بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي رفع قَدْر المصطفى، الرحمنِ الذي ما ودعَّ رسولَه وما قلى، الرحيمِ الذي قال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿وَالضُّحَى﴾ جعلَه اللَّهُ يوم القيامة فيمَن يرضَى لمحمَّدٍ أنْ يشفعَ له، وكتب له عشر حسناتٍ بعددِ كلِّ يتيمٍ وسائلٍ" (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي إحدى عَشَرَ آية، وأربعون كلمة، ومئة وتسعة وخمسون حرفًا.
وانتظام السُّورتين: أنَّ الأولى في القسَم باللَّيل والنَّهار على شرف أفضل الأمم، ووعدِه أنَّه يبلغ غايةَ الرِّضا، وهذه في القَسَم باللَّيل والنَّهار على شرف أفضل النَّسَم، ووعده أنَّه يبلغ غايةَ الرِّضا.
وسببُ نزول هذه السُّورة ما قال الضَّحَّاكُ: احتبس جبريلُ ﵇ عن النَّبيِّ -ﷺ-، فقال كفَّار قريشٍ: وَدَّعَهُ ربُّه وقلاه، فأتاه جبريلُ فقال: اشتدَّ عليك ما قال
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٠٧)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٣٨٣ ]
قومُك لك؟ قال: "نعم"، قال: ما ودَّعَكَ ربُّكَ وما قلاكَ، وإنَّما أنا عبدٌ، أحتَبِس ما حبسني، وأنزل إذا أنزلني، وأطيعه إذا أمرني (^١).
وقال أنسٌ ﵁: اشتكى رسولُ اللَّه -ﷺ- شَكاةً، فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، وكان يحبُّ التَّهجُّد، فأتته إحدى عمَّاته فقالت: إنِّي لأرجو أن يكون شيطانُكَ قد تركَكَ، لم أرَه قَرِبَكَ منذ أيَّام، فأنزل اللَّه تعالى هذه السُّورة (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ اليهود سألوا رسولَ اللَّهِ -ﷺ- عن ذي القرنين وأصحاب الكهف والرُّوح، فقال: "أجيبُكُم غدًا"، ولم يستثنِ، فاحتبس جبريل عنه خمسة عشر يومًا (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨٦) مختصرًا، ولفظه: (مكث جبريل عن محمد -ﷺ-، فقال المشركون: قد ودعه ربه وقلاه، فأنزل اللَّه هذه الآية).
(٢) رواه البخاري (٤٩٥٠)، ومسلم (١٧٩٧)، من حديث جندب بن سفيان البجلي ﵁.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٤٢ - ١٤٣)، لكن في سبب نزول سورة الكهف، وقولهِ تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقد تقدم هذا عند تفسير الإسراء والكهف. قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/ ٧١٠): الحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول والضحى غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا فاختلطتا على بعض الرواة. . . ووقع في "سيرة ابن إسحاق" في سبب نزول ﴿والضحى﴾ شيء آخر، فإنه ذكر أن المشركين لما سألوا النبي -ﷺ- عن ذي القرنين والروح وغير ذلك ووعدهم بالجواب ولم يستثن فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة أو أكثر فضاق صدره وتكلم المشركون فنزل جبريل بسورة ﴿والضحى﴾ وبجواب ما سألوا وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ انتهى، وذكر سورة الضحى هنا بعيد، لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى وكل منهما لم يكن في ابتداء البعث وإنما كان بعد ذلك بمدة، واللَّه أعلم". =
[ ١٥ / ٣٨٤ ]
وقال مقاتل: أربعين يومًا (^١).
وقال ابن جريج: اثنا عشر يومًا (^٢).
وقيل: خمسة وعشرون يومًا.
وقال مقاتل: لَمَّا نزل جبريل قال له رسول اللَّه -ﷺ-: ما جئتني حتى اشتقْتُ إليك، فقال جبريل: كنتُ إليك أَشْوَقَ، ولكنِّي عبد مأمور: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية [مريم: ٦٤] (^٣).
* * *
(١ - ٢) - ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾: قال قتادة: أقسَمَ بصدر النَّهار (^٤).
