كما نهانا الله تعالى عما يورث الفسق من الطعام، نهانا عن طاعة الفاسقين والتشبه بهم في ذبائحهم وطعامهم وما يعتقدونه فيه.
_________________
(١) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ١٧٢ - ١٧٤)،حجة الله البالغة (٢/ ١١٢٠، ١١٢١).،
(٢) المصدر السابق (٢/ ١١٢٢)
[ ١٧١ ]
ومن الآيات التي حذرتنا من مشابهة أهل الفسق ما حكاه الله عن المشركين من عاداتهم الجاهلية في طعامهم فقال: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٣٨ - ١٤٠].
فقد كان من شأنهم أن حرموا بعض الأنعام وقالوا لا نطعمها إلا لمن شئنا، وكانوا يحرمون اللبن على النساء ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء (^١).
فأخبر الله تعالى في الآية الثالثة أن من هذا شأنه فهو من الخاسرين وذلك لما اتصف به من صفات الفاسقين ومن أعظمها: افتراء الكذب على الله ﷿ والجرأة عليه، ثم وصفهم الله بالضلال وهو الانحراف عن سواء السبيل فلا يرجعون إلى الحق ولا يهتدون إليه، وهي الصفة التي ختم الله بها الآية فقال: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾، والآية فيها تحذير وتهديد لمن تشبه بهم، واقتدى بفعلهم. قال ابن العربي (^٢) ﵀: (فهذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثه الرسول ﵇، فكان من الظاهر لنا أن نميته
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٤٦).
(٢) هو محمد بن عبد الله، ابن العربي الأندلسي المالكي، ولد في سنة ٤٦٨ هـ، سمع من خاله الحسن بن عمر الهوزني وجعفر السراج، ومكي بن عبد السلام الرميلي، وحدث عنه: عبد الخالق بن أحمد اليوسفي الحافظ وأحمد بن خلف الاشبيلي القاضي والحسن بن علي القرطبي، صنف كتاب عارضة الاحوذي في شرح جامع الترمذي، وفسر القرآن المجيد، فأتى بكل بديع، وله كتاب كوكب الحديث والمسلسلات، وكان ثاقب الذهن، عذب المنطق، كريم الشمائل، ولي قضاء إشبيلية، فحمدت سياسته، وكان ذا شدة وسطوة، فعزل، وأقبل على نشر العلم وتدوينه. توفي بفاس في شهر ربيع الآخر سنة ٥٤٣ هـ. (سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١٩٨ - ٢٠٣)
[ ١٧٢ ]
حتى لا يظهر، وننساه حتى لا يذكر، إلا أن ربنا ﵎ ذكره بنصه وأورده بشرحه، كما ذكر كفر الكافرين به.
وكانت الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن قضاءه قد سبق، وحكمه قد نفذ بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة) (^١).
وقد حذرنا الله جل شأنه في آيات أخر من مشابهة الفاسقين في بغيهم حتى ننجو من عقوبته تعالى، فقال ﷿: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام:١٤٦] إلى قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠].
فما حصل لبني إسرائيل من التضييق إنما هو بسبب بغيهم وظلمهم وصدهم عن سبيل الله كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]. (^٢).
وقد حذرت الآيات من التشبه بفعل القوم الفاسقين من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن ذكر ما حصل لبني إسرائيل إنما هو تحذير لهذه الأمة أن يحصل منهم بغي أو ظلم فيعاقبوا كما عوقب بنو إسرائيل. (^٣)
ولقد حذر النبي - ﷺ - أمته أن يقعوا فيما وقع فيه اليهود، فعن ابن عباس ﵁ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - جالسا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك فقال:
_________________
(١) أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٧٥٣).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٥٥).
(٣) انظر: نظم الدرر (٢/ ٧٣٧).
[ ١٧٣ ]
(لعن الله اليهود - ثلاثا - إن الله تعالى حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله تعالى إذا حرّم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه) (^١).
فبين الحديث أن من شابه اليهود في تحليل ما حرم الله بأي نوع من أنواع الحيل فإنه يستحق اللعن والعياذ بالله. (^٢)
ولذلك فقد أنكر عمر ﵁ ودعا على من فعل كما فعلت اليهود، فعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ يقول: (قاتل الله فلانا ألم يعلم أن النبي - ﷺ - وسلم قال (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها) (^٣).
الوجه الثاني: ما أخبر الله به عما سيقوله المشركون للرسول - ﷺ - في احتجاجهم بالمشيئة في شركهم وتحريمهم ما أحل الله لهم في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام:١٤٨]
فبين الله تعالى أن تكذيبهم مشابه لتكذيب الأمم السابقة التي حل عليها العقاب والبأس وهو ما حصل مع المشركين فقد أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم. (^٤)
وهي دلالة واضحة أن من شابه فعله فعل المكذبين بإلقاء الشبه لتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله وتكذيب المرسلين فإن الله سيذيقه بأسه وعقابه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة، باب في ثمن الخمر والميتة، برقم (٣٤٨٨) وصححه الألباني في تعليقه على السنن، وأحمد في مسنده برقم (٢٢٢١) وصححه شعيب الأرناؤوط.
(٢) انظر: عون المعبود (٩/ ٢٧٥).
(٣) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، برقم (٣٢٧٣)، ومسلم في كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، برقم (١٥٨٢).
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٥٨).
[ ١٧٤ ]
الوجه الثالث: ما ختم الله به هذه الآيات من نهيه عن اتباع المكذبين المشركين حيث قال: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠].
فنهى الله نبيه عن اتباع أهل الأهواء المكذبين الذين يزعمون أن الله حرّم عليهم ما حرموه من البحائر والسُّيَّب، والمراد بهذا النهي إنما هم أصحاب النبي - ﷺ - والمؤمنون به (^١).
وفي قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أظهر ما مقامه الإضمار ليعم جميع أهل الأهواء المكذبين بآيات الله، فيدخل في ذلك المشركين واليهود وجميع من اتبع هواه. (^٢)
فهذه الآيات تحذر المسلم من التشبه بأهل الفسق حتى لا ينقاد إلى الغواية والضلال.
• وقد جمع الله ﵎ النهي عن اتباع خطوات الشيطان والتحذير من الفسق
والنهي عن اتباع الفاسقين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١].
فبين تعالى أن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من ميتة أو مما أهل به لغير الله أو ما ذبحه أهل الأوثان فسق ومعصية (^٣).
وتوعد جل شأنه من أطاع ما يوحيه الشياطين لأوليائه في النصف الثاني من الآية، وهي تشمل شياطين الجن وشياطين الإنس أهل الأهواء.
قال ابن جرير ﵀: (وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم، وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس، وجائز أن
_________________
(١) انظر: جامع البيان (١٢/ ٢١٣، ٢١٤).
(٢) انظر: التحرير والتنوير (٨/ ١٥٤).
(٣) انظر: جامع البيان (١٢/ ٧٦).
[ ١٧٥ ]
يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك، كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام:١١٢] بل ذلك الأغلب من تأويله عندي، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجن والإنس، كما جعل لأنبيائه من قبله، يوحي بعضهم إلى بعض المزيَّنَ من الأقوال الباطلة، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرمَ الله من الميتة عليهم) (^١).
فالفلاح كل الفلاح هو البعد عما يوقع الإنسان في الغواية، والبحث عن سبل الهداية ففيها النجاة والفوز في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) جامع البيان (١٢/ ٨٢، ٨٣).
[ ١٧٦ ]