• المطلب الأول: قول المعروف عند الحجر على مال السفيه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].
نهى الله ﷾ في هذه الآية أن تُجعل الأموال في يد السفهاء رحمة بهم، والسفيه في هذه الآية هو كل من لا يحسن التصرف في ماله، بالتضييع والإفساد وسوء التصرف فيه رجلا كان أو امرأة صغيرا أو كبيرا (^١)، فيدخل في ذلك الأيتام (^٢) المتصفين بالسفه، فيجب أن يحجر عليهم حتى لا يحصل منهم تضييع للمال.
وكما أمر الله ولي السفيه بالإنفاق عليه فقد أمره بحسن التعامل معه وقول المعروف له بأن يعده بإعطاء المال له حال رشده، وأن يطمئنه أن مآل المال راجع إليه، ويبين له أنه قائم على رعاية هذا المال، إلى غير ذلك مما هو من قول المعروف (^٣).
وهذا القول الحسن يسهم في بناء المجتمع بناء أخلاقيا، وذلك من وجوه:
• الوجه الأول: أن قول المعروف يؤثر في نفس السفيه وقلبه فيزيل السفه عنه، فإن الولي إذا قال لوليه: إن المال صائر إليك حال رشدك، يثير في نفس السفيه تفكيرا في تدبير الأمور، ويكون حافزا له ليتدرب على الترشد في المال، أما إن أغلظ القول له فإنه يزيد سفها إلى سفهه، ويجعل تفكيره محصورا في استخلاص المال من الولي بأي وسيلة كانت. (^٤)
• الوجه الثاني: أن قول المعروف أبقى للمودة بين الولي ووليه، فإن السفيه يستنكر منع ما يطلبه دون النظر في مصلحة ذلك، فإذا أضاف الولي إلى منعه قولا منكرا
_________________
(١) انظر: جامع البيان (٧/ ٥٦٥).
(٢) اليتيم في اللغة هو المنفرد عن الأب (التعريفات ص ٣٣١) (معجم مقاييس اللغة ٦/ ١٥٤) وعند الفقهاء هو من مات أبوه قبل البلوغ انظر: مغني المحتاج (٣/ ٥٥).
(٣) انظر: جامع البيان (٧/ ٥٧٣).
(٤) انظر: التفسير الكبير (٩/ ١٩٣).
[ ١٨٠ ]
فسينتج عن ذلك سوء أخلاق المحجور عليه بل قد يتهمه ويسمع وليه كلمات مكروهة فيحصل بذلك الخلاف والشقاق.
أما إذا أحسن الولي القول، ووعظه بالحسنى، فذلك أدعى لبقاء الكرامة بين الأولياء ومواليهم، وقد ينتفع السفيه بقول المعروف، فتكون سببا في صلاح حاله (^١)، وهكذا تقوى أواصر المجتمع وتترابط.
• الوجه الثالث: أن جانب السفيه موصوف بالهوان لنقصان عقله وقلة تدبيره - وهي نقصان في الخِلقة- وذلك قد يحمل وليه على التلفظ عليه بسيء الألفاظ وإسماعه ما يكره، وهذا يجعل حال السفيه من صغار إلى صغار، أما إذا أكرمه الولي وتحمّل ضعفه الجبلّي وألان له القول، فذلك يرفع من شأن المحجور عليه ويشعره بالكرامة، فلا يشعر بالهوان والدون في تعامله مع الناس ولذلك فإن الله تعالى نهى أن يقهر اليتيم فقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩]. فقد يحصل من اليتيم ما يستدعي قهره فنهى الله ﵎ عن جميع أنواع القهر بالقول والفعل (^٢).