وقيل: بالنَّهار كلِّه، وهو تسمية الكلِّ باسم الجزء، ودليلُه: أنَّه قابلَه باللَّيل، وهو على كلِّه، فقال ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾.
قال أهل اللُّغة: أي: سكَن. وكذا قال قتادة والضَّحَّاك (^٥). وهو عند اجتماعُ ظلمَتِه.
_________________
(١) = قلت: رواه ابن إسحاق في "سيرته" (ص: ٢٠١ - ٢٠٢) عن ابن عباس ﵄ مثل رواية الطبري المتقدمة، وليس فيه ذكر نزول سورة الضحى.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٣١).
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٩٢)، والواحدي في "البسيط" (٢٤/ ١٠٣).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٣١).
(٥) ذكره بهذا اللفظ الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٩١). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٣٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨١)، بلفظ: (ساعة من ساعات النهار).
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٣٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨٣)، عن قتادة. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨٣) عن الضحاك.
[ ١٥ / ٣٨٥ ]
وقال مجاهد ﵀: استوى (^١).
وقال الحسن: ألبسَ الأشياء ظلامَه (^٢).
وقال أبو العالية: جَنَّ.
وقال أبو روق: اسودَّ.
وقال ابن عبَّاس: ذهب (^٣).
وقال محمد بن كعب: إذا جاء بحنادسه؛ أي: ظلماته.
واختلف في المراد باللَّيل والنَّهار أنَّه على العموم أو على الخصوص:
قيل: هو على العموم؛ لتعلُّق مصالح الخلق ومنافعهم بهما.
وقيل: هو على الخصوص، واختُلف فيه:
قال جعفر بن محمَّد الصَّادق: ﴿وَالضُّحَى﴾: السَّاعة التي كلَّم اللَّهُ فيها موسى على الطُّور، ﴿وَاللَّيْلِ﴾: هي ليلة المعراج التي ناجى اللَّه حبيبَه فيها على بساط النُّور (^٤).
وقيل: هو ضحى الأوَّابين، وليلةُ المتهجِّدين.
وقيل: هو نهار دعوة النَّبيِّ -ﷺ- وليلةُ قيامه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢]؛ أي: بالنَّهار، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢].
وقيل: هي ليلة ولادة النَّبيِّ -ﷺ- ويومُ وفاته.
وقيل: هو يوم نزول الوحي إليه من السَّماء، وليلة العروج به إلى السَّماء.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨٢).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٣٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨٢).
(٤) ذكره بنحوه القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٣٣٥) عن قتادة ومقاتل وجعفر الصادق.
[ ١٥ / ٣٨٦ ]
وقيل: ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَاللَّيْلِ﴾: اسمان من أسماء النَّبيِّ -ﷺ-، وقد كان على أوليائه ضحًى منيرًا، وعلى أعدائه ليلًا مظلمًا (^١).
وقيل: معناه: وربِّ الضُّحى وربِّ (^٢) اللَّيل إذا سجى.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾: القسم على هذا؛ أي: ما قطع عنك وحيَه قطْعَ التَّارك لك، والوداع والتَّوديع أصله الوَدْع، وهو التَّرْك.
﴿وَمَا قَلَى﴾: أي: وما قلاك، يعني: ما أبغضَكَ، والقلا: البُغْض، من حدِّ (ضرب).
وقال الفرَّاء: إنَّما ترك الكاف من (قلاك) لدلالة الكاف الأُولى -وهي: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ - على هذا، وهو كقولك: أكرمتُكَ وأحسنْتُ؛ أي: إليك (^٣).
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾: قيل: أي: ما أعدَّ اللَّهُ لك في الآخرة من المقام المحمود، والحوض المورود، والخير الموعود، خيرٌ لك من نعم الدُّنيا وكرامتها، فليس يقطع عنك كرامةً في الدُّنيا ولا في الآخرة.
وقال محمَّد بن إسحاق: أي: لَمَا عندي في مرجعك إليَّ خيرٌ لكَ ممَّا عجَّلْتُ لك من الكرامة في الدُّنيا (^٤).
