاعتذار (^١)، وسليمان بالتَّواضع، وعيسى بالزُّهد، فلمَّا اقتدى بهم اجتمع له الكلُّ.
ولَمَّا نزل جبريل بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قال: لقد أتيتك بمكارم الأخلاق؛ صِلْ مَن قطعَكَ، وأعطِ مَن حرمَكَ، واعفُ عمَّنْ ظلمَكَ، وأحسِنْ إلى من أساءَ إليك (^٢). فأخذَ بذلك كلِّه.
وكانت خديجة ﵂ تقول له في أوَّل ما نزل به جبريل وخاف ذلك،
_________________
(١) في (ر): "بالاعتداد".
(٢) رواه بنحوه ابن مردويه من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، كما في "الدر المنثور" (٣/ ٦٢٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٤٣) من طريق سفيان بن عيينة عن رجل قد سماه، ومن طريق سفيان عن أُميٍّ الصيرفي، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٣٨) من طريق سفيان عن أميٍّ عن الشعبي، وكل هذه مرسلات كما قال ابن كثير عند تفسير الآية، وزاد: "وقد روي له شواهد من وجوه أُخر". قلت: له شاهد من حديث عقبة بن عامر ﵁ عند أحمد (١٧٤٥٢).
[ ١٤ / ٥٢٤ ]
قالت له: كلَّا؛ إنَّك لتحمل الكَلَّ، وتَقْري الضَّيف، وتَكْسِب المعدوم، وتصل الرَّحم، وتُعين على نوائب الحقِّ (^١).
وأعلى ذلك كلِّه ما كان منه ليلة المعراج من غضِّ البصر عن الكونين، حتى قال اللَّه تعالى فيه له: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧].
لم ينحرف بالبلاء، ولم ينصرف بالعطاء، وغدًا يقولُ كلُّ رسولٍ: نفسي نفسي، وهو يقول: "أمَّتي أمَّتي" (^٢)، فهذا خُلقُه.
* * *
(٥ - ٦) - ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾: وهذا وعدٌ له ووعيدٌ لأعدائه، يقول: فسترى أنت وسيرى هؤلاء الذين يجحدون نبوَّتك، وينسبونك إلى الجنون.
﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: والباء زائدة، وتقديره: أيَّكم المفتون؛ أي: المُبتلَى بالجنون، وأنَّه الذي لا يفكِّر في عاقبة أمره، ولا يُحسن النَّظر لنفسه، وسيَظهر في العاقبة أن هذه الصِّفة لهم لا لك.
وقال أبو عبيدة والأخفش والقتبي: الباء زائدة، كما في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] (^٣).
وقال الشَّاعر:
_________________
(١) رواه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٦٤)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٧٧)، و"معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٤٧).
[ ١٤ / ٥٢٥ ]
هُنَّ الحرائِرُ لا رَبَّاتُ أحمرةٍ سودُ المحاجِرِ لا يقرأْنَ بالسُّوَرِ (^١)
وقال آخر:
نضرِبُ بالسَّيفِ ونرجو بالفرجْ (^٢)
وقال الفرَّاء: الباء مقرَّرة، لكن ﴿الْمَفْتُونُ﴾ مصدرٌ (^٣) بمعنى الفَتْن والفُتُون؛ كالمعقول والمجلود (^٤)، والميسور والمعسور، تقديره: بأيكم الفَتْن.
وقال محمد بن جرير الطَّبري والزَّجَّاج: الباء بمعنى: (في)، كقولك: كنت ببلد كذا، أو في بلد كذا، وتقديره: في أيكم المفتون؛ أي: في أيِّ الفريقين منكم، فريق الإسلام أو فريق الكفر (^٥).
_________________
(١) البيت للراعي النميري. انظر: "ديوانه" (ص: ١٢٢).
(٢) الرجز للنابغة الجعدي. انظر: "ديوانه" (ص: ٢١٦)، وفيه: نضرب بالبيض، وقبله: نحن بنو جعدة أصحاب الفلج
(٣) في (ر) و(ف): "الباء مقرِّرة لكون المفتون مصدرًا".
(٤) في (أ): "كالمعقول والمجهول"، وفي (ر): "كالمفعول والمجهود" وفي (ف): "كالمعقول والمجهود". والصواب المثبت، يقال: ما لفلان معقول ولا مجلود؛ أي: ما له عقل ولا جلادة، ومثله أيضًا المعقود، يقال: ليس له معقول ولا معقود؛ أي: ليس له عقل ولا عقد رأي. انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة، و"تفسير الطبري"، و"معاني القرآن" للزجاج، و"تفسير الثعلبي"، و"البسيط" للواحدي، وغيرها، عند تفسير هذه الآية. ولفظ الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ١٧٣): المفتون هاهنا بمعنى: الجنون، وهو في مذهبٍ: الفتون، كما قالوا: ليس له معقول رأي، وإن شئت جعلته ﴿بِأَيِّكُمُ﴾: في أيكم؛ أي: في أي الفريقين المجنون، فهو حينئذ اسم ليس بمصدر.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" (٢٣/ ٥٣٠، ٥٣٢)، و"معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢٠٥)، وأجازه الفراء أيضًا. انظر التعليق السابق.
[ ١٤ / ٥٢٦ ]
وقيل: ﴿الْمَفْتُونُ﴾: الشَّيطان؛ لأنَّه مفتون في دينه، ومعناه: بأيِّكم الشَّيطان الذي يكون منه مسُّ الجنون.
* * *
(٧ - ٩) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: وينكشف لكم أيضًا في العاقبة الضَّالُّ من المهتدي من الفريقين.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾: قال مقاتل: أي: المكذبين بالبعث والحساب، وذلك حين دعوا رسول اللَّه -ﷺ- إلى دين آبائه، فنزلت في بني المغيرة بن عبد اللَّه بن عَمرو بن مخزوم، منهم الوليد بن المغيرة، وعبد اللَّه بن أبي أميَّة بن المغيرة، وعبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، وعثمان ونوفل ابنا عبد اللَّه بن المغيرة، وأبو حذيفة بن المغيرة (^١).
