أمر الله رسوله - ﷺ - بالهجرة إلى المدينة، جاء الوعيد الشديد لمن لم يهاجر خوفا من كساد تجارته وضياعها (^١)، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]
_________________
(١) انظر: جامع البيان (١٤/ ١٧٧).
[ ٥٨ ]
وهذا الوعيد يشمل كل من قدّم تجارته وماله فأصبحت متاجرته ومضاربته في الأموال أحب إليه مما افترضه الله عليه من الواجبات، فإذا رأى العبد من نفسه ميلا ومحبة إلى هذه الملذات على محبة الله ورسوله فليحذر أن يبيع دينه بدنياه فيكون من الفاسقين. (^١)
وعلامة هذه المحبة: أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه اللّه ورسوله وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا للّه ورسوله أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه على ما يحبه اللّه، دل ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه. (^٢)
فإذا تملكت التجارة والمال قلب العبد فأصبحت شغله الشاغل وألهته عن أوامره الله فليبشر بالتعاسة، فقد أصبح عبدًا لتجارته، فإن زادت أمواله فرح واستبشر، وطغى وتجبر، وإذا خسر في صفقة أو معاملة، حزن واكتأب، وقد تصيبه الأمراض والأوجاع، بل قد يموت حسرة على ذهاب ماله، وقد نسي أنه ضيع حق الله قبل ذلك، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) (^٣)
فأي ربح جناه من قدم التجارة والمضاربات على حقوق الله؟!! بل هو من الخاسرين الذين وصفهم الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩].
• المطلب الثاني: معاتبة أهل الإيمان في انصرافهم عن خطبة الجمعة إلى البيع والتجارة.
وقد جاء القرآن معاتبا من انصرف عن خطبة الجمعة ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، إلى التجارة والبيع، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١].
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٢٤)، التحرير والتنوير (١٠/ ١٥٤).
(٢) تيسير الكريم الرحمن (ص ٣٣٢).
(٣) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، برقم (٢٧٣٠)، والخميصة: كساء أسود له خطوط، وقوله: (شيك فلا انتقش) أي: إِذَا دَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَة لَمْ يَجِد مَنْ يُخْرِجهَا بِالْمِنْقَاشِ.
[ ٥٩ ]
فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) (^١).
ولما كانت التجارة من أعظم ما يشغل العبد عن الصلاة (^٢)، أمرهم الله تعالى كما انفضوا إليها وسعوا لها، أن يسعوا إلى الصلاة فإنها هي الأحق بالسعي والاهتمام وأن يتركوا البيع والشراء، فإن ما عند الله خير من اللهو والتجارة فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩].
وليس المراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، وإنما الإسراع بالقلب والنية والعمل، بأن تكون الصلاة هي الشغل الشاغل، وأن يكون العبد متيقظا لأمر الله بالاستجابة لأمره والقيام بحقوقه (^٣).
فالواجب على العبد أن يقدم حق الله على مصالحه وذلك لأن الله قد تكفل لعباده بالرزق، فمن قدّم حق الله واشتغل بما أمر كفاه الله مؤونة الرزق (^٤) والله خير الرازقين.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب البيوع، بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ برقم (١٩٥٣). ومسلم في كتاب الجمعة، بَاب في قَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ برقم (٨٦٣).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٤٧٤).
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم (٨/ ١١٩).
(٤) انظر: الموافقات (٣/ ٢٢٢).
[ ٦٠ ]
وقد كَانَ عَرَّاكُ بْنُ مَالِكٍ (^١) ﵁، إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ، أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرْتُ كَمَا أَمَرْتَنِي فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (^٢).