_________________
(١) مثل هذا القول أقرب لكلام أهل الإشارة، ومع ذلك فكان الأولى أن يقول بدل "اسمان من أسماء النبي": (صفتان وصف بهما النبي)، فإن أسماءه -ﷺ- معروفة ولم يذكر مثل هذين فيها، وإن كان وصفه ﵇ بالليل لا يليق حتى مع الأعداء، فهو ﵇ نور على الجميع أوليائه وأعدائه، وذلك بما أوتي من الخلق العظيم، والدعوة لتوحيد الرب الكريم.
(٢) "رب" من (ف).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٧٣).
(٤) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٢٤١).
[ ١٥ / ٣٨٧ ]
وقيل: أي: وللحالةُ الآخرة خير لك من الحالة الأولى؛ أي: احتباسُ الوحي منك مدَّة بعد تواتُر الوحي خيرٌ لك، فقد قال الأعداء لك ما قالوا، وقلنا في ردِّهم مؤكَّدًا بالقسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. . . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، وهذا فوق كلِّ كرامة.
* * *
(٥ - ٦) - ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾.
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (^١): أي: الثَّوابَ الجزيل في العُقبى.
وقيل: هو النَّصر والظَّفر على الأعداء في الدُّنيا.
وقيل: هي الشَّفاعة في الآخرة في عصاة الأمة.
وقال الضَّحَّاك: أي: لا يخزيك في أمَّتك، ويؤتيك مرادَكَ فيهم.
وروي أنَّ النَّبيِّ -ﷺ- قال: "لا أرضى وواحدٌ من عصاة أمَّتي في النَّار" (^٢).
وقال جعفر الصَّادق: دخل رسول اللَّه -ﷺ- على فاطمة ﵂ وعليها
_________________
(١) " ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ " من (ف).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٥)، والواحدي في "البسيط" (٢٤/ ١٠٧). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨٨) عن ابن عباس ﵄ موقوفًا عليه، ولفظه: "من رضا محمد -ﷺ- ألا يدخل أحد من أهل بيته النار". وذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٣٤٢)، وذكَر قبله في هذا المعنى ما رواه مسلم (٢٠٢) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، وهو حديث الشفاعة، وفيه: "فرفع يديه وقال: اللَّهم أمَّتي أمَّتي، وبكى، فقال اللَّه ﷿: يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊، فسأله فأخبره رسول اللَّه -ﷺ- بما قال، وهو أعلم، فقال اللَّه: يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك".
[ ١٥ / ٣٨٨ ]
كساء من وبر الإبل، وهي تطحن بيديها، وترضع ولدها، فدمعَتْ عينا رسولِ اللَّه -ﷺ- لَمَّا أبصرها، فقال: "يا ابنتاه، تحمَّلي مرارة الدُّنيا لحلاوة الآخرة، فقد أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ " (^١).
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾: استفهام بمعنى التَّقرير؛ أي: قد وجدَكَ؛ أي: علِمَكَ ورآك.
يبيِّن أنَّه قد تولَّاه وكفاه، وكلَّ خير أعطاه، من مبتدأ أمرِه إلى منتهاه، فكيف يكون وَدَعَه وقلاه؟
وكان يتمُهُ: أنَّ أباه عبد اللَّه بن عبد المطَّلب توفِّي ورسول اللَّه -ﷺ- في بطن أمِّه، وماتَتْ أمُّه وهو رضيع، ومات عبد المطَّلب جدُّه وهو صبيّ، فآواه اللَّه تعالى بأبي طالب، وكان يَبرُّه ويحسنُ إليه إلى أن أوحى اللَّه إليه، وكان ينصرُه ويذبُّ عنه.
* * *
(٧ - ٨) - ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾: أي: غير واقفٍ على وظائف العبادة.
﴿فَهَدَى﴾: أي: علَّمك اللَّهُ تعالى، وبيَّنَ الشَّرائع.
ولا يجوز أن يُفْهَم من هذه اللَّفظة عدولٌ عن حقٍّ، ووقوع في غيٍّ، وقد كان رسول اللَّه -ﷺ- من أوَّل حاله إلى نزول الوحي إليه معصومًا عمَّا يفعله المشركون من عبادة الأوثان، وقاذورات أهل الفسق والعصيان.
_________________
(١) ذكره عن الصادق الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٥). ورواه العسكري في "المواعظ" وابن مردويه وابن لال وابن النجار عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٥٤٣). وسنده ضعيف كما قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: ١٥٨٩).