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: لو تلين فيَلينون (^٢).
وقال الضَّحَّاك وهو رواية عن ابن عبَّاس: أي: لو تكفر فيكفرون (^٣).
وقيل: ودُّوا لو لِنْتَ لهم في دينهم بإجابتك إلى إعظام آلهتهم، فيلينون لك في عبادة اللَّه تعالى.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٤٠٣ - ٤٠٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٥٦).
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٥٦).
[ ١٤ / ٥٢٧ ]
وأصله من الدُّهْنِ (^١)، وهو راجع إلى المداراة والمقاربة والملاينة، فنهاه اللَّه تعالى عن ذلك وأمره بالتصلُّب والجدِّ في أمر اللَّه تعالى.
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾.
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾: ثم نهاه عن طاعة بعضهم خصوصًا لاختصاصه بخصال السُّوء وأسباب التَّمرُّد.
وقال مجاهد: هو الأسودُ بن عبد يغوث (^٢).
وقال الكلبيُّ: هو الأخنس بن شَرِيقٍ الثَّقَفي (^٣).
وقال مقاتل: هو الوليد بن المغيرة (^٤). وعليه أكثر المفسِّرين.
﴿كُلَّ حَلَّافٍ﴾: كثير الحَلِف بالأصنام والآباء.
﴿مَهِينٍ﴾: دنيء ضعيف حقير، وقال الشَّاعر:
لا يَكذبُ المرءُ إلَّا مِن مهانَتِهِ أو عادةِ السُّوء أو مِن قلَّةِ الأدبِ (^٥)
_________________
(١) يعني: شُبِّه التليين في القول بتليين الدهن. انظر: "تفسير الطبري" (٢٣/ ١٥٧).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٦٤).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٨١) عن الكلبي والسدي، وعن ابن عباس ﵄ من رواية عطاء، ورواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٥٧٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٦٤) عن السدي.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٤٠٤).
(٥) البيت بلا نسبة في "الموشى" لأبي الطيب الوشاء (ص: ٤١)، و"التمثيل والمحاضرة" للثعالبي (ص: ٤٤٨)، و"محاضرات الأدباء" للراغب الأصفهاني (١/ ١٥٥). وبعده كما في "الموشى": لجيفة الكلب عندي خير رائحة من كذبة المرء في جدو في لعب
[ ١٤ / ٥٢٨ ]
وقال الحسن وقتادة: ﴿مَهِينٍ﴾: مكثارٍ في الشَّرِّ (^١).
من المهنة، وهي السَّعي في أسباب البيت والخدمة، فعيل بمعنى فاعل.
﴿هَمَّاز﴾: غيَّاب (^٢) وقَّاع في النَّاس.
وقال ابن عبَّاس ﵄: مغتاب (^٣).
﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: كثيرِ المشي بالنَّميمة.
وقال الفرَّاء: النَّميم والنَّميمة لغتان في المصدر (^٤).
وهي التَّضريب بين النَّاس بنقل الكلام الذي يُغلظ قلوبَ بعضهم على بعض، ويوقع الفساد والقطيعة بينهم.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾.
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾: كثير المنعِ نفعَه عن غيرِه، وقيل: بخيلٍ بالطَّعام.
وقال الخارجة: كان الوليد بن المغيرة إذا كانت أيَّام منًى أمرَ مناديًا ينادي: ألَا لا يوقدنَّ أحدٌ تحتَ بُرْمَةٍ، ألَا ومَن أرادَ الحَيْسَ فليأتِ الوليد بن المغيرة، فيطعم أهل منًى حيسًا ثلاثة أيَّام ما أكلوا، ويتقدَّم إليه المسكين فيسأله فلا يعطيه شيئًا، فنزلت فيه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾، كان ينفق في الحجَّة الواحدة عشرين ألفًا أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهمًا (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري عنهما في "تفسيره" (٢٣/ ١٥٨).
(٢) في (أ): "عياب".
(٣) في (أ): "عياب". ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٥٩) بلفظ: "يعني: الاغتياب".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٧٣).
(٥) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢١/ ١٥٥)، ولم يعزه لأحد. والحيس: تمر يخلط بسمن أو أقط. =
[ ١٤ / ٥٢٩ ]
وقيل: كان يمنع بني عمِّه أنْ يتَّبعوا محمَّدًا -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿مُعْتَدٍ﴾: أي: ظالم متجاوزٍ حدودَ اللَّه في معاملاته.
﴿أَثِيمٍ﴾: أي: مرتكبٍ للإثم فيما بينه وبين اللَّه.
وقال قتادة: ﴿مُعْتَدٍ﴾ في عمله ﴿أَثِيمٍ﴾ بربِّه (^١).
﴿عُتُلٍّ﴾: جافٍ غليظ.
وقال الكسائيُّ: العُتُلُّ: الشَّديد (^٢).
وقال الخليل: هو الأكول المنُوع (^٣).
وقال الفرَّاء: هو الخصيم بالباطل (^٤).
وقال أبو عبيدة: هو الفظُّ الكافر (^٥).
وقال أبو سعيد الضَّرير: هو السَّريع إلى الشَّرِّ.
وقال نفطويه: هو الفظُّ الغليظُ الذي لا ينقادُ إلى خير.
وقال بعض البصريِّين: هو الأكول الرَّحيب الجوف، الذي همَّته بطنُه.
وقال مجاهد: ﴿عُتُلٍّ﴾؛ أي: أكول شروب ظلوم غشوم (^٦).
_________________
(١) = وقوله: "الخارجة" لعله خارجة بن مصعب فإن المؤلف ينقل عنه.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٦٠).
(٣) ذكره عنه أبو عبيد في "الغريب المصنف" (١/ ٣٦٦).
(٤) انظر: "العين" للخليل (٢/ ٦٩).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٧٣).
(٦) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٦٤).
(٧) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٤٠٤). وروى معناه الإمام أحمد في "المسند" (١٧٩٩١) من طريق =
[ ١٤ / ٥٣٠ ]
وقال زيد بن أسلم: فاحش الخُلُق (^١).
وقال يمان بن رئاب: قاسٍ لئيم العِشْرة (^٢).
﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾: أي: مع ذلك، كما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].
وقيل: أي: نخبركم بعد هذا أنَّه زنيم.
قال عليُّ بن أبي طالب ﵁: الزَّنيم: الذي لا أصلَ له (^٣).
وقال الفرَّاء والكسائيُّ: هو الملصَقُ بالقوم ليس منهم (^٤).
وقال ابن عبَّاس ﵄ وأبو سعيد الخدريُّ وعكرمة وسعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والخليل والقتبيُّ: هو الدَّعيُّ (^٥).
وقال حسان بن ثابت:
وأنتَ زنيمٌ نِيْطَ في آلِ هاشمٍ كما نِيْطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ (^٦)
_________________
(١) = شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- عن العُتُلِّ الزَّنِيم، فقال: "هو الشَّديدُ الخَلْقِ المُصَحَّحُ، الأَكولُ الشَّروبُ، الواجِدُ لِلطعامِ والشَّرابِ، الظَّلُومُ للناسِ، رَحِيبُ الجَوفِ". لكن إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب، وعبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته كما ذكر الحافظ في "التقريب".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٦٢) عن الحسن.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٢).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٣).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٧٣).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٦٤ - ١٦٥) عن ابن عباس ﵄ وابن المسيب وعكرمة. وعزاه الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٨٦) إلى مجاهد. وانظر: "العين" للخليل (٧/ ٣٧٥)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٧٨).
(٧) انظر: "ديوان حسان" (ص: ٨٩).
[ ١٤ / ٥٣١ ]
وقال آخر:
زنيمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبوهُ بغيُّ الأمِّ ذو حَسَبٍ لئيمِ (^١)
وقال أبو سعيد الضَّرير: معلَّم باللُّؤم، له زَنَمةٌ يُعرَف بها، والتَّيس له زَنَمتان في أذنيه كأنَّهما قرطان (^٢).
قال مرَّة الهمذانيُّ: أي: ادَّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة (^٣).
وقيل: كان نسبُه من أبيه ظاهرًا، لكن هذا إخبارٌ من اللَّه تعالى عن حقيقة حاله عنده أنَّه لغير رِشدَةٍ.
وقد روي: أنَّه دخل على أمِّه شاهرًا سيفَه، وقال: إنَّ محمَّدًا ذمَّني بعشر صفات، ووجدْتُ تسعةً في نفسي، فأمَّا الزنيم فلا علم لي به، فإنْ أخبرتِني بحقيقته وإلَّا ضربْتُ عنقَكِ. فقالت: اسكُنْ ولأَصْدُقنَّكَ، وتأمَّل إنْ نفعتُكَ بما فعلْتُ (^٤)، وإلَّا فعاتبني (^٥)، اعلم أنَّ أباك كان عنِّينًا (^٦)، وخفْتُ أن يموتَ فينقطعَ ذِكْرُه، ويتفرَّقَ مالُه في غير ولدِه، فدعوْتُ راعيًا إلى نفسي، فأنت من ذلك الرَّاعي (^٧).
_________________
(١) البيت بلا نسبة في "تفسير الطبري" (٢٣/ ١٦٤)، و"تأويلات أهل السنة" (١٠/ ١٤٢)، و"تفسير الثعلبي" (١٠/ ١٣).
(٢) ذكر نحوه الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٨٧) عن عكرمة. وروى البخاري (٤٩١٧) عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾: "رجل من قريش له زنَمة مثل زنمة الشاة".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٣)، والواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٨٧).
(٤) في (ر) و(ف): "قلت".
(٥) في (أ) و(ف): "فعاقبني".
(٦) في (أ): "كان غنيًا".
(٧) ذكره النسفي في "تفسيره" (٤/ ٢٦٩).
[ ١٤ / ٥٣٢ ]
قال أهل العلم: إنَّ الوليد الملعون عابَ رسول اللَّه -ﷺ- بما ليس فيه، وسمَّاه باسمٍ واحدٍ قبيحٍ كاذبًا، وهو المجنون، فأجاب اللَّه عنه، وسمَّاه بعشرة أسماء صادقًا، وهي مذمومة، فإن كان من عدل اللَّه أن يجزي المسيء إلى رسوله بعشرٍ، كان من فضل اللَّه تعالى أنَّ مَن صلَّى عليه واحدة صلَّى اللَّه عليه بها عشرًا.
* * *
(١٤ - ١٦) - ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾: قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿أأنْ كَانَ ذَا﴾ بهمزتين، وهو استفهام بمعنى التَّوبيخ، وقرأ ابن عامر بالمدِّ، وهو كذلك.
وقرأ الباقون بهمزة واحدة (^١)، ومعناه: ولا تطعْهُ بأن كان، أو لأن كان.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ويجوز على الوجهين اتِّصاله بقوله: ﴿أَنْ كَانَ﴾، ويجوز أن يكون هذا ابتداءً، وقوله: ﴿أَنْ كَانَ﴾ متَّصلًا بقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: قال السُّدِّيُّ ﵀: أي: على الأنف. وكذا قال الرَّبيع بن أنس (^٢).
وقال أبو سعيد الضَّرير: الخرطوم: الفم وطرف الأنف، قاله (^٣) نفطويه.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٣).
(٢) ذكره ابن كثير في "تفسيره" (٨/ ١٩٥) عن السدي، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٨٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٧٠) عن قتادة.
(٣) في (ف): "وقال"، وفي (ر): "وكذا".
[ ١٤ / ٥٣٣ ]
فإنْ قيل: أليس يسوَّد وجهُ الكافر، فما بالُ ذِكر الأنف خاصَّة؟
فالجواب: أنَّ العرب خُوطبت بما (^١) تتكلَّم، فيقولون: أرغمْتُ أنفَه، واحتززْتُ أنفَه، وقدْتُه بخزامته، ويقولون: شمَخ بأنفِه، فينسبون الكِبْر إلى الأنف، وهكذا ذكرُ الأنف بالوَسم، وإن كان السَّواد في سائر وجهه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
وقيل: هو على مجاز كلام العرب إذا شانوا الرَّجل بما يبقى عاره، قالوا: وسَمْتُه وكويته، قال جرير:
لَمَّا وضعْتُ على الفرزدقِ مِيْسَمي وعلى البَعِيْثِ جدعْتُ أنفَ الأخطلِ (^٢)
والتَّأويل: سنسم هذا الكافر بسِمَةٍ لا تفارقُه أبدًا؛ أي: سنُلحق به عارًا لا يفارقُه في الدُّنيا والآخرة.
