بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلَقَنا أطوارًا، الرحمنِ الذي يرسل السَّماء علينا مدرارًا، الرحيمِ الذي يغفر للمؤمنين والمؤمنات إنَّه كان غفَّارًا.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ (^٢)، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ (^٣) كان من المؤمنين الذي تدركُهم دعوةُ نوحٍ ﵇" (^٤).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ثمان وعشرون آية، ومئتان وستٌّ وعشرون كلمة، وتسعُ مئة وثمانية وثلاثون حرفًا.
وانتظامُ ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك في وعيد النَّبيِّ -ﷺ- قومَه، وافتتاح هذه السُّورة في إنذار نوح.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في وعيد الكافرين ووعد المؤمنين.
_________________
(١) في (ر): "سورة إنا أرسلنا".
(٢) في (أ): "روي" بدل: "روى أبي بن كعب ﵁".
(٣) في (أ): "من قرأ سورة نوح".
(٤) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٥٦)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٢١ ]
(١ - ٣) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾: قيل (^١)؛ أي: أمرناه أن أنذر قومك، والإرسال يدلُّ عليه.
وقيل: أي: أرسلناه بأن أنذر قومك؛ أي: خوِّف قومَك.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: وجيع.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: أي: يا قومي، أضافهم إلى نفسه إظهارًا للشَّفقة ولأنَّه لا يريد بهم إلَّا الخير.
﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أي: مخوِّفٌ لكم عذابًا أليمًا ينزل بكم إنْ أصرَرْتم على كفركم.
﴿مُبِينٌ﴾: مظهِرٌ بلسانٍ تعرفونه
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: يقع البيان على ﴿أَنِ﴾، وقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وحِّدوه.
﴿وَاتَّقُوهُ﴾: ولا تخالفوا أمرَه ولا نهيَه.
﴿وَأَطِيعُونِ﴾: فيما أبيِّنُه لكم.
* * *
(٤) - ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائدة، ومعناه: ذنوبَكم.
_________________
(١) "قيل" ليست في (أ).
[ ١٥ / ٢٢ ]
وقال الزَّجَّاج: ﴿مِنْ﴾ لتخليص الذُّنوب من سائر الأشياء، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] (^١).
وقيل: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ما أَوْعَدكم العقوبة عليه.
﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: قال مقاتل: أي: إلى منتهَى آجالكم في الدُّنيا في عافية، فلا يعاقبكم بالغرق ولا بغيره.
﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ﴾: أي: الوقتَ الذي أجَّله لعذابكم ﴿لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أحكامَ اللَّه في خلقِه.
فلم يتوبوا، فحبسَ اللَّه عنهم المطرَ، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، ثم عوقبوا لتمام أربعين سنة ليس فيهم صبيٌّ.
* * *
(٥ - ٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾: أي: بلَّغهم ما أُرسلَ (^٢) به إليهم فعصَوه وكذَّبوه، وقال: يا ربِّ إنِّي دعوت قومي إلى ما أمَرْتني به أن أدعوَهم إليه من عبادتك وتقواك ليلًا ونهارًا مواصلةً كلَّما أَمْكَنني.
﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾: أي: لم يزدادوا عند دعائي إلَّا فرارًا عن إجابتي، كما قال: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤].
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢٢٨). ولفظه: ودخلت ﴿مِنَ﴾ تختص الذنوب من سائر الأشياء، لم تدخل لتَبْعيض الذنُوب، ومثله قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ معناه اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ليس الرجس ههنا بعض الأوثان.
(٢) في (ر): "بلغتهم ما أرسلت".
[ ١٥ / ٢٣ ]
قال قتادة: بلغني أنَّهم كانوا يذهب الرَّجل بابنه إلى نوح، ويقول لابنه: احذر هذا لا يغرَّنَّكَ، فإنَّ أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلُك، فحذَّرني كما حذَّرتك (^١).
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾: أي: إلى أن تغفرَ لهم، يعني: إلى أن يفعلوا ما يستحقُّون به غفران الذُّنوب السَّالفة (^٢).
﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾: لئلَّا يسمعوا كلامي.
﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: أي: تغطَّوا بثيابهم، وجعلوا رؤوسهم فيها؛ لئلَّا يروا وجهي، ولئلَّا يقع عليهم بصري، مظهِرين أنَّهم غيرُ قابلين وعظي.
﴿وَأَصَرُّوا﴾: أي: أقاموا على شركهم.
﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾: أي: تعظَّموا عن إجابتي تعظُّمًا، وذكر المصدر لتأكيد الفعل.
* * *
(٨ - ١٠) - ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾.
﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾: أي: مجاهرةً على رؤوس الملأ في المحافل.
﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾: أي: دعوتُهم فيما بيني وبينهم سرًّا وعلانية، وهو أن يخلوَ بالواحد فالواحد منهم، فيسرَّ إليه الدَّعوة.
وقيل: قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ في إسرار الدَّعوة، وقوله: ﴿ثُمَّ
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٣٣٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٩١).
(٢) في (أ) و(ف): "غفران ما سلف من ذنوبهم".
[ ١٥ / ٢٤ ]
إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ في جهار الدَّعوة، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ في الإسرار والإعلان بالدَّعوة، وهو ما ذُكِرَ بعدَه.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾: أي: آمنوا باللَّه واسألوه مغفرةَ ذنوبكم، إنَّه لم يزل غفَّارًا للذُّنوب لمن ينيب إليه ويتوب.
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾.
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾: أي: كثيرَ الدُّرور، وهو الانصباب، وقد دَرَّ يَدُرُّ بالضَّم.
وعن ابن عبَّاس ﵄: ﴿مِدْرَارًا﴾: يَتْبعُ بعضُه بعضًا (^١).
وقال هارون التَّيميُّ: ﴿مِدْرَارًا﴾: هو المطر لإبَّانه (^٢)؛ أي: لوقته.
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: أي: يَزدْ في أموالِكم وبنيكم من المدد.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾: أي: بساتين في الدُّنيا.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾: أي: جاريةً لمنافعكم فيها وفي غيرها لمزارعكم وأشجاركم.
وقيل: كانوا يحبُّون الأموال والأولاد، فحُرِّكوا بهذا على الإيمان.
وقيل: كانوا قُحطوا ومُنعوا القَطْرَ، وعُقِمَ النِّساء، فوعدهم إن هم تابوا أن يرفع ذلك عنهم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٤٤).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٦٤).
[ ١٥ / ٢٥ ]
ورُوي أنَّ عمر ﵁ خرج يستسقي، فما زال على المنبر يستغفر حتَّى نزل، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما سمعناك استسقيْتَ، فقال: لقد طلبْتُ الغيثَ بمجاديح السَّماء، ثم قرأ هذه الآيات (^١).
وعن الرَّبيع بن صَبِيْح: أنَّ رجلًا أتى الحسنَ فشكا إليه الجُدوبة، فقال له الحسن: استغفر اللَّه، وأتاه آخر فشكى إليه الفقر، فقال: استغفر اللَّه، وأتاه آخر، فقال: ادعُ اللَّهَ أن يرزقني ابنًا، فقال له: استغفر اللَّه، وآتاه آخر فشكى إليه جفاف بساتينه، فقال له: استغفر اللَّه.
قال الرَّبيع: فقلْنا له: أتاك رجالٌ يسألون أبوابًا من الجدوبة والفقر وغير ذلك، فأمرتهم كلَّهم بالاستغفار! فقال: ما قلْتُ ذلك من ذات نفسي، إنَّما اعتبرْتُ فيه قولَ اللَّه تعالى خبرًا عن نوح ﵇ أنَّه قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (^٢).
* * *
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤٩٠٢)، وأبو عبيد في "غريب الحديث" (٣/ ٢٥٩)، وسعيد بن منصور في "سننه - التفسير" (١٠٩٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٨٣٤٣)، والطبراني في "الدعاء" (٩٦٤). قال النووي في "خلاصة الأحكام" (٢/ ٨٨٠): رواه سعيد بن منصور، والبيهقي بإسناد صحيح، لكنه مرسل، لم يدرك الشعبي عمر. وله طريق آخر رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٨٣٤٢). والمَجَاديحُ واحدها مِجْدح ومُجْدح، وهو نَجْم من النُّجوم كانت العرب تزعم أنه يُمْطَر به كقولهم في الأَنْواء، والذي يُراد من الحديث أنه جعل الاستغفار استسْقَاء، يتَأَوَّلُ قَوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ الآية، وأراد عُمَرُ إبطال الأنواء والتكذيبَ بها؛ لأنه جعل الاستغفار هو الذي يُسْتَسْقَى به لا المَجَاديحَ والأنواء التي كانوا يَسْتَسقُون بها. قاله أبو عبيد.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٤)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٦١٧).
[ ١٥ / ٢٦ ]
(١٣ - ١٤) - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾: أي: ما لكم يا قوم لا تخافون للَّه عظمة وقدرةً أن يأخذَكم على إصراركم واستكباركم فلا تقدرون على دفع ذلك؟
والرَّجاء يكون للطَّمع والخوف، وهاهنا للخوف.
وقال الفرَّاء ﵀: إنما يوضع الرَّجاء موضع الخوف مع الجحد (^١)؛ لأنَّ مع الرَّجاء طرفًا من الخوف من اليأس.
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾: أي: تاراتٍ وكرَّاتٍ؛ نطفةً ثم علقةً ثم مضغةً، ثم كذا وكذا إلى أنْ تمَّ الواحد منكم إنسانًا.
وقيل: ﴿أَطْوَارًا﴾؛ أي: أنواعًا مختلفين، صحيحًا وسقيمًا، وبصيرًا وضريرًا، وغنيًّا وفقيرًا، وكذا وكذا؛ لتعلموا أنَّ اللَّه قدير على كلِّ ما يريد بكم.
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾: أي: بعضُها فوق بعض، وقد بيَّنَّا في سورة الملك له وجهَيْن.
﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾: أي: جعل القمر نورًا يهتدي به أهل الأرض في اللَّيل، وجعل الشَّمس سراجًا يضيء لهم في نهارهم ليتوصَّلوا به إلى التَّصرُّف في معايشهم، يُجري ذلك كلَّه على نظام واحد معروف، يدلُّ على أنَّهما
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٨٦).
[ ١٥ / ٢٧ ]
مسخَّران لقادرٍ عالمٍ حيٍّ (^١) مريدٍ مختارٍ، لا يشبه شيئًا من المخلوقات.
ثم قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾ مع أنَّ القمر في واحدةٍ منهنَّ له وجوهٌ:
أحدها: أنَّ تلك الواحدة بعضها، فيجوز الإضافة إليها إذا كان في بعضها، كما في قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وذلك يكون في بعضها، وكما يقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في شهر رمضان، وكما في قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وإنَّما أتَوا من الإنس.
والثَّاني: أن قوله ﴿فِيهِنَّ﴾؛ أي: معهنَّ؛ أي: خلق القمر مع خلق السَّماوات، وهو كقوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩]؛ أي: مع عبادي.
والثَّالث: أنَّ القمر في سماء واحدٍ، والنُّور في كلِّ سماء؛ لأنَّ السَّماوات لطيفة لا تحجب نوره، فهو نورٌ في كلِّها.
* * *
(١٧ - ٢٠) - ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾: أي: أخرج أباكم من الأرض لأنَّه خلقَه من طينها، وأنتم منه، فكان إنباتًا لكم.
وقوله تعالى: ﴿نَبَاتًا﴾؛ أي: فنبتُّم نباتًا.
وقيل: تدخل مصادر بعض الأبواب في بعضٍ إذا كان الأصل واحد، كما قال: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، ولم يقل: تبتُّلًا.
_________________
(١) في (أ): "عليهم" بدل من "عالم حي".
[ ١٥ / ٢٨ ]
وعلى الأوَّل قالوا: تقديره: وتبتَّل إليه وبتِّل نفسَك تبتيلًا.
﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾: أي: في الأرض بعد الموت ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ منها بعد البعث.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾: كما قال: ﴿فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]، وكما قال: ﴿مِهَادٌ﴾ [الأعراف: ٤١]؛ أي: بسطها لكم ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾؛ أي: طرقًا واسعة لتتصرَّفوا فيها.