[ ١٥ / ٣٨٩ ]
وقال محمَّد بن إسحاق: نشأ رسول اللَّه -ﷺ- واللَّهُ يكلؤه ويحفظه من أقذار الجاهليَّة ومعايبها؛ لِمَا يريد اللَّه تعالى من كرامته، حتى ما كان اسمُه في قومه إلَّا الأمين؛ لِمَا جمعَ اللَّهُ فيه من الأمور الصَّالحة (^١).
وروى هو (^٢) عن عليٍّ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "ما همَمْتُ بشيءٍ ممَّا كان أهل الجاهليَّة يفعلونه (^٣) غير مرَّتين، كلُّ ذلك يحُول اللَّه بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممْتُ بعدَهما بسوء حتَّى أكرمني اللَّه تعالى برسالته، وإنِّي قد قلْتُ ليلةً لغلامٍ من قريش كان يرعى معي بأعلى مكَّة: لو أنَّك أبصرْتَ لي غنمي حتَّى أدخل مكَّة فأَسْمُرَ بها كما يَسمر الشُّبَّان، فقال: أفعل، فخرجْتُ أريد ذلك، حتَّى جئْتُ أوَّل دارٍ من دور مكَّة، فسمعْتُ عزفًا بالدُّفوف والمزامير، فقلْتُ: ما هذا؟ فقالوا: فلان بن فلان تزوَّج بفلانة، فجلسْتُ انظر إليهم، ثم ضرب اللَّهُ على أذني فنمْتُ، فما أيقظني إلَّا مَسُّ الشَّمس، وليلة أخرى كذلك، ثم ما هممْتُ بعدهما بسوء" (^٤).
وقال سعيد بن المسيِّب: إنَّ رسول اللَّه -ﷺ- خرج مع عمِّه أبي طالب في قافلة مَيْسَرة غلام خديجة، فبينما هو راكبٌ ذاتَ ليلة ظلماءَ (^٥) ناقته، وهو نائم، فجاء إبليس فأخذ بزمام النَّاقة، فعدل به عن الطَّريق، فجاء جبريلُ فنفخَ إبليسَ
_________________
(١) انظر: "سيرة ابن إسحاق" (ص: ٧٨)، و"سيرة ابن هشام" (١/ ١٨٣).
(٢) في (أ): "وروي" بدل: "وروى هو".
(٣) في (أ) و(ف): "يعملون به".
(٤) رواه ابن إسحاق في "سيرته" (ص: ٧٩ - ٨٠)، ومن طريقه الفاكهي في "أخبار مكة" (١٧٢١)، والبزار في "مسنده" (٦٤٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٢٧٢)، والحاكم في "المستدرك" (٧٦١٩)، وصححه.
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "وهو على".
[ ١٥ / ٣٩٠ ]
نفخةً وقع منها إلى الحبشة، وردَّه إلى القافلة، فمنَّ اللَّهُ عليه بذلك (^١).
وقال عبد العزيز بن يحيى الكنانيُّ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾؛ أي: مغمورًا بين قومِكَ، لا يدرون مَن أنت، فهداهم اللَّه تعالى إليك؛ أي: عرَّفهم حالك حتى عرفوك، وعلموا ما مَنَّ اللَّه به عليك (^٢).
وهو صحيح في اللُّغة، يُقال: ضَلَّ الماءُ في اللَّبن، وقال اللَّه تعالى خبرًا عن الكفَّار: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: غِبْنا وخَفِينا.
وقال هشام بن عبد اللَّه: ووجدك لا تدري نفسك مَن أنت، فعرَّفك نفسك وحالك، حتى عرفْتَ أنَّك سيِّد ولد آدم، وخلاصة العالم (^٣).
وقال مجاهد: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾؛ أي: محبًّا فهداك؛ أي: علَّمك شرائط المحبَّة، وهو كقول أولاد يعقوب: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]؛ أي: محبَّتك القديمة (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾: أي: فقيرًا عن المال فأغناك بمال خديجة.
وقيل: أي: بالفيء والغنائم.
وقيل: أي: بالقناعة.
وقيل: أي: عائلًا عن العلم فأغناك بالإكثار منه.
وقيل: أي: عن الأمَّة فأغناك بإكثارهم.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٨).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٨).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٨).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٨) دون نسبة.