وقد فعل ذلك لَمَّا أنزل في القرآن من ذكر خصاله هذه، فعرفه بها الأوَّلون والآخرون، فصار ذلك شَينًا باقيًا عليه.
وخَصَّ ذكرَ الخرطوم لأنَّ ذلك ممَّا لا يَنكتِم كما ينكتم إذا كان في سائر البدن.
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾: أي: اختبرنا هؤلاء المشركين المانعين الخيرَ بالأولاد والأموال ليشكروا، لا ليطغَوا ويمنعوا خيره (^٣).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "كما".
(٢) انظر: "ديوان جرير" (٢/ ٩٤٠).
(٣) في (ر): "ليشكروا لطفه أو يمنعوا خيره".
[ ١٤ / ٥٣٤ ]
﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾: أي: البستان، وكان بأرض اليمن في قرية يُقال لها: ضروان، على فراسخَ من صنعاء، وكانت بالقُرْب من أهل مكَّة، وقد عرفوا ذلك، وكانت لرجلٍ يؤدِّي حقَّ اللَّه منها، ويواسي عبادَه منها، فلمَّا مات صارَتْ إلى ولدِه، فمنعوا النَّاس خيرَها، وبخلوا بحقِّ اللَّه تعالى فيها، فأهلكها اللَّه تعالى، فكذلك هؤلاء.
﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾: أي: حين حلفوا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾؛ أي: ليقطعُنَّ ثمارها، ويجوز في النَّخيل والأعناب والزُّروع.
﴿مُصْبِحِينَ﴾: داخلين في أوَّل صباح النَّهار (^١) قبل انتشار المساكين.
﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾: أي: ما قالوا: إن شاء اللَّه (^٢).
_________________
(١) في (أ): "داخلين في الصباح".
(٢) كذا قال المؤلف في معناها، وهو قول كثرِ من المفسرين، لم يفسروها بغيره، وقال الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٩٦): وهو قول جماعة المفسرين، والظاهر على هذا كما قال الآلوسي في "روح المعاني" (٢٧/ ٣٤٧): عطفه على ﴿أَقْسَمُوا﴾، قال: فمقتضى الظاهر: وما استثنوا، وكأنه إنما عدل عنه إليه استحضارًا للصورة لما فيها من نوع غرابة؛ لأن اللائق في الحلف على ما يلزم منه ترك طاعةٍ الاستثناءُ. قلت: لكن لعل في ظاهر هذا القول بعدًا عن المعنى المراد؛ لأن الذي ينطلق ليمنع خيرًا عن الناس وهو مصر على هذا المنع بل وأقسم عليه، لا يوصف بعدم الاستثناء، ولا يذم به، بل بفعله الذي هو مقدم عليه، لكن لعل فيما قاله ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (٢٩/ ٨١) في تعليل هذا القول ما يقربه للمعنى المراد، حيث قال: وعلى هذا التفسير يكونُ قوله: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ مِن قَبِيل الإدماج؛ أَي: لمَبْلَغ غرورهم بقوة أنفسهم صاروا إذا عزَموا على فِعلِ شيءٍ لا يَتوقَّعون له عائقًا. وهو تعليل حسن، لكن ذكر العلماء في معنى الآية أقوالًا أخر لعلها أقرب، فابن عاشور نفسه قد أخر القول السابق وقدم عليه قوله: ومعنى ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾: أنَّهم لا يستثنون من الثَّمَرة شيئًا للمساكين؛ أي: أقسموا لَيَصْرِمُنَّ جميعَ الثَّمَر ولا يتركون منه شيئًا. والآلوسي أيضًا قد ذكر نحو هذا وقبِله، فقال: وقيل: المعنى: ولا يستثنون حصة المساكين كما كان =
[ ١٤ / ٥٣٥ ]
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: أتى هذه الجنَّة أمرٌ من أمر اللَّه تعالى ليلًا فاستأصلها.
﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾: أي: في حال نومِهم.
* * *
(٢٠ - ٢٤) - ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾.
﴿فَأَصْبَحَتْ﴾: أي: الجنَّة ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ قال الكسائيُّ: أي: كالمصروم (^١).
وإنَّما قال: ﴿فَأَصْبَحَتْ﴾، وقد طاف الطَّائف ليلًا؛ لأنَّ معناه: فنظروا إليها صباحًا، فصارَت لهم كجنَّة قد صُرِمَتْ ثمارها، وكأرضٍ قد حُصِدَ زرعُها.
وكذلك قال قتادة: ﴿كَالصَّرِيمِ﴾: كأنَّها صُرِمَتْ (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كَالصَّرِيمِ﴾؛ أي: سوداء محترقة كاللَّيل (^٣).
وأنشد أبو عمرو بن العلاء:
تطاولَ ليلُكَ الجَوْنُ البَهيْمُ فما ينجابُ عنْ صُبْحٍ صَريمُ
_________________
(١) = يخرج أبوهم، وعليه هو معطوف على قوله تعالى: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ ومقسم عليه، أو على قوله سبحانه: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ الحال، وهو معنًى لا غبار عليه. قلت: وهذا القول مروي عن السلف، فقد عزاه الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٦٧) لعكرمة. ومما قيل في معناها أيضًا ما ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٤٩): ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾: ولا يتوقفون في ذلك، أو: ولا ينثنون عن رأي منع المساكين.
(٢) ذكره البخاري قبل حديث رقم (٤٩١٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٦٨)، والواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٩٨ - ٩٩) وحمل عليه كلام قتادة الآتي.
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٩٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٧٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٦٦).
[ ١٤ / ٥٣٦ ]
إذا ما قلْتَ أقشعَ أو تناها جرَتْ مِنْ كُلِّ ناحيةٍ غيومُ (^١)
﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾: أي: لَمَّا أصبح أصحابُ الجنَّة نادى بعضهم بعضًا: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾؛ أي: امضوا لصِرام بستانكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾؛ أي: إن كنتم مريدين صرامَه.
﴿فَانْطَلَقُوا﴾: أي: ذهبوا في هذا الوقت ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾؛ أي: يخفضون أصواتهم في الكلام، ويتسارُّون بهذا الحديث.
﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾: وله وجهان:
أسرِعوا قبل أن يحضر المساكين.
والثَّاني: إذا حضروا فلا تدعونهم يدخلونها، ولا تعطوهم شيئًا.
* * *
(٢٥ - ٢٧) - ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾: أي: قصدٍ قادرين عندَ أنفسِهم.
وقيل: على منعٍ.
وقال نفطويه: على حدٍّ في المنع، قادرين عند أنفسهم على المنع.
وقيل: أي: مع القدرة على الإعطاء، ومع السَّعة التي لا عذر معها في المنع.
وقال الحسن وقتادة: على فقرٍ وفاقة إليها (^٢)، من قولهم: حاردَتِ السَّنةُ: إذا منعَتْ قطرَها، وحاردَتِ النَّاقةُ: إذا منعَتْ لبنَها.
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢٣/ ١٧٤)، و"النكت والعيون" (٦/ ٦٨). الجون: الأسود المشرب حمرة. انظر: "اللسان" (مادة: جوب).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٧٨) عن الحسن. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٨٤) عن قتادة بلفظ: (على جهد من أمرهم).
[ ١٤ / ٥٣٧ ]
﴿قَادِرِينَ﴾ على المنع عند أنفسهم.
وقال سفيان: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾؛ أي: على غضب وحقد على المساكين (^١).
﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾: أي: فلمَّا أتوا الجنَّة ورأوها محترقة ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: إنَّا ضللنا طريقنا (^٢)، فليسَتْ هذه هي.
وقيل: بل أرادوا: إنَّا لضالُّون عن الصَّواب؛ أي: في غدوِّنا على نيَّة منع المساكين، فلذلك عوقبنا بهلاكها.
﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: أي: تنبَّهوا أنَّهم ما أخطؤوا طريق بستانهم، وقالوا: ما ضللنا الطَّريق، لكنَّ اللَّه تعالى حرمَنا ثمارَها بسوء نيَّتنا، ويكون هذا اعترافًا بالذَّنب.
وقيل: بل أرادوا به: إنَّا مجارَفون (^٣)، كالرَّجل يريد الشَّيء فلا يناله، فيقول: هذا من حرماني، لا يعترف بعقوبةٍ على جناية، بل يضيفه إلى عدم الجدِّ وحرمان الحظِّ.
* * *
(٢٨ - ٣٠) - ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾.
قول: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾: أي: أعدَلُهم وأنبلهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ قيل: هلَّا تعظِّمون اللَّه تعالى بتفويض الأمر إليه، والتَّبرِّي من الحول والقوَّة والتَّعليقِ بالاستثناء.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٧٨) بلفظ: "على حنق".
(٢) في (ف): "طريق جنتنا".
(٣) في (ف): "محارفون"، وفي (ر): "محارمون". والمثبت من (أ)، يقال: رجلٌ مُجَارَفٌ بفتح الراء: لا يَكسِبُ خيرًا، ولا يُنَمِّي ما لَه، كالمُحَارَف، بالحاء. انظر: "التاج" (مادة: جرف).
[ ١٤ / ٥٣٨ ]
وقال مجاهد: كان التَّسبيح منهم استثناء (^١).
أشار إلى أنَّ هذا الأوسط كان أمرهم بذلك أوَّلًا فامتنعوا، وبنوا الأمر على قدرتهم.
﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: اشتغلوا بالتَّسبيح، واعترفوا بالذَّنب، وهو نيَّة المنع أو ترك الاستثناء.
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾: أي: يلوم كلُّ واحدٍ منهم صاحبَه على ترك نهيه عنه.
وقال الكلبيُّ: أي: يقول: أنت أشرْتَ علينا بذلك (^٢).
* * *
(٣١ - ٣٣) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾: مفرِطين في المعصية، مجاوِزِين لحدِّ الطَّاعة.
ثم انقطعوا بآمالهم إلى اللَّه تعالى فقالوا:
﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾: قال الحسنُ ﵀: لا أدري أكان ذلك إيمانًا منهم أم ما يكون من المشرك عند البلاء.
﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾: أي: كذلك نعذِّب مَن فعل فعلَهم بما به عذَّبناهم.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾: أي: للمشركين ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: يتفكَّرون (^٣) في العواقب فيعلمون ذلك.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٨٢).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ١٠٧).
(٣) في (ر): "ينظرون".
[ ١٤ / ٥٣٩ ]
قال أبو معاذ: قال خارجةُ: حُدِّثْتُ أنَّ هذه الجنَّة كانت قريبةً من صنعاء في الفترة، وكان أهلها مسلمين على دين عيسى، وكان الفقراء يحملون في تلك الجنَّة ستَّ سنين، والنَّفقة على الأغنياء، فإذا كانت السَّنةُ السَّابعةُ كان للفقراء ثمرُها وخيرها، غيرَ أنَّ الرِّقاب لأربابها الأغنياء، فكانوا كذلك ما شاء اللَّه، ثمَّ دخلهم ما يدخل النَّاس من الأمر الطبيعي، فغدَوا ليَحرموا المساكين في سنَتهم السَّابعة، فابتلاهم اللَّه تعالى بما ذكَرَ، فتاب اللَّهُ عليهم، فلمَّا كان في السَّنة الثَّامنة عمَروها من أموالهم ونفقاتهم، فدفعوها إلى الفقراء، فتاب اللَّه عليهم.
وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ اللَّه تعالى ابتلى أهل مكَّة بالقحط بعد تعزُّزهم بالأموال، كما كان لأهل تلك الجنَّة (^١).
