الإيمان بالقضاء والقدر من أصول الدين وأركان الإيمان، ولا يصح إيمان عبد حتى يسلِّم به، وقد بين النبي - ﷺ - أركان الإيمان حين سأله جبريل ﵇ عن الإيمان فقال: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) قال عبد الله ابن عمر ﵄ بعد أن حدث بهذا الحديث: لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَر. (^١)
وكما أن العبد يجب عليه التسليم بالقدر فيجب عليه الإذعان لأمر الله وشرعه فكله من قضاء الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فالله جل وعلا قد قضى آجال العباد وقسم أرزاقهم، قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وبين النبي - ﷺ - أن العبد لن يحصل إلا على ما قدِّر له، فعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (إنه ليس شيء يقربكم من الجنة، ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار، ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته) (^٢) فلذلك كان لزاما على العبد أن يطلب رزق الله مما أحله له وأباحه، وهذا من الرضى بقدر الله.
_________________
(١) رواه مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾، برقم (٨).
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب، (٧/ ٢٩٩)، برقم (١٠٣٧٦)،والطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة (٨/ ١٦٦) برقم (٧٦٩٤)، قال الألباني حديث حسن، انظر السلسلة الصحيحة (٧/ ٦٧) حديث رقم (٢٨٦٦)
[ ٥٦ ]
أما من يطلب رزقه بالمعاملات المحرمة التي ورد النهي عنها والوعيد لمن ولج أبوابها فهذا مستبطئ لرزقه معترض على ما شرعه الله من كسب ماله بالطرق المباحة
فإن الله تعالى قال في حق آكل الربا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦].
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في قوله: (والله لا يحب كل كفار أثيم): لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. (^١)
وهكذا كل آكل للحرام سواء بالربا أم بالغش أو المقامرة، أو التطفيف بالميزان، أو أكل أموال اليتامى ظلما فإنه غير راض لما قسمه الله، فعليه أن يتوب إلى الله وأن يكون راضيا بما قسم الله له في الدنيا من سعة أو ضيق، محتسبا الأجر في الآخرة، فهذه هي حال المؤمنين المذعنين المسلمين لشرع الله فعن صُهَيْبٍ الرومي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:
(عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (^٢)
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (١/ ٧١٥).
(٢) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق. باب المؤمن أمره كله خير، برقم (٢٩٩٩).
[ ٥٧ ]