[ ١٥ / ٣٩١ ]
وعن ابن عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "سألْتُ ربِّي مسألةً، وذلك أنِّي قلْتُ ليلة المعراج: قد كان قبلي أنبياء، فسخَّرْتَ لبعضهم النَّار، وسخَّرْتَ لبعضهم الرِّيح، وألَنْتَ لبعضهم الحديد، فقال تعالى: ألم أجدْكَ يتيمًا فآويْتُك؟ ألم أجدْكَ ضالًّا فهديْتُك؟ ألم أجدْكَ عائلًا فأغنيْتُك؟ ألم أشرحْ لك صدرَك؟ ألم أضعْ عنك وزرك؟ ألم أرفع لك ذِكْرَك؟ قلْتُ: بلى، ياربِّ" (^١).
وقال بعضُ أهل الحقيقة في تفسير هذه الآيات في هذا المقام: اليتيمُ من انفردَ عن كلِّ أحد، فمعناه: يا محمَّد كنْتَ بمكَّة بين أصحابك، وببيت المقدس مع الأنبياء، وفي السَّماوات مع الملائكة، والآن انفردْتَ عن الكلِّ في هذا المقام، فآويتك في كنف تخصيصي، ولَمَّا قمْتَ في مقام الهيبة تحيَّرْتَ، فعجزْتَ عن الكلام، فهديْتُكَ، وفتحْتُ عليك باب الثَّناء، حتى قلْتَ: التَّحيَّات للَّه، والصلوات والطَّيبات، وأتيْتَ وأنتَ عائلٌ في حقِّ أمَّتِكَ لقلَّة طاعاتهم، فأغنيْتُك بتضعيف حسناتهم.
وقالوا: يتَّمه عن أبيه وأمِّه لتكون خدمته للَّه لا لأبيه، وشفقتُه على أمَّتِه لا على أمِّه، ويقول: يا ربّ، مكان قول غيره: يا أب، ويقول: يا أمَّتاه، مكان قول غيره؟ يا أمَّاه.
* * *
(٩ - ١١) - ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾: فاذكر يتمَكَ.
_________________
(١) رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٠/ ١٢٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٤٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٢٨٩)، و"المعجم الأوسط" (٣٦٥١)، والحاكم في "المستدرك" (٣٩٤٤)، وصححه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٥٤): (فيه عطاء بن السائب وقد اختلط).
[ ١٥ / ٣٩٢ ]
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾: واذكر عيلَتَكَ، وهذا في حقِّ سائل المال للحاجة.
وقيل: وأمَّا السَّائل عن العلم وطالبَ الفائدة فلا تنهر، واذكر أوَّلَ حالِكَ، فقد كنْتَ لا تدري الشَّرائع حتَّى علَّمْتُك.
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾: أي: بنعَمِ اللَّهِ كلِّها فحدِّث النَّاس وانشرها بينهم شاكرًا ذاكرًا.
والنِّعمةُ جنس فصلحَتْ للجمع؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
وقال مجاهد: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾: القرآن ﴿فَحَدِّثْ﴾؛ أي: علِّمْهُ النَّاس (^١).
وقيل: هي نعمة النُّبوَّة.
وقيل: هي نعمة الشَّفاعة.
والصَّحيح أنَّه يعمُّ جميع نعم اللَّه.
والنَّهر: الانتهار والزَّجر، وهو إغلاظ القول، وتعبيس الوجه.
وروي أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- أهدى إليه عثمان عنقودَ عنبٍ، فجاء سائلٌ فأعطاه، ثم اشتراه عثمانُ بدرهمٍ فقدَّمه إلى رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثم عاد السَّائل فأعطاه، ففعل ذلك ثلاثًا، فقال النَّبيُّ -ﷺ- ملاطفًا للسَّائل لا متغضبًا: "أسائل أنت يا فلان أم تاجر"، فنزلت الآية: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (^٢).
والحمد للَّه رب العالمين (^٣)
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٤٤).
(٢) ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٣١/ ١٩٩). والآلوسي في "روح المعاني" (٢٩/ ١٠٦).
(٣) في (أ) و(ر): "واللَّه الموفق".
[ ١٥ / ٣٩٣ ]