وقال الكلبيُّ: بلغَنا أنَّهم كانوا أبناء قوم صالحين، وأنَّ أباهم قد جعل للمساكين حظًّا من جنَّته عند الحصاد ما أخطأ (^٢) المنجلُ، وعند القطاف ما أخطأ القاطف (^٣)، ومن النَّخل ما انتثر منها، فلمَّا مات شيخُهم قال بنوه: إنَّ في هذا الفضل لطعامٌ كثيرٌ، وغدوا وقت السُّدْفة (^٤)، وتقاسموا ألَّا يُطعموا مسكينًا شيئًا، فأصابهم ما ذكر اللَّه تعالى (^٥).
_________________
(١) ذكر نحوه بلا نسبة: الزجاج في "تفسيره" (٥/ ٢٠٩)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ١٤٤)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦).
(٢) في (أ): "أخطؤوا".
(٣) في (أ): "القاطفة".
(٤) في (ر): "السرمة"، وفي (ف): "الشدفة". والسُّدفة: الظلمة، والشدفة بمعناها. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: سدف وشدف).
(٥) روى نحوه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄.
[ ١٤ / ٥٤٠ ]
قال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ شيخًا من بني إسرائيل كان له جنَّة وبنون، فجعل الشَّيخ ينظر قَدْرَ ما يكفيه وولده وأهله، فيمسكه ويتصدَّق بالباقي، وجعل بنوه يقولون له: لئِنْ لم تنتهِ لنفعلَنَّ ولنفعلَنَّ، فأبى أن يعطيَهم، فمات الشَّيخ، وورثه بنوه، ومنعوا الحقَّ عن المساكين، فأصبحت جنَّتهم كالصَّريم (^١).
وقال عكرمة: هم ناسٌ من الحبشة كانت لأبيهم جنَّة، وكان يطعم المساكين منها، فمات أبوهم، فقال بنوه: كانوا أبونا أحمقَ حين يُطعم المساكين، فأجمَعوا ليَصرمنَّها مصبحين. . . القصَّة (^٢).
وقال ابن مسعود ﵁: بلغني أنَّ القوم أخلصوا، وعلم اللَّه منهم الصِّدق، فأبدلهم بها جنَّة يُقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغلُ منها عنقودًا (^٣).
* * *
(٣٤ - ٣٨) - ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: ذكر أوَّلًا: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ وذلك للمشركين، وذكر بعد ذلك ما يكون للمتَّقين أنَّهم لم يتعزَّزوا بجنَّات الدُّنيا ونعيمها، ولم يمنعوا حقَّ المساكين منها، وأعطاهم اللَّه تعالى جنَّات النَّعيم في الآخرة.
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾: استفهام بمعنى النَّفي؛ أي: لا نسوِّي بينهم.
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/ ٦٧).
(٢) ذكره مختصرًا الماوردي في "تفسيره" (٦/ ٦٧) دون نسبة.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٨).
[ ١٤ / ٥٤١ ]
﴿مَا لَكُمْ﴾: أي: ما اعترَض في عقولكم حتَّى سوَّيتم بينهم، بل قدَّمتم أولئك على هؤلاء.
﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: بهذا ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾.
﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾: كسَر (إنَّ) لِمَا ذُكر بعدها مِن اللَّام، ولولاها لفتحت لوقوع الفعل السَّابق عليه.
وذكر ﴿فِيهِ﴾ مرَّتين، وذكر الكسائيُّ أنَّ الأوَّل يجوز أن يكون كنايةً عن الكتاب، والثَّاني عن الحكم، ويجوز على عكسه.
وهو ردٌّ لقولهم: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠].
* * *
(٣٩ - ٤١) - ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾.
﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾: وكسر ﴿إِنَّ﴾ للَّام أيضًا في هذا، ومعناه: أم لكم علينا أيمان حلفنا بها لكم أنَّا نعطيكم إلى يوم القيامة جميعَ ما تحكمون علينا لأنفسكم في الدُّنيا، حتَّى لا نزيل عنكم مع كفركم نعمةً.
والآية الأولى من نعم الآخرة، فتتَّصل لهم نِعمُ الدُّنيا والآخرة بتحكُّمهم.
قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾: أي: سَلْ هؤلاء المشركين يا محمَّد أيُّهم الضَّامن لهم من اللَّه بهذا.
وقيل: سلهم أيُّهم يقوم بتصحيح هذه الدَّعوى.
[ ١٤ / ٥٤٢ ]
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ في هذا القول يشهدون (^١) لهم بصحَّته (^٢).
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾: أنَّ لهم شهداء.
وقيل: معناه: ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ آلهةٌ أشركوها باللَّه فهي لهم ﴿شُرَكَاءُ﴾؛ أي: عندهم ينزلونهم يوم القيامة منازلَ المتَّقين، ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ هؤلاء ليفعلوا بهم يوم القيامة ذلك ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾.
* * *
(٤٢) - ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾: أي: فليأتوا بهم في هذا اليوم الذي يُكشَف فيه عن أهوال وشدائدَ، والعرب تقول للأمر إذا اشتدَّ: قام على (^٣) ساق. وقال الشاعر:
قد سنَّ أقوامك ضربَ الأعناقْ وقامتِ الحربُ بنا على ساقْ (^٤)
وقال آخر:
_________________
(١) في (أ): "ليشهدوا".
(٢) في (ف): "بتصحيح هذه الدعوة".
(٣) في (أ): "عن".
(٤) الرجز نسبه البلاذري في "أنساب الأشراف" (١٢/ ٣٨٤) لأبي البلاد خليفة بن بلاد، وذكره الراغب في "محاضرات الأدباء" (١/ ٢١٢) وقال: الأبيات لرؤبة قالها وقد تولى طراد الطير عن زرع له. ونسب لرؤبة أيضًا في "محاضرات الأدباء" للأصفهاني (١/ ٢١٢)، و"التذكرة الحمدونية" (٣/ ٢٢٣)، و"باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن" لبيان الحق الغزنوي (٣/ ١٥٣٥). وهو دون نسبة في "غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٢٦٣)، و"الزاهر" لابن الأنباري (٢/ ٣٧١)، و"البصائر والذخائر" للتوحيدي (٩/ ١١٤)، و"تفسير الثعلبي" (١٠/ ١٩)، و"اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي" للمعري (ص: ١٢٩٩). وجاء في المصادر: (ومن طرادي الطير. . .).
[ ١٤ / ٥٤٣ ]
عجبْتُ مِنْ نفسِي ومِنْ إشفاقِها ومِنْ ذيادي الطَّيرَ عَنْ أرزاقِها
في سَنَةٍ قد كشفَتْ عن ساقِها حمراءَ تُبدي اللحمَ عن عُراقها (^١)
وقال القتبي: وأصل هذا: أنَّ الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناة وجدٍّ فيه شمَّر عن ساقه، فاستعير السَّاق في موضع الشِّدة (^٢).
وقال دريد بن الصِّمَّة:
كَمِيْشُ الإزارِ خارجٌ نصفُ ساقِهِ صَبورٌ على الجلَّاءِ طلَّاعُ أنجدِ (^٣)
وقال الهذلي:
وكنْتُ إذا جاري دعا لِمَضُوفَةٍ أشمِّرُ حتَّى يَنْصُفَ السَّاقُ مِئزَرِي (^٤)
والحملُ في هذه الآية على ظهور شدائد الأمور قولُ ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد وجماعة (^٥).
_________________
(١) الرجز أنشده ابن عباس ﵄ في شرح الآية، قال: (يكشف عن أمر عظيم، ألا تسمع العرب تقول: وقامَتِ الحَرْبُ. . .) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٨٧). وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٦٦) من طريق عكرمة عنه أنه سئل عن هذه الآية فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر: اصبِرْ عَنَاقِ إنَّه شَرٌّ باق قد سنَّ لي قومك. . .
(٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٨٩).
(٣) انظر: "ديوان دريد بن الصمة" (ص: ٤٩).
(٤) انظر: "ديوان الهذليين" (٣/ ٩٢).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٨٧ - ١٨٨) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة.
[ ١٤ / ٥٤٤ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄: هو أشد ساعةٍ في يوم القيامة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾: أي: ويدعى هؤلاء المشركون إلى السُّجود ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك.
* * *
(٤٣) - ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾.
﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: أي: ذليلةً ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾؛ أي: تغشاهم ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾؛ أي: في الدُّنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾؛ أي: ولهم سلامة الآلات ولا يسجدون.
وقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ ليس هذا بدعاءِ أمر ونداء، بل معناه: يُحملون على قصد السُّجود، وذلك إذا رأوا المؤمنين يسجدون للَّه تعالى يومئذ ويقدرون، فيقصد المنافقون والمشركون، فيصير ظهورهم طبقًا واحدًا، وفي رواية: كسفافيد (^٢) الحديد، فلا تنحني، فيبقون قيامًا كذلك (^٣).
﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ﴾ في الدُّنيا، قيل: هو نداء المؤذِّن إلى الصَّلاة.
قال كعبُ الأحبار: واللَّه ما نزلت هذه الآية إلَّا في المتخلِّفين عن الجماعات (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٨٨).
(٢) جمع السَّفُّود: وهو حديدة يُشْوَى عليها اللحمُ. انظر: "اللسان" (مادة: سفد).
(٣) روى البخاري (٤٩١٩)، ومسلم (١٨٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، فيبقى كل مَن كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا واحدًا".
(٤) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٢٥٦) إلى ابن مردويه.
[ ١٤ / ٥٤٥ ]
(٤٤) - ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: أي: فكِلْ يا محمَّد هؤلاء المكذِّبين بهذا القرآن إليَّ.
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: أي: سنُدْنيهم من عذابنا ونقمتنا بالإمهال قليلًا قليلًا، كما يرقَى الرَّاقي موضعًا عاليًا، فيتدرج إليه درجة درجة، وشيئًا شيئًا، حتى يصل إليه بالمَهَل.
﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: من حيث يغترُّون بطول الإمهال ولا يدرون تقريبي إيَّاهم من العذاب والنَكال.
وقال زيد بن أسلم: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أي: نُسبغ عليهم النِّعم ونُنسيهم الشُّكر (^١).
وعن النَّبيّ -ﷺ- أنَّه قال: "إذا رأيْتَ اللَّهَ تعالى ينعمُ على عبدٍ وهو مقيمٌ على معصيتِه، فاعلم أنَّه مستدرَجٌ"، وتلا قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
وعن عمر ﵁ لَمَّا حُمل إليه كنوز كسرى وملؤوا منها المسجد بكى وقال: أخشى أن أكون مستدرجًا، وتلا هذه الآية (^٣).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" (١١٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٠٢٤)، عن سفيان الثوري.
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٧٣١١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٣٣٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٢٢٠)، من حديث عقبة بن عامر ﵁. قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: ١٤٧٧): رواه أحمد والطبراني والبيهقي في "الشعب" بسند حسن. لكن الآية المتلوة عندهم هي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
(٣) ذكره الإمام الشافعي في "الأم" (٤/ ١٥٧) عن غير واحد من أهل العلم، ومن طريقه البيهقي في =
[ ١٤ / ٥٤٦ ]
وقال أبو روق: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: كلَّما أحدثوا خطيئةً جدَّدنا لهم نعمةً وأنسيناهم الاستغفار (^١).
* * *
(٤٥ - ٤٧) - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾.
قوله ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾؛ أي: أمهلهم ولا أعاجلهم بالعذاب.
والإملاء: إطالة الملاوة (^٢) -بفتح الميم وضمِّها وكسرها- وهي المدَّة من الدَّهر.
﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾؛ أي: أخذي بالعذاب شديدٌ قويٌّ.
نزلَتْ في المستهزئين من قريش، وقتلَهم اللَّهُ تعالى في ليلةٍ، وقد مرَّت قصتُهم آخِر (سورة الحجر).
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ﴾: معطوف على ما مرَّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾.
