لما ذكر الله ﷿ ما يحرم علينا من الطعام في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة:٣]. وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]
ختم المحرمات في الآيتين بأنه فسق والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ تعود إلى جميع المحرمات التي حرمها الله تعالى في هذه الآية، كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ يعني: (من أكل من ذلك كله فهو فسق) (^٤).
وهذا يدل على أن أكل هذه المحرمات يورث الفسق والمعصية.
_________________
(١) لسان العرب (١٠/ ٣٠٨).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٥).
(٣) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم (١٠١٥).
(٤) أخرجه الطبري، ورجح هذا القول. انظر: جامع البيان (٩/ ٥١٤).
[ ١٧٠ ]
ثم إن هذه المحرمات وأمثالها تولد في نفس آكلها هيئات دنيئة توجب أخلاقا سيئة وفسادا في الطبع مما قد يؤدي إلى الفسق والعياذ بالله.
فالميتة والدم والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع كلها تشترك في علة أنها ماتت والدم محبوس فيها ومحتقن فأصبحت خبيثة تورث خبثا لدى آكلها، ثم إن الشطان يجري في مجاري الدم من الحيوان، ولذلك كانت التذكية الشرعية واجبة لما فيها من تطهير الذبيحة من الدم وخروج الشيطان منها حتى تصبح من الطيبات التي أبيحت لنا.
وأما لحم الخنزير: فإنه الحيوان الذي مسخ الله اليهود الفاسقين بصورته، فأصبح بين هذا النوع من الحيوان وبين هؤلاء المغضوب عليهم البعيدين من الرحمة مناسبة خفية، وأصبح بينه وبين النفوس السوية نفورا، فضلا عما يأكله الخنزير من القذارات والنجاسات.
وأما ما أهل به لغير الله مما يذبحه المجوسي أو المرتد وتارك التسمية: فإن قيامهم بالذبح أكسب المذبوح خبثا أوجب تحريمه، وقد يكون ما يذكرونه عليها من الكواكب والشياطين تكسبها خبثا أيضا، فقبح الفعل يسري ويصل إلى الذبيحة (^١)
وقد حرم النبي - ﷺ - الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، لشكاسة أخلاقها وقسوة قلوبها وخروجها عن طبيعة الاعتدال (^٢)
فكل هذه المحرمات تورث فسقا والعياذ بالله لدى آكلها، وقد كرّه الله عباده من الفسق والعصيان وكرهه لهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات:٧].