الأخوة الإسلامية نعمة عظيمة أنعم الله بها على عباده وأمرهم بشكرها فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] كما أخبر سبحانه وأكّد أن الأصل في المسلمين الاجتماع والتآخي، وأن التفرق عارض. وأوجب على العباد نبذه والعمل على معالجته فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
وقد وردت في آيات المعاملات سبل ووسائل يحصل بسببها تقوية روح الأخوة وإذكائها وتقضي على التفرق والتباعد وهي كالتالي:
• المطلب الأول: النهي عن أكل المال بالباطل.
فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
فنهى الله ﷿ في هاتين الآيتين عباده أن يأكل بعضهم مال بعض بغير وجه حق أيا كانت هذه الوسيلة من ربا أو قمار أو غش أو حيلة لأن ذلك مناف للأخوة (^١).
والتعبير في الآيتين بضمير المخاطب في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ على ما فيه من العموم والشمول، فهو يوحي للعبد أن مال أخيه بمنزلة ماله، فيجب أن يحافظ عليه كما يحافظ
_________________
(١) انظر: جامع البيان (٨/ ٢١٦)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٦٨)، محاسن الإسلام، لمحمد بن عبد الرحمن البخاري (ص ٨٤)، حكمة التشريع وفلسفته للجرجاوي (٢/ ١٤١).
[ ١٩٠ ]
على خاصة ماله، فهي رحمة من الله بعباده المؤمنين، إذ اجتماعهم وتوحدهم باسم الإيمان يدعوهم إلى الحفاظ على مال بعضهم البعض (^١).
ولما نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، ذكر في آية البقرة وسيلة من الوسائل التي تباعد بين الإخوة، وتُحْدِث الفجوة، ألا وهي الرشوة (^٢).
ففي قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. حرم الله على العباد أن يرشوا الحكام والقضاة ويآكلوهم أموالهم حتى يستعينوا بذلك على أكل مال غيرهم بغير وجه حق (^٣).
فتخصيص الله تعالى لهذه الصورة لشناعتها وجمعها صورا كثيرة من المحرمات، ومن هذه المحرمات ما يجده العبد المسلم صاحب الحق من قهر وذل عند من كان يظن أنه سيوفيه حقه (^٤).
وهذا من قهر الرجال الذي كان يتعوذ منه النبي - ﷺ -، (^٥) فهو يشعر بقلة حيلته وعجزه في إرجاع حقه، مما يسبب الضغينة والبغض، ويورثه العداوة والحقد.
وفي آية سورة النساء بين الله ﷿ أثرا سيئا وخطيرا من آثار أكل المال بالباطل ألا وهو أن أكل المال بالباطل يثير في صاحب الحق الشحناء والرغبة في إرجاع حقه فتحصل
_________________
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ١٧٦)، التحرير والتنوير (٥/ ٢٤).
(٢) الرَّشْوَةُ والرُّشْوَةُ الوُصْلَةُ إلى الحاجة بالمُصانعة وأَصله من الرِّشاءِ الذي يُتَوَصَّلُ به إلى الماء فالرَّاشي من يُعطي الذي يُعينُه على الباطل والمُرْتَشي الآخذُ والرَّائش الذي يسعى بينهما يَسْتَزيد لهذا ويَسْتَنْقِصُ لهذا (لسان العرب ١٤/ ٣٢٢).
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٢٦)، البحر المحيط (٢/ ٩٥).
(٤) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٩٠)، منهج التشريع الإسلامي وحكمته للشنقيطي (ص ٤٥).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، كتاب الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال، برقم (٦٠٠٢)، ولفظه: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال).
[ ١٩١ ]
بذلك فتن ومصائب قد تؤدي إلى القتل -عياذا بالله- فقال تعالى محذرا ومحرما: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١).
والضمير المضاف إلى النفس في هذه الآية، تجعل آكل المال بالباطل يحذر وينظر في عواقب الأمور، فأكله مال أخيه بالباطل، هو الذي تسبب في جعل أخيه يتعدى عليه بالقتل فكأنه قتل نفسه، مما قد يوجب القصاص على القاتل وبهذا تفسد المجتمعات وتنتهك الحرمات وتسفك الدماء، والله ﷿ أرحم بعباده منهم بأنفسهم فحرم هذه السبل البغيضة التي تورث الأحقاد، ولذلك ختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.