بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أقسم بالعصر، الرحمن الذي ذكر خُسر أهل الكفر، الرحيمِ بأهل الحق والصبر.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة والعصر ختم اللَّه له بالصبر، وكان من أهل الحق وأصحابه" (^١).
وهذه السورة مكية، وهي ثلاث آيات، وأربعَ عشرةَ كلمةً، وأحد وسبعون حرفًا.
وانتظام السورتين: أنهما في الترغيب والترهيب.
* * *
(١ - ٣) - ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾: قال ابن عباس ﵄ والكلبي ومحمد بن كعب رحمهما اللَّه: أقسم اللَّه بالدهر (^٢).
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٥١)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٢١)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) ذكره عن ابن عباس ﵄ ابن فورك في "تفسيره" (٣/ ٢٦٩)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٣)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١٢/ ٨٤٢٣)، والواحدي في =
[ ١٥ / ٤٦٩ ]
وقال الحسن وقتادة: أقسم بالعَشيِّ (^١).
وقال مقاتل ﵀: أقسم اللَّه بصلاة العصر (^٢)، وهو قولُ علي بن زيد بن جُدعان.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: القسمُ على هذا، و﴿الْإِنْسَانَ﴾ اسم جنس ومعناه الجمع، ولهذا صحَّ الاستثناء منهم.
وقال محمد بن كعب: إن الناس كلَّهم لفي خسر.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قيل: هو خسرُ الأعمال وأنهم لا ينتفعون بها.
وقيل: هو قوله: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥].
وقال الفراء: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾: لفي عقوبة بذنوبهم (^٣).
وقال أبو عبيدة: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾: لفي هلَكةٍ ونُقصان (^٤).
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: إن (^٥) حُمل الإنسان على كلِّ بني آدم فالاستثناءُ متصل به، وإن كان على الكفار فالاستثناءُ منقطع بمعنى: لكن.
_________________
(١) = "البسيط" (٢٤/ ٢٩٣)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٣٣) وزاد نسبته لزيد بن أسلم.
(٢) ذكره عنهما ابن فورك في "تفسيره" (٣/ ٢٦٩)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١٢/ ٨٤٢٣)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٣٣). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٩٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦١٢) عن الحسن.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٨٢٩).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٨٩).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣١٠).
(٦) في (أ): "فإن"، وفي (ر): "فلو".
[ ١٥ / ٤٧٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: أي: أوصى بعضهم بعضًا باتِّباع الحق.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: على الحق والثبات عليه.
وقيل: هو الصبر على طاعة اللَّه، وعن المعصية، وفي المحنة.
وقال مقاتل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ هو أبو لهب (^١).
وقال الضحاك: هو أبو جهل (^٢).
وقال عكرمة: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ يعني: جميع الكفار ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: أبا بكر الصديق ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: عمر بن الخطاب ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ يعني: عثمان بن عفان ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ يعني علي بن أبي طالب رضوان اللَّه عليهم أجمعين (^٣).
وروى عطاء عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ يعني: جماعةَ المشركين منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والأسود بن عبد يغوث (^٤)، والحارث بن قيس ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾؛ أي: لفي غَبْنٍ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يريد: أبا بكر وعمر وعثمان وعليٍّ، وأبا
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٨٢٩).
(٢) لم أجده عن الضحاك، ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٣٠/ ٢٤٤) ضمن خبر مرفوع من طريق أبي أمامة عن أبي بن كعب، وفي إسناده مجاهيل، وقال السمعاني في "تفسيره" (٦/ ٢٧٩): خبر غريب. ثم رواه الثعلبي عقبه عن ابن عباس موقوفًا.
(٣) لم أجده عن عكرمة، ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٣٠/ ٢٤٤) ضمن مرفوع أبي أمامة عن أبي بن كعب وموقوف ابن عباس السابقين، وفيهما: أبو جهل، بدل: "جميع الكفار". انظر التعليق السابق.
(٤) إلى هنا ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٤٦٥) من طريق الضحاك عن ابن عباس.
[ ١٥ / ٤٧١ ]
عبيدةَ بنَ الجراح، وطلحة بن عبيد اللَّه، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، والمهاجرين والأنصار رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
* * *
[ ١٥ / ٤٧٢ ]