قال الفرَّاء والخليل: الفجُّ: الطَّريق الواسع (^١). فكان قوله ﴿فِجَاجًا﴾ جاريًا مجرى النَّعت.
وقال الأخفش: الفجُّ: الطَّريق (^٢). فكان ذكره بعد السُّبُل إتْباعًا، والعرب تُتْبع أحدَ الاسمين الاسم الآخر، وعلى هذا قوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾.
* * *
(٢١ - ٢٢) - ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾.
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ﴾: أعاد قوله: ﴿رَبِّ﴾ لطول الكلام.
﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾؛ أي: خالفوا أمري، ولم يجيبوني، ولم يتَّبعوني.
﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾: ﴿مَن﴾ جنس، والمراد به الجمع، وهم الكُبراء والأغنياء (^٣).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٨٨)، و"العين" للخليل (٦/ ٢٤).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٥٠).
(٣) في (ر): "والأشقياء".
[ ١٥ / ٢٩ ]
قوله: ﴿لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾؛ أي: لم يزددْ بسبب ماله وولده ﴿إِلَّا خَسَارًا﴾؛ أي: في أمر الآخرة بترك صرفه إلى وجوه الخيرات.
و﴿وُلْده﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الواو، وعن أبي عمرو أنَّه فسَّره بالعشيرة (^١).
وقرأ الباقون بفتح الواو واللَّام (^٢)، وهو المولود (^٣)، وأريد به الجمع والجنس هاهنا.
﴿وَمَكَرُوا﴾: أي: القوم، عطفٌ على قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾، ويجوز أن يكون صفةَ ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ﴾؛ لأنَّه جنس بمعنى الجمع، والمكر منهم غالبًا؛ أي: من الكبراء.
﴿مَكْرًا كُبَّارًا﴾: أي: كبيرًا؛ أي: احتالوا لصدِّ النَّاس عنِّي.
* * *
(٢٣) - ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: أي: الرُّؤساء لأتباعهم: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾؛ أي: أصنامكم على العموم.
﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾: هذه الأصنام الخمسة على الخصوص، وهو كقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧].
قال ابن عبَّاس: كان الشَّيطان حمل قوم نوح على أن نحتوا خمسة أصنام وعبدوها، وهي هذه الخمسة، فلمَّا كانت أيام الغرق، دُفِنَتْ تلك الأصنام، فلم
_________________
(١) ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٧٥).
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥).
(٣) في (ر): "وهو الولد المولود".
[ ١٥ / ٣٠ ]
تزل مدفونة حتى أخرجها الشَّيطان لمشركي العرب، فاتَّخذت قُضاعةُ وَدًّا فعبدوها بدُومةِ الجندل، ثم صارت إلى كَلْبٍ، ويَعوقُ كان لكَهْلانَ، ثم صار إلى هَمْدانَ، ونسرٌ كان لخَثْعَمٍ، وسواعٌ كان لذي الكَلَاع، ويغوثُ كان لمرادٍ من طيِّئٍ (^١).
قال قتادة: ودٌّ لكَلْبٍ، وسواعٌ لهَمْدانَ، ويغوثُ لمَذْحِجٍ، ويعو دتُى لكنانةَ، ونسرٌ لحِمْيَرَ.
وقال مقاتل: أمَّا ودٌّ فكان لدُومة الجندل، وأمَّا سواعٌ فلهُذَيلٍ، وأمَّا يغوثُ فلبني غطيفٍ حيٍّ من مراد، وأمَّا يعوقُ فلهَمْدانَ، وأمَّا نسرٌ فلذي الكَلَاع من حِميرَ، هذه مواريثُ قوم نوح للعرب.
وأمَّا اللَّات فلثقيفٍ، وأمَّا العُزَّى فلسُليمٍ وغَطَفانَ وجُشَمَ (^٢) ونصرٍ وسعدِ بن بكرٍ، وأمَّا مناةُ فبقُدَيدٍ، وأمَّا أسافٌ ونائلةُ وهُبَل فلأهل مكَّة؛ أسافٌ حيالَ الحجر الأسود، ونائلةُ حيالَ الرُّكن اليماني، وهُبَل في جوف الكعبة ثمانيةَ عشر ذراعًا (^٣).