﴿هُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾: استفهام بمعنى النَّفي؛ أي: لستَ تطمع في شيء من أموالهم في تبليغ الوحي فيثقلَ عليهم فيمتنعوا لذلك.
قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾: قيل: أم عندهم اللَّوح المحفوظ وهم
_________________
(١) = "السنن الكبرى" (١٢٨١٢).
(٢) ذكره عن أبي روق الرازي في "التفسير الكبير" (٢٠/ ٨٥). ورواه الدينوري في "المجالسة" (٣٤٠٨) من طريق أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس ﵄. ورواه السلمي في "تفسيره" (٢/ ٣٤٦) عن ابن عطاء.
(٣) في (ر): "الملاومة".
[ ١٤ / ٥٤٧ ]
يكتبون منه ما هو كائن، فيجادلونك به ويزعمون أنَّهم على كفرهم أفضلُ منك عند اللَّه، وأنَّه لا ينزل بهم عذابٌ مستأصِل، أو فيه أنَّ البعث غير كائن.
* * *
(٤٨ - ٤٩) - ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: أي: لِمَا حكم عليك مِن تبليغ (^١) الرِّسالة باحتمال أذى قومك، ولا تَضِقْ به صدرًا، واترك معاجلتهم بالعذاب.
﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾: أي: كيونس ﵇؛ إذ لم يصبر على أذى قومه وخرج مغاضبًا، فضيَّق اللَّه عليه، فالتقمَه الحوتُ.
﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾: قال الحسين بن الفضل: ﴿إِذْ نَادَى﴾ لا يرجع إلى قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ﴾؛ إذ النِّداء طاعة فلا يُنهى عنها، لكن معناه: واذكره إذ نادى وهو مكظوم؛ أي: مملوءٌ حزنًا وغضبًا.
﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أي: لولا أنَّ اللَّه تعالى أنعمَ عليه بإجابة دعائه وقَبول عذره.
﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾: أي: لألقي بالأرض العارية عن النَّبات والبناء ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ بزلَّته.
وقد مرَّ في آية أخرى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥]؛ أي: ألقاه الحوت.
ولا تختلف الآيتان لوجهين:
أحدهما: أنَّ الأوَّل ليس بمطلَق النبذ، بل لنبذِه مذمومًا ولم يكن كذلك، وفي الثَّاني نبذَه بالعراء وقد كان محمودًا، وأرسله إلى مئة ألف أو يزيدون.
_________________
(١) في (أ): "بتبليغ" بدل من "من تبليغ".
[ ١٤ / ٥٤٨ ]
والثَّاني: ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾؛ أي: لبقي في بطن حوته إلى يوم القيامة، ثم ألقي في عراءِ عرصة القيامة، حين يحشر النَّاس، ولكنْ منَّ اللَّه تعالى عليه فنبذَه بعراء الدُّنيا، وهو كقوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤].
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾.
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: أي: اصطفاه لدعائه وعَذَرَه.
﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: من المرسلين إلى مئة ألف أو يزيدون؛ فإنَّ الصَّالحين اسمُ الرُّسل.
وقيل: أي: بنبوَّته، وعذَرَه جعَلَه صالحًا، لم تبقَ له زلَّة، بل هو مستكمِل (^١) لصفات الصَّلاح.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾: وقد مرَّ مرَّات أنَّ (إنْ) الخفيفةَ وبعدها اللَّام لذلك وجهان:
أحدهما: أنَّ (إنْ) نفيٌ، واللَّام بمعنى (إلَّا).
ووجه آخر: أنَّهما للتَّأكيد.
وقرأ حمزة: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارِهم﴾ بفتح الياء من زَلِقَ، والباقون بضمِّها من أَزْلَقَ (^٢).
_________________
(١) في (ف): "بل هو مستمسك" وفي (ر): "وهو مستكمل".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٦٤٧)، و"التيسير" (ص: ٢١٣). والقراءة فيهما عن نافع لا عن حمزة. ووافقه أبو جعفر. انظر: "النشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٩).
[ ١٤ / ٥٤٩ ]
وزَلِق: إذا سقط، وأَزْلَق: إذا أَسْقط.
يقول: يكاد هؤلاء المشركون يسقطونك بعيونهم لشدَّة نظرهم بها إليك بغضًا لك وغيظًا عليك ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾؛ أي: حين يسمعون القرآنَ؛ لِمَا فيه مِن سبِّهم، وتسفيه أحلامِهم، وعجزهم عن معارضته.
﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾: أي: إنَّ محمَّدًا لمجنون، وكلامه كلام مجنون.
* * *
(٥٢) - ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
فردَّ اللَّه تعالى قولَهم فقال: ﴿وَمَا هُوَ﴾: أي: وما كلامه والذي يقرؤه (^١) كلام مجنون.
﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: ما هذا القرآن إلَّا ذكر؛ أي: تذكير للعالمين كلِّهم.
وقال النَّضر بن شميل: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾؛ أي: ليَعينونك؛ أي: يُصيبونك بأعينهم. وكذا قال الأخفش (^٢).
وقال الحسن: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾؛ أي: ليقتلونك بإصابة العين (^٣).
وقد عانه يَعينه عينًا، فهو عائن، والآخر معيون، على الأصل.
قال الشَّاعر:
قد كان قومُكَ يحسِبُونَكَ سَيِّدًا وإخِالُ أنَّك سيِّد مَعيون (^٤)
_________________
(١) في (ر): "يقوله".
(٢) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤) عن الحسن وابن كيسان.
(٤) البيت لعباس بن مرداس، كما في: "الألفاظ" لابن السكيت (ص: ٤٠٣)، و"جمهرة اللغة" لابن =
[ ١٤ / ٥٥٠ ]
وقال الحسنُ: دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. . . الآية (^١).
وقال الحسين بن الفضل: جواب قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ في أوَّل هذه السورة: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾.
والحمدُ للَّهِ أوَّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا
* * *
_________________
(١) = دريد (٢/ ٩٥٦)، و"الأغاني" للأصبهاني (٦/ ٣٥٨).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤).
[ ١٤ / ٥٥١ ]