بقلم الأستاذ نور الدين شمس باشا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للُه الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على صفوته من خلقه محمد سيد الكائنات، وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين.. أما بعد..
فما عرفت الإنسانية في تاريخها العريق كتابًا كان له من التكريم والتعظيم ما كان لقرآن الله العظيم، فقد تنافس الناس في فهمه ودرسه وحفظه والعناية به، منذ أن نزل على قلب الهادي الأمين، وكانت لهم في خدمته صولات وجولات: شرحوا آياته، وفسروا كلماته، وكتبوا في إعجازه وبلاغته، وألّفوا في صرفه ونحوه، واستنبطوا أحكامه، وبوَّبُوا موضوعاته وأبانوا ناسخه ومنسوخه، وميَّزوا بين مكيّه ومدنيّه، وتحدثوا عما كان من أسباب نزوله، وأحصوا قراءاته، ووضعوا الأدلة والفهارس والمعاجم لألفاظه وآياته، وقعَّدوا القواعد لضبط قراءته وتجويد تلاوته.. وما تزال أقلام العلماء منهم تدفع إلى المطابع كل صباح بما ينمّي هذا الرصيد المبارك، وبما يكون له شرف الإسهام في جلاء المزيد من علوّ قدره ورفعة شأنه.. حتى لقد ازداد الذين آمنوا إيمانًا بأن منزّل الذكر، سبحانه، هو الموكّل بحفظه وصونه..
وما كتاب "إعراب القرآن الكريم" بأجزائه الثلاثين لمؤلفه الأستاذ المرحوم محمود عبد الرحيم صافي، طيب الله ثراه، إلا حلقة في هذه السلسلة الخالدة، وخيط نور باهر الألق في حزمة الضياء المنبعثة أبدًا من كتاب الله، والممتدة سرمدًا بين السماء والأرض، تهدي السالكين إلى
[ ١ / ٩ ]
جادة الحق، ضالة الراشدين وبغية المهديين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
لقد بذل الأستاذ محمود صافي ﵀ في إعداد هذا الكتاب الكريم من الجهد ما يتناسب مع جلال المهمة التي استعد لها وندب نفسه للقيام بها. فكان لا يُرى إلا قارئًا أو كاتبًا.. نظر في أوثق التفاسير، واطلع على مختلف معاجم اللغة، وتناول أمهات كتب النحو بالدرس والمقارنة والتحليل وصبر نفسه الليالي ذوات العدد، حتى اختلطت عليه دلجة الليل بغسق الفجر، وهو مكبٌّ على آيات الله، موجِّهٌ عنايته إلى ناحية بعينها من كلماتها وجملها، وهي ناحية الإعراب والنحو، حتى كان له ما أراد فأنجز إعراب الكتاب الكريم في نحو سنواتٍ ست، وأسعد الله قلبه بأمل طالما تمنى تحقيقه، وبعمل طالما تاقت نفسه إلى النهوض به.
لم تكن الخطة التي انتهجها الأستاذ محمود صافي عملًا في الإعراب لقصد الإعراب وحده وإن كان الإعراب واحدًا من أبرز مقاصده، بل لقد كان المقصد الأساس في عمله كله - وإنما كانت، وقبل كل شيء، سعيًا وراء الملاءمة بين التفسير والقاعدة النحوية، فالإعراب لا يمكن أن يأتي دقيقًا صائبًا في منأى عن الفهم الصحيح للعبارة القرآنية الكريمة.. ومن هنا كانت الصعوبة، فمع كتابٍ ككتاب الله العظيم تشعبت فيه مذاهب المفسرين وتباينت مواقفهم من الكلمة ومدلولها وإيحائها، في كثير من الأحيان، كانت عملية الملاءمة هذه تبدو أمرًا في غاية الصعوبة.. إضافةً إلى أن الفهم البلاغي وتوجيه التعبير نحو هذا المقصد أو ذاك كان هو الآخر مصدر صعوبة لا يُستهان بها.. ومع ذلك فقد كان الأستاذ محمود، ﵀ وأجزل له الأجر، يتخير من الأوجه المتعددة ما يرى أنه أدناها إلى أصالة اللغة، مع حرص ظاهر في كثير من الأحيان
[ ١ / ١٠ ]
على إيراد الأوجه، الأخرى، محاولةً منه أن يترك لأولي البصر والتخصص مجالًا لقول أو مندوحة لرأي..
لقد أضاف الأستاذ محمود رحمه الله تعالى إلى المكتبة الإسلامية سفرًا سيكون لقارئيه نورًا يهديهم إلى مزيد من الفهم لكتاب الله العظيم، كما سيكون للأستاذ محمود نفسه نورًا على الصراط، وظلًا ظليلًا يوم لا ظل إلا ظل رحمته وعفوه..
وبعد.. فإنها ولا شك مشيئةٌ من الله تعالى أن يتوافق في هذا العمل مفارقتان اثنتان: ففي أصيل يوم بارد من أيام شباط عام ١٩٨٥ اختار الله إلى جواره مؤلف الكتاب الأستاذ محمود صافي بعد ساعةٍ واحدة من تسليم مسودته إلى دار الرشيد للطباعة والنشر لتتولى مشكورة طباعته وتوزيعه في العالم الِإسلامي.. لقد مات الرجل الكبير في ذات الساعة التي تمَّت فيها الولادة لعمل من أكثر الأعمال إرضاء لله تعالى!
رحم الله الأستاذ محمود صافي وأثابه على عمله المبرور رضوانًا منه وكرامة، وأجزل الله الأجر للأستاذ محمد حسن الحمصي الذي ما فتئ منذ أسس دار الرشيد للطباعة والنشر يتخيّر نفائس الكتب للنشر والتوزيع، مؤثرًا دائمًا ما يتعلق بكتاب اللُه الكريم وشرعه القويم شرحًا وتفسيرًا وفهرسة وطباعة، ومعطيًا عمله من العناية والإِتقان ما جعله موضع تقدير الجميع وإعجابهم وثنائهم..
أسأل الله أن يتقبل جهد العاملين المخلصين، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به أمة الأشلام إن ربنا سميع مجيب..
والحمد لله رب العالمين
٢١/ ١٢/ ١٤٠٥ هـ
٦/ ٩/ ١٩٨٥ م
نور الدين شمسي باشا
الموجه الفني للتربية الإسلامية، في دولة الكويت.
[ ١ / ١١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم