فحين لا يستطيع العبد المسلم تحصيل ما أباح الله له من شهوة النساء بطريق النكاح فقد أُمِر بالصبر حتى يأتي الله له بالفرج.
_________________
(١) ﴿لسان العرب (٤/ ٤٣٧).
(٢) ﴿إحياء علوم الدين (٤/ ٧٧).
(٣) ﴿أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم (١٤٠٠)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، برقم (١٠٥٣).
[ ١١٠ ]
فقد قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
فإذا لم يقدر المسلم على النكاح إما لفقره أو فقر وليه، أو مُنِع من التزويج فقد أمره الله أن يصبر ويستعف عما حرم الله، وأن يشتغل بالأسباب التي تصرف عن قلبه الخواطر والأفكار (^١) كما قال - ﷺ - (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (^٢).
وقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: (هُوَ الرَّجُلُ يَرَى الْمَرْأَةَ فَكَأَنَّهُ يَشْتَهِي، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهَا فَلْيَقْضِ حَاجَتَهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَنْظُرْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (^٣).
وقد وعد الله من صبر واستعف أن يغنيه من فضله وأن ييسر له أمره ويفرج كربه لئلا يشق عليه ما هو فيه. (^٤)
فإذا طال بالإنسان ما يجد من عدم وجود سعة وقدرة على النكاح، ولم يطق الصبر عن الجماع وخشي العنت والحرج على نفسه والوقوع في الإثم فإن الله قد أباح له أن ينكح ملك اليمين، ولكن الصبر خير له وأفضل حتى يغنيه الله جل وعلا فينكح الحرائر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]
فختم الله جل وعلا الآية بالتأكيد على خيرية الصبر وأن من جاهد نفسه عن الوقوع في الحرام فهو خير له من نكاح ملك اليمين.
_________________
(١) ﴿انظر: تيسير الكريم الرحمن، (ص ٥٦٧).
(٢) سبق تخريجه (ص ٣٢)
(٣) ﴿تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٨٢).
(٤) ﴿تيسير الكريم الرحمن (٥٦٧).
[ ١١١ ]
فالصبر يدل على شجاعة النفس وقوة عزمها، وعظم إبائها، وشدة حفاظها. وهذا كله يستحسنه العقل، ويندب إليه الشرع وقد جعل الله تعالى أجر الصابر موفاة
بغير حساب. (^١).
والصبر عن نكاح الإماء خير للعبد من أن يسترق ولده، ولا تخلص له زوجته لأن حق الموالي لهن أقوى في استخدامهن حضرا وسفرا كما أن ترك ذلك أرفع له عن الابتذال، فالصبر على مكارم الأخلاق أولى وأرفع للعبد (^٢).
كما أن الأمَة قد تضيِّع مصالح البيت وشؤون تدبيره مما ينغص على الزوج عيشه فالصبر خير له، كما قال الشاعر:
إذا لم يكن في منزل المرء حرة تدبره ضاعت مصالح داره (^٣)
وفي الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه وإذا نكح الحر الأمة فقد أرق نصفه) (^٤).
وبهذا يتبين أهمية الصبر وفضله وأن العبد يجب أن يتحلى به.