وذكر الواقديُّ: أنَّ ودًّا كان على صورة رجل، وسواعًا على صورة امرأة، ويغوثَ على صورة أسد، ويعوقَ على صورة فرس، ونسرًا على صورة طير (^٤).
وقال قيس بن مخرمة: هذه الأصنام الخمسة أصلُها وأسماؤها من رجالٍ صالحين، كان لهم أتباع على دينهم واجتهادهم، فتوفَّاهم اللَّه تعالى، فأسف عليهم أصحابهم وقالوا: لو صوَّرنا أجسادَهم كان أشدَّ لعبادتنا، فصوَّروهم، ثم نشأ خَلَفٌ (^٥)
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٦) بلفظ قريب، وأصله رواه البخاري (٤٩٢٠).
(٢) في (ر): "ولجهم".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٧) عن عطاء وقتادة والثمالي والمسيب. وروى أوله الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٠٤) عن قتادة.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٧).
(٥) في (أ): "خلق".
[ ١٥ / ٣١ ]
بعدهم فعبدوهم، وهو في الفترة التي كانت بين آدم ونوح، فبُعث إليهم نوحٌ فدعاهم إلى الإسلام (^١).
وقال مجاهد ﵀: كانوا رجالًا صالحين من قوم نوح، فلمَّا ماتوا وسوس الشَّيطان إلى قومهم: أن انصبوهم في مجالسهم التي كانوا يتعبَّدون فيها، وسمُّوهم بأسمائهم حتى يذكروهم، فلم تُعبَد حتى هلك أولئك، وعُبدَت بعد ذلك (^٢).
* * *
(٢٤) - ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾: أي: صاروا سببًا لضلال كثير من النَّاس، وجمع بالواو لأنَّهم وُصفوا بصفاتِ مَن يعقل، كما في قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
وقال في آية: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ردًّا إلى لفظ الأصنام، وهي جمع.
وقيل: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ راجع إلى رؤسائهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾: دلَّ هذا على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ للَّه تعالى، وهذا السُّؤال كسؤال موسى ﵇: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨].
وقال الحسن: لم يدعُ نوحٌ بهذا الدُّعاء إلَّا حين أيسَ من إيمانهم بقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٠٣) عن محمد بن قيس. ولعله محمد بن قيس بن مخرمة، وهو ممن روى عنه الطبري في "تفسيره".
(٢) روى نحوه البخاري (٤٩٢٠) عن ابن عباس ﵄.
(٣) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٤١٧) إلى أحمد في "الزهد" وابن المنذر وأبو الشيخ، =
[ ١٥ / ٣٢ ]
(٢٥) - ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾.
﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿ممَّا خَطاياهم﴾، وقرأ الباقون: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ (^١)، وهما جمع خطيئة.
و﴿مِمَّا﴾ كلمتان: (مِن) و(ما)، و(ما) صلةٌ زائدة.
وتقديره: من خطيئاتهم ﴿أُغْرِقُوا﴾؛ أي: بسبب ذنوبهم وإصرارهم عليها أغرقوا بالطُّوفان.
﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾: أي: صُيِّروا في عذاب النَّار، وهو دليل على عذاب القبر، وهو كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦].
﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ﴾: أي: لأنفسهم، وهو كقوله: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]؛ أي: على نفسك.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: من غير اللَّه ﴿أَنْصَارًا﴾ يعينونهم ويمنعونهم من عذاب اللَّه؛ أي: ممَّا كانوا يُعِدُّونه لذلك من الأولاد والأتباع.
وقيل: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: غير اللَّه؛ أي: لو نصرهم أحدٌ لنصرهم اللَّه تعالى، فلا ناصر غيره، وهو كقوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]؛ أي: إلا اللَّهُ الرَّاحم، فلا راحم في الحقيقة غيره ولا عاصم.
* * *
(٢٦ - ٢٧) - ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾.
_________________
(١) = ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٩١) عن قتادة والضحاك.
(٢) انظر: "السبعة فى القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥).
[ ١٥ / ٣٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾: أي: أحدًا يدور في الأرض بالذَّهاب والمجيء.
وقيل: ﴿دَيَّارًا﴾؛ أي: صاحبَ دار، وأصله: دَيْوَارٌ على وزن فَيْعالٍ، كالقيَّام هو فَيْعالٌ، ولو كان فعَّالًا لكان دوَّارًا وقوَّامًا.
﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾: فيكون منهم الإفساد دون الإصلاح.
﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾: أي: إلَّا مَن إذا بلغَ فجَر وكفَر، وهو كقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، و﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]؛ أي: إذا بلَغ مبلغَ العلم والحلم صار موصوفًا بهما.
وإنَّما قال ذلك لأنَّ اللَّه تعالى أخبره بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
ثمَّ معنى خطابه اللَّه تعالى بهذا الكلام مع أنَّ اللَّه تعالى هو الذي كان أخبره به: أنَّه اعترافٌ منه وتصديقٌ بما أخبرَه اللَّهُ تعالى به.
* * *
(٢٨) - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾: قال ابن عبَّاس: وكان أبواه مسلمين (^١). لَمْك بنُ مَتُّوشَلَخ وسَمْحا بنتُ أنوش.
﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: قال ابن عبَّاس: عامَّة المؤمنين والمؤمنات (^٢).
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٣٧٥) عن الحسن. وهو في "تفسير مقاتل" (٤/ ٤٥٢).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٣٤٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٠٨) عن قتادة، وذكره =
[ ١٥ / ٣٤ ]
وقال الكلبيُّ: أي: أمَّة محمَّد -ﷺ- (^١).
ونظيره قول إبراهيم ﵇: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾؛ أي: مسجدي. قاله الضَّحَّاك (^٢).
قالوا: وكانت بيوت الأنبياء مساجدَهم؛ أي: لأصحابي الذين أجابوني وصلَّوا معي.
وقال قتادة: ﴿بَيْتِيَ﴾؛ أي: سفينتي (^٣).
وقال مقاتل بن حيَّان: وحمل نوح في السَّفينة معه ثمانين نفسًا؛ أربعين رجلًا، وأربعين امرأة، وفيهم أولاده الثَّلاثة (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: المشركين ﴿إِلَّا تَبَارًا﴾؛ أي: هلاكًا.
وقيل: أراد به قومَه.
وقيل: أراد به كلَّ المشركين إلى قيام السَّاعة.
روى أنسٌ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ الدَّاعي للمؤمنين والمؤمنات يُغفَرُ له بعددِ كلِّ مؤمنٍ في الأرض حيٍّ أو ميِّت، ويَرُدُّ عليه مثلَ الذي دعا لهم كلُّ المؤمنين في الأرض" (^٥).
_________________
(١) = الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ١٠٦) عن الضحاك.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٠٨).
(٤) ذكره بلا نسبة: الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ٢٣٦)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٨).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (٤/ ٤٥٢)، وروى الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤١٢) عن ابن عباس ﵄ بلفظ: "حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانًا".
(٦) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣١٢٣)، بلفظ: "ما من عبد يدعو للمؤمنين والمؤمنات إلا رد اللَّه =
[ ١٥ / ٣٥ ]
وعن أنسٍ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ الدَّاعي للمؤمنين والمؤمنات يُقام يوم القيامة، فيُثْني اللَّه تعالى عليه في الأوَّلين والآخِرين خيرًا بدعائه لهم، فيأجُرُه اللَّه تعالى مثلَ أجورهم أجمعين، ولا يَنقص من أجورهم شيء، ويأمر اللَّه الأوَّلين والآخرين فيشفعون له" (^١).
وعن أبي بكرة (^٢) عن النَّبيّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن رأى في المنام (^٣) أنَّه غرق فهو في النَّار"، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (^٤).
* * *
_________________
(١) = عليه عن كل مؤمن ومؤمنة مضى أو هو كائن إلى يوم القيامة بمثل ما دعا به". وهو في "مسند الفردوس" (٥٧٢٦).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (أ): "بكر".
(٤) في (أ): "من رأى رؤيا".
(٥) رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٩٣)، وفيه الحكم بن ظهير الفزاري، قال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٨٣): رواه الطبراني، وفيه الحكم بن ظهير وهو متروك.
[ ١٥ / ٣٦ ]