جاء الوعيد الشديد لمن يأكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
فأخبر جل وعلا أن النار هي مصير من يأكل أموال الناس بالباطل، فأي وسيلة حرم الله التعامل بها فهي أكل لأموال الناس بالباطل، سواء كانت بالربا أو القمار أو غيرها من العقود الفاسدة والمعاملات المحرمة (^١)، حتى وإن كانت عن طريق الحيلة، وظاهرها طريقة
_________________
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ٥١١.
[ ٦٤ ]
شرعية، فليحذر صاحبها هذا العقاب (^١)، لما في هذه المعاملات من الاعتداء والتجاسر على أمر الله، والظلم الواقع على عباده فعلى العبد أن يتحرى ما فيه نجاته وعتق رقبته من النار. وخير وسيلة لتجنب أكل المال بالباطل أن يتعلم العبد ما يهمه من هذه الأحكام، وأن يسأل من يثق بعلمه وتقواه من أهل الفتوى، حتى لايكون معتديا ظالما. (^٢).
ومن المعاملات التي هدد الله فاعلها بسوء العقاب لما فيها من أكل مال الناس بالباطل: التطفيف (^٣) في الميزان كما قال ﷿: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣].
فقد توعد الله المطففين بالهلاك والعذاب وقد وصفهم الله أنهم إذا اكتالوا على الناس يأخذون حقهم بالوافي الزائد أما إذا كالوا للناس فهم ينقصون منه (^٤) وهذا من أعظم الظلم لأن عامة الناس محتاجون للمعاملات المبنية على الكيل والوزن، ولذلك عظّم الله أمر المكيال والميزان فقال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن: ٧ - ٩] وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
ولقد قص الله لنا في كتابه من ختم لهم بسوء العاقبة بسبب كفرهم بالله وبخسهم وتطفيفهم في الميزان، وهم أصحاب الأيكة، فقد قال لهم نبي الله شعيب ﵇: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣]. ولكن حين عصوا واستكبروا وخالفوا أمر الله في ذلك سلط الله عليهم أشد أنواع العقاب فقد أخبر تعالى
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، (٢/ ٢٦٨).
(٢) انظر: البحر المحيط، لأبي حيان (٣/ ٣٢٥).
(٣) الطاء والفاء يدلُّ على قِلّةِ الشيء. يقال: هذا شيءٌ طفيف. ويقال: إِناءٌ طَفَّانُ، أي ملآن. والتَّطْفِيف: نقص المكيال والميزان في الإيفاء والاستيفاء. قال بعض أهل العلم: إِنّما سمِّي بذلك لأنَّ الذي ينقصه منه يكون طفيفًا. انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (٣/ ٤٠٢)، المفردات، الراغب الأصفهاني (ص ٣٠٥)
(٤) تفسير القرآن العظيم، (٨/ ٣٤٦).
[ ٦٥ ]
أنهم قد أخذتهم الرجفة فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)﴾ [الأعراف: ٩١]، وأخبر أنهم أخذتهم الصيحة فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود: ٩٤]. وأخبر أنهم أخذهم عذاب يوم الظلة فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ [الشعراء: ١٨٩]. فقد جاءتهم سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام، وما أشدها وأقساها من عاقبة سيئة (^١)، أبعدوا فيها وخابوا وخسروا كما قال تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [هود: ٩٥].
ومن الذين يأكلون أموال الناس بالباطل وجاء فيهم الوعيد الشديد بسوء العاقبة: الذين ينفقون سلعتهم بالحلف الكاذب، فعن أبي ذر ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
(ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثَ مِرَار،قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِب) (^٢)