لما أمر الله ﷿ عباده بالشكر، وعدد لهم أنواع النعم ليشكروه وأمرهم أن يتفكروا فيها وأنه لو شاء لسلبها عنهم، بين لعباده عاقبة من كفر بنعمة الله فلم يشكرها ولم يؤد حقها، وذاك لبيان أهمية الشكر وأنه مطية لنجاة العبد وفلاحه في الدنيا والآخرة، فضرب لهم الأمثال وقص عليهم القصص، وبيّن لهم حقيقة الشكر الذي يريده منهم.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ [النحل: ١١٢، ١١٣]. وهذا مثل ضربه الله بهذه القرية، وقد اختلف المفسرون في المراد بها فمن العلماء من ذكر أن هذا مثل ضربه الله لأهل مكة، حين
[ ١٤٧ ]
استعصت على رسول الله - ﷺ - كمجاهد وقتادة عن ابن عباس ﵄، وروي عن أم المؤمنين حفصة ﵂ أنها المدينة حين قتل عثمان بن عفان ﵁ ومنهم من قال: إنها قرية غير معينة، ولذلك جاءت القرية بصيغة التنكير. (^١)
وأما ما جاء من وصف هذه القرية فقد حصل لأهل مكة، وبينه الله ﷿ في آيات كثيرة من كتابه، فقوله ﷿: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أخبر الله أنه أنعم على أهل مكة بالأمن حيث كان الناس في خوف فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾ [العنكبوت:٦٧] وبين أنهم مع نعمة الأمن فإن رزقهم وطعامهم يأتيهم في ديارهم وهذه نعمة أخرى عظيمة، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧] وقال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش:١ - ٤]. وجعل هذا الرزق متجددا متنوعا ولذلك عبر عنها بالمضارع فقال: (يأتيها) (^٢)
وأما قوله عن القرية: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ فقد دل عليها قوله ﷿ عن كفار مكة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ [إبراهيم: ٢٨].
_________________
(١) انظر: جامع البيان (١٧/ ٣٠٩، ٣١٠). أضواء البيان (٢/ ١٩٩).
(٢) انظر: روح المعاني (١٤/ ٢٤٢).
[ ١٤٨ ]
وأما بيان ما نزل بأهل القرية في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فقد حصل ذلك لأهل مكة حين تولوا واستكبروا، فدعا عليهم رسول الله - ﷺ - فقال: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف) (^١) فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء، حتى أكلوا الجيف ووبر البعير، وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن من جيوش رسول الله - ﷺ - وغزواته وبعوثه وسراياه. (^٢)
ولما وعظ تعالى بضرب ذلك المثل، وصل هذا الأمر للمؤمنين بالفاء، فأمر المؤمنين بأكل ما رزقهم وشكر نعمته ليباينوا تلك القرية التي كفرت بنعم الله فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤] ولما أخبر عن القرية أنها كفرت بأنعم الله، جاء الخطاب للمؤمنين بقوله: واشكروا نعمة الله (^٣).
وكما ضرب الله هذا المثل فقد قص علينا ما حصل من قوم سبأ من الإعراض وما كانوا فيه قبل ذلك من النعم العظيمة، