ويتضح ذاك في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١].
وهذه الآية هي آية المواريث التي بين الله فيها ميراث الأولاد والوالدين وقدّر نصيبهم من تركة الميت، وقد ختمها الله ﷿ بقوله: (إن الله كان عليما حكيما).
وحكمة ختم الآية بهذين الاسمين المشتملين على صفتي العلم والحكمة لله ﷾، لِما في ذلك من إرشاد الخلق إلى امتثال أمر الله جل وعلا في تقديره للمواريث وفرضها على عباد الله لكونها تشريع ممن هو أعلم بعباده إذ هو خالقهم، وهو الحكيم الذي أحكم هذه القسمة، وله الحكمة البالغة في تقدير ما يصلح العباد وما ينفعهم، فلا مجال لمن آمن بذلك إلا التسليم والرضى.
يقول ابن جرير ﵀ حول هذا المعنى: (وأما قوله: (إن الله كان عليمًا حكيمًا): فإنه يعني جل ثناؤه: إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم. "حكيما"لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة). (^٢)
ولربما خطرت للنفس خاطرة بأن التركة لو قسمت على غير هذا الوجه لكانت أنفع وأولى، كما كان أهل الجاهلية يورثون الرجال دون النساء، أو يورثون من الرجال من يحمل السلاح أو نحو هذا، فبين الله - جلت حكمته - شيئا من هذه الحكم حتى تطمئن
_________________
(١) ﴿أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٠٣)، بسند صحيح (التفسير الصحيح ١/ ٢٨٥).
(٢) ﴿جامع البيان (٧/ ٤٩).
[ ٧٧ ]
النفس وتسلم لأمر الله فقال: (لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) فأنكر ﷿ علمهم بما هو أنفع لهم وبين أنهم لا علم لهم بحقيقة النفع، فبعضهم قد يرى النفع كما كان يراه أهل الجاهلية، وبعضهم قد يغلب جانب الأبوة أو جانب البنوة، واعتمدوا في ذلك على أسباب غير منضبطة فرد الله عليهم أنهم لا يدرون من هو أنفع لهم. (^١) وهذه حكمة واحدة من حكم العليم الحكيم ﷾، ولذلك فقد تكفل الله فرض هذه الفرائض بنفسه تعالى وكفانا مؤونة الاجتهاد وأمرنا بما يصلحنا وهو الانقياد له سبحانه (^٢).
فختم الآية بقوله: (إن الله كان عليما حكيما) إنما هو تعليل لفريضته وهي كقوله تعالى للملائكة ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]. حين أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. (^٣)
وفي الآية التي تليها ختمها الله ﷿ بصفة العلم مقرونة بصفة أخرى ألا وهي صفة الحلم فقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢].
فلما بين الله ﷿ في هذه الآية بقية أحكام الإرث، وبين أن هذا الإرث يكون بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية الجائزة، وأكد على النهي عن الإضرار بالورثة في الوصية، ختم الآية بقوله: (والله عليم حليم) فهو سبحانه عليم بما يصلح العباد وما يضرهم فيما فرضه عليهم، وهو عليم بنوايا العباد وأفعالهم سواء من عدل، أو من جار وظلم.
وهو كذلك حليم: أي ذو أناة عن عباده لا يعجل لهم بالعقوبة فيما يحصل منهم من ظلم (^٤).
وذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أنّ الأحكام المتقدّمة فيها إبطال لكثير من أحكام الجاهلية، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعًا مثارُه الجهل والقساوة.
_________________
(١) ﴿انظر: التفسير الكبير (٩/ ٢٢٥)، روح المعاني (٤/ ٢٢٨)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٦٢).
(٢) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٢٥).
(٣) ﴿انظر: التفسير الكبير (٩/ ٢٢٥)، نظم الدرر (٢/ ٢٢١).
(٤) ﴿انظر: جامع البيان (٨/ ٦٨)، روح المعاني، الآلوسي (٤/ ٢٣٢).
[ ٧٨ ]
فإنّ حرمان البنت والأخ للأمّ من الإرث جهل بأنّ صلة النسبة من جانب الأمّ مماثلة لصلة نسبة جانب الأب. فهذا ونحوه جهل، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم فالله عليم بالمصالح حليم بأهل الجهل. (^١)
فعلى العبد المسلم أن يؤمن بهذه الأسماء والصفات حق الإيمان، فإن من مقتضى الإيمان مراقبة الله ﷿ العليم بما في الصدور.
ومن مقتضى الإيمان بها كذلك التوبة والاستغفار، فإذا أذنب العبد وعلم أن ربه حليم لا يعاجل العبد بالعقوبة دعاه ذلك إلى التوبة والاستغفار، وألا يتمادى في مخالفة أمر الله ومعصيته، فإن الله شديد العقاب لمن أصر وتمادى.
ومن لوازم الإيمان بهذه الصفات كذلك أن على العبد أن يحرص على نجاة نفسه بتعلم ما يفيده من أمور دينه وأن يحذر أن يضل بعد أن هداه الله وبيّن له ما ينفعه مما هو بحاجة إليه فقد قال تعالى في آية الكلالة في آخر سورة النساء: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]. والمعنى: يبين الله لكم أحكامه التي تحتاجون إليها لكي تهتدوا وتعملوا بأحكامه ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم والله بكل شيء عليم ويعلم حاجتكم إلى تعليمه وبيانه فيعلمكم ويبين لكم. (^٢)
وكذلك فإن من لوازم علم الله ﷾: قدرته فهو الذي خلقهم وهو أعلم بما يصلحهم، وبهما تثبت ربوبية الله جل وعلا وألوهيته، وذلك يدعو العبد إلى أن يكون مطيعا للأوامر مجتنبا للنواهي منقادا لكل التكاليف. (^٣)
_________________
(١) ﴿التحرير والتنوير (٣٤/ ٢٦٧).
(٢) ﴿تيسير الكريم الرحمن. (ص ٢١٨).
(٣) ﴿انظر: التفسير الكبير (١١/ ١٢٤).
[ ٧٩ ]