٣ - فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟ كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة.
قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشح، وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلا، وإن جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل ليمثلوا البلادة تمثيلا يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