ففي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ الآية [المائدة:٣].
فذكر جل وعلا من جملة المحرمات في هذه الآية: ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب.
فما أهل به لغير الله: هو ما ذبح وذكر عليه غير اسم الله تعالى (^١)، والإهلال رفع الصوت والجهر به (^٢).
وقد أمر الله أن يذكر اسمه العظيم على الذبيحة، فمتى ما ذبح الذابح وذكر عليها غير اسم الله ورفع بها صوته، فليس هذا من تعظيم الله في شيء وإنما هو تعظيم لما ذبح له.
وقد كان المشركون إذا ذبحوا للأصنام يرفعون أصواتهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، تشريفا لهم وتعظيما (^٣) ولذلك فقد أجمع العلماء أن ما ذبح للأصنام والأوثان والطواغيت فلا يجوز أكلها. (^٤)
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٧)، الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٣).
(٢) لسان العرب (١١/ ٧٠١).
(٣) لأن التسمية فيها تشريف ورفعة للمسمى، لأنها مشتقة من السمو وهي الرفعة. (انظر: لسان العرب ١٤/ ٣٩٧).
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٣)،تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٧)، التحرير والتنوير (٦/ ٩٥).
[ ١٥٣ ]
وبهذا يتبين أن التسمية على النسك من تعظيم الله ﷿ وتعظيم شعائره.
ولما كانت الأنصاب من شعائر الشرك حرّم الله ﷿ أكل ما ذبح عليها فقال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، والنصب: الأوثان من الحجارة، وهي مجموعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض فكان المشركون يقرِّبون لها، وليست بأصنام.
وكان الذبح عليها مختصا بأهل الجاهلية، فعن مجاهد ﵀ قال:: النصب: حجارة حول الكعبة، يذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجارة أعجب إليهم منها. (^١)
فلما كانت هذه النصب علامة على أهل الشرك وشعيرة لهم، وكانوا يذبحون عليها وينضحون عليها الدم ويشرحون اللحم تعظيما لها في نفوسهم، وتشريفا لهذه النصب ويزعمون بذلك أنهم يعظمون البيت الحرام (^٢)، أبطل الله ﷿ دعواهم بهذا التعظيم وحرم الأكل من هذا اللحم، وبين لهم حقيقة التعظيم فقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج:٣٧].
فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده إلى ابن زيد أنه قال في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال: إن اتقيت الله في هذه البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله، فإنه قال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) قال (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟ (^٣)
ولذلك فقد نهى العلماء عن أكل ما ذبح عليها حتى ولو ذكر عليها اسم الله، لما في الذبح عند هذه النصُب من الشرك، ومخالفة أمر الله (^٤).
_________________
(١) جامع البيان (٩/ ٥٠٨).
(٢) انظر: جامع البيان (٩/ ٥٠٨)، المحرر الوجيز (٤/ ٣٤١)، التحرير والتنوير (٦/ ٩٤).
(٣) جامع البيان (١٨/ ٦٤١).
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٠).
[ ١٥٤ ]