فقد ذكّر الله عباده بمراقبته حين أمر بحفظ مال اليتيم ونهى عن التصرف فيه بما يعود عليه بالضرر فقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ١ - ٦].
_________________
(١) التعريفات (١/ ٢٦٦).
(٢) لسان العرب، ابن منظور (١/ ٤٢٤)
(٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، برقم (٥٠)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان برقم (٨).
[ ٤٦ ]
فأخبر تعالى في بداية هذه الآيات أنه رقيب مطلع على أحوال العباد حال تصرفهم في أموال اليتامى إذ لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة، لأنه لا ناصر لهم، وقد يكونون من ذوي الأرحام. (^١)
فقد يتحايل الولي ويأخذ المال الجيد من مال اليتيم ويقوم بإعطائه المال الرديء بحجة الاستبدال، وقد يجمع مال اليتيم إلى ماله دون حاجة لذلك، ولم يعلم أن الله مطلع عليه عالم بنواياه ولذلك فقد أشار الله إلى اطلاعه وعلمه فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ (^٢) [البقرة: ٢٢٠].
وقد يتصرف الولي في مال اليتيم فينفق منه كيف شاء ويضعه في غير موضعه متعللا بإنفاقه على اليتيم قبل بلوغه، إذ لو بلغ اليتيم الحلم لما استطاع أن يتنعم الولي بالمال فنهى جل وعلا عن هذا التصرف، فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ وأمر الغني بالتعفف، وأوصى الفقير أن يأخذ ما يكفيه بالمعروف فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وقد اختلف العلماء في قوله: (فليأكل بالمعروف) هل هو على سبيل القرض ويقضي إذا أيسر أم لا؟
فمن العلماء من قال أنه على سبيل القرض (^٣)، فعن علي بن أبي طلحة (^٤) عن ابن عباس ﵁ قال: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
_________________
(١) نظم الدرر (٢/ ٢٠٨)
(٢) انظر: جامع البيان (٧/ ٥٢٧)، تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٨١)
(٣) وهو قول عبيدة السلماني ومجاهد وسعيد بن جبير، قالوا لأنه استباحه من مال غيره فلزمه قضاؤه كالمضطر إلى طعام غيره، انظر: المغني (٦/ ٣٤٤).
(٤) علي بن أبي طلحة واسمه سالم بن المخارق الهاشمي يكنى أبا الحسن أصله من الجزيرة وانتقل إلى حمص روى عن ابن عباس ولم يسمع منه بينهما مجاهد، وأبي الوداك جبر بن نوف وراشد بن سعد المقرئي، وروى عنه داود بن أبي هند ومعاوية بن صالح الحضرمي وسفيان الثوري قال أحمد بن حنبل: "كان في مصر صحيفة واحدة من التفسير قد رواها علي بن أبي طلحة، من رحل من طالبي التفسير لتحصيلها لا يعد كثيرا" ونقل البخاري من تفسيره رواية معاوية بن صالح عنه عن بن عباس شيئا كثيرا في التراجم وغيرها ولكنه لا يسميه يقول قال ابن عباس أو يذكر عن ابن عباس، له عند مسلم حديث واحد في ذكر العزل قال عنه ابن حجر: صدوق مات سنة ١٤٣ هـ (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٩٨) (طبقات المفسرين الأدنه وي ١/ ٢٤)
[ ٤٧ ]
يعني القرض. (^١)، وعلى هذا القول يجب على الولي مراقبة الله تعالى في رد القرض، لأنه جل وعلا هو المطلع عليه في أخذه لمال اليتيم ورده له.
من العلماء من قال: لا يلزم الفقير العوض، وهو الصحيح (^٢) لأنه عوض عن عمله فلم يلزمه بدله، وعلى هذا فيجب على الولي الفقير أن يراقب الله تعالى في أخذ ما يكفيه بالمعروف.
فعن عمرو بن شعيب (^٣) عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، قال: فقال: (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل (^٤» (^٥) وعن عائشة ﵂ قالت: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ
_________________
(١) جامع البيان (٧/ ٥٨١)، وسنده حسن، قال ابن حجر: وعلي صدوق لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون هذه النسخة (العجاب ١/ ٢٠٧) انظر: موسوعة التفسير الصحيح، أ. د. حكمت بشير (١/ ٤٦).
(٢) وهو قول النخعي وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والحسن البصري ورواية للإمام أحمد وقول للشافعي، وحجتهم أنه لو كان رد المال واجبا على الفقير إذا أيسر لكان واجبا عليه في الذمة قبل اليسار. انظر: المغني (٦/ ٣٤٤)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢١٧).
(٣) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص الإمام المحدث أبو إبراهيم فقيه أهل الطائف ومحدثهم حدث عن أبيه فأكثر، وعن سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء، وحدث عنه الزهري وقتادة وعطاء بن أبي رباح شيخه وعمرو بن دينار، قال الأثرم: سئل أبو عبد الله، عن عمرو بن شعيب، فقال: ربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شئ، وقال الدارقطني: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد: الأدنى منهم محمد، والأوسط عبد الله والأعلى عمرو، وقد سمع شعيب من الأدنى محمد، ومحمد تابعي، وسمع جده عبد الله، فإذا بينه وكشف، فهو صحيح حينئذ، قال: ولم يترك حديثه أحد من الأئمة، ولم يسمع من جده عمرو بن العاص قال ابن حجر: صدوق من الخامسة مات سنة ١١٨ هـ (السير ١٦٥ - ١٧٦)، (تقريب التهذيب ١/ ٤٢٣).
(٤) المتأثل: أي الجامع، انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ١٩٢).
(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، بَاب مَا جَاءَ فِي مَا لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَنَالَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، برقم (٢٨٧٢)،والنسائي في كتاب الوصايا، باب مَا لِلْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا قَامَ عَلَيْهِ، برقم (٣٦٦٨). قال الألباني: حسن صحيح. انظر: صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٥٥) برقم (٢٤٩٦). انظر: موسوعة التفسير الصحيح (٢/ ٩).
[ ٤٨ ]
فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. (^١).
وقد أمر الله - جل وعلا- الوليَّ بألا يتسرع في التخلص من مال اليتيم بدفعه إليه قبل أن يتحقق في اليتيم شرطان:
الأول: البلوغ.
والثاني: إيناس الرشد (^٢).
فإذا لم يكن عند ولي اليتيم خوف من الله تعالى فإنه يرى في مال اليتيم فرصة وغنيمة يتعجل فيها المال (^٣)، ولذا فإن الله ﷿ كما أخبر في أول الآيات أنه مراقب لهم ومطلع عليهم ختم هذه الآيات بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]
أي: وكفى بالله محاسبا وشهيدًا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. (^٤)
لأنه لا ضمان لهذه الأموال إلا بوازع مراقبة الله تعالى والخوف منه، إذ لا يستطيع اليتيم أن يطالب بحقه وخصوصا إذا كان وليه ذا قرابة له.
وكما نهى الله عن ظلم اليتيم، فقد أمر الله بالإحسان إليه فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]
وذلك بالمحافظة على أموال اليتامى وتنميتها وتثميرها له بالتجارة في مواقع النظر والسداد التي يغلب على الظن فيها السلامة والتنمية، ويأمن عليها من الضياع والتلف (^٥)، وهذه
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب: (الآية)، برقم: (٤٢٩٩)،ومسلم في كتاب التفسير برقم (٣٠١٩).
(٢) أضواء البيان (١/ ١٨٨).
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ١٦٤).
(٤) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢١٤).
(٥) انظر: العذب النمير، الشنقيطي (٢/ ٨٥٢).
[ ٤٩ ]
المرتبة من أعظم مراتب المراقبة، لما فيها من الإحسان إلى اليتيم بتثمير ماله والاتجار به دون ظلمه أو الأخذ منه.