بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه الذي عرَّفنا قَدْرَ التين والزيتون، الرحمنِ الذي شرَّف محلَّ طور سيناء والبلدِ المأمون، الرحيمِ الذي جعل للمؤمن المصلِح أجرًا غيرَ ممنون.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿وَالتِّينِ﴾ أعطاه اللَّه تعالى خَصلتين: العافيةَ واليقين ما دام يَعقِلُ صلاته، فإنْ خَرِف كتب اللَّه له بعددِ مَن قرأ هذه السورةَ صيامَ يوم" (^١).
وهذه السورةُ مكية، وهي ثماني آياتٍ، وأربعٌ وثلاثون كلمةً، ومئة وتسعة وخمسون حرفًا.
وانتظام السورتين: أن تلك في ذكر فضائل النبي ومعانيه (^٢)، وهذه السورة في ذكرِ مُواليه ومُعاديه.
* * *
(١ - ٣) - ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٣٨) وفيه: (ما دام في دار الدنيا) بدل: "ما دام يعقل صلاته"، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٠٨)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في (ر) و(ف): "ومعاتبته".
[ ١٥ / ٤٠١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ أقسم اللَّه تعالى بالتين والزيتون.
قال ابن عباس: هو تينُكم هذا وزيتونُكم هذا (^١). يعني: الفاكهتين المأكولتين، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي ﵏: هو التين الذي يؤكل والزيتون الذي منه الزيت (^٢).
وقال الحسن والضحاك: هما جبلان بالشام يَنبُت بأحدهما التينُ والآخرِ الزيتون (^٣).
وعن ابن عباس ﵄ في روايةٍ: التين: مسجد نوحِ ﵇ على الجوديِّ، وفيه شجرُ التين، والزيتون: مسجد بيت المقدس وفيه شجرُ الزيتون (^٤).
وقال كعبُ الأحبارِ: التين مسجدُ أصحاب الكهف، والزيتون مسجدً إيلياءَ (^٥).
قوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: قال عطاء بن أبي رباح: جبل ذو أشجار (^٦).
وقال مقاتل: جبل فيه شجر مثمرٌ، وهو بالنَّبَطية (^٧).
وقيل: هو جبلُ دمشق.
وقيل: هو الجبل الذي كلَّم اللَّه عليه موسى ﵇.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥٥٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٩٥١) وصححه.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٠١ - ٥٠٣) عن مجاهد والحسن وعكرمة وإبراهيم والكلبي.
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٢٣) عن عكرمة، وهو قول ابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٥٣٢) قال: جبلان بالشام؛ يقال لهما: طُورُ تِيْنَا وطُورُ زَيْتَا بالسُّرْيانيَّة. سمِّيا بالتين والزيتون لأنهما يُنبتانهما.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٠٤).
(٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٠١).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٠٧) عن الكلبي.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٥١)، و"البسيط" (٢٤/ ١٤٩).
[ ١٥ / ٤٠٢ ]
وقال الأخفش: ﴿سِينِينَ﴾: جمع سينينة (^١)، وهو شجرةٌ مثمرةٌ، وهو كقوله: طور سيناء، وهو الحسَنُ، وزيدت الياء والنون للجمع، وكأنه قال: وطورِ الأشجار الحسنة.
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وإبراهيم: هو مكة (^٢)، ومعناه: ذو الأمن، كما قال: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧].
وقال قطرب: هو مأمونٌ؛ أي: يأمنُه أهله، وهو كقولهم: سرٌّ كاتم؛ أي: مكتوم.
وقيل: ﴿وَالتِّينِ﴾ أبو بكر الصديق ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ عمر الفاروق، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ عثمان ذو النورين ﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ عليٌّ رضوان اللَّه علهم (^٣).
* * *
(٤ - ٥) - ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: القسَم على هذا.
وقال الإمام أبو منصور: هذا أمر مشاهَدٌ فلا حاجة (^٤) إلى تأكيده بالقسم، إنما حاصل القسم على ما يتمُّ به الكلام، وهو قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؛ أي: إلى جهنم ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم (^٥).
و﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ أي: تعديلٍ وتسويةٍ، وهيَّأناه أحسنَ هيئةٍ يَصلح معها التصرُّف
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٨١).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٠٨ - ٥١٠).
(٣) هذا قول مردود، وهو أشبه بقول الباطنية.
(٤) في (ر): "يحتاج".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ٥٧٣).
[ ١٥ / ٤٠٣ ]
والعمل في دنياه لإصلاح معاشه، ويصلح للتكليف لكمال حواسِّه، وفيه النطقُ والبيان والتمييز والتدبير.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: قيل: بدَّلناه حالًا بعد حال إلى أن يرجع إلى الهرم ويبلغَ أرذل العمر.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني: في أعدل خَلْق ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلى أرذل العمر (^١).
وقال عكرمة: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني: في أحسن صورةٍ وأعدلها؛ قائمًا منتصبًا على رجليه يأكل بيده، وكلُّ شيء سواه يمشي على أربعٍ ويأكل بفمه (^٢).
وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني: أحسنَ الخلق ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلى النار ﴿إِلَّا﴾ المؤمنَ.
و﴿الْإِنْسَانَ﴾ في معنى الناس لأنه جنس، فيصحُّ استثناء المؤمنين منهم، وعلى هذا هو أسفلُ سافلين في النار، وعلى الأول هو أسفلُ طبقة الضعفاء والزَّمْنى، والنكرة على معنى أنه أسفلُ مَن سَفَلَ من الناس؛ أي: عجز عن الاحتيال لنفسه والعمل لمصالحه، فهم في سفولٍ وأضدادُهم من الأصحاء والأقوياء في علوٍّ.
وقيل: هاهنا مضمر وتقديره: ثم ردَدْنا الناس إلى أسفل سافلين، فزالت عقولهم وضعُفت قواهم، وصاروا بحيث لا يُكتب لهم عمل ولا يَكتسبون أجرًا.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٠١١ و٥١٣).
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥١٢) من طريق عكرمة عن ابن عباس.
[ ١٥ / ٤٠٤ ]
(٦ - ٨) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: في شبابهم وقوتهم ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غيرُ منقوص.
وقيل: أي: غيرُ مقطوع، روى أبو موسى الأشعريُّ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن العبد المسلم إذا مرض أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يَعمل صحيحًا" (^١).
وفي بعض الآثار كذلك في حق الهرم (^٢).
وروى أبو الضحى عن ابن عباس: أن الإنسان هاهنا كَلَدة بن أسيد (^٣).
وقال مقاتل بن حيان: أبو جهل (^٤).
وقال عطاء: هو الوليد بن المغيرة (^٥).
وقال مقاتل بن سليمان: عتبة وشيبة (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٩٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥١٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٤٩)، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (١٩٢٤)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٢/ ٢٦٩)، عن ابن عباس ﵁ موقوفًا.
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٠٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٩/ ١٧١).
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٠٢).
(٥) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٩/ ١٧١).
(٦) ذكره الماوردي كما في "زاد المسير" (٩/ ١٧١) وسقط من مطبوع "النكت والعيون". وانظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٥٢)، وفيه: (﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ يقول: ما يكذبك أيها الإنسان، يعني: عدي بن ربيعة). وكذا ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٩/ ١٧٤) عن مقاتل.
[ ١٥ / ٤٠٥ ]
فعلى قول هؤلاء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء منقطع بمعنى: لكن.
وقوله تعالى ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾: أي: فما يحملُك أيها الإنسان أن تكذِّب بعد هذا بالحساب والجزاء وقد علمتَ أن اللَّه خلَقك في هذه الهيئة، ونقلَك من حالٍ إلى حال، ومَن قدِر على ذلك قدِر على الإحياء بعد الموت، ومَن خلق على هذه الهيئة لم يُخْلِ العبد عن تكليفه، وإذا خالفه فلا بد من أن يجزيَه على وَفق عمله.
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾: أي: بأقضى القاضين، يعذِّب المكذِّبين ويثيب المطيعين (^١) المصدِّقين.
واللَّه الموفِّق للسداد
وعلى فضله الاعتماد
* * *
_________________
(١) "المطيعين" ليست في (ف).
[ ١٥ / ٤٠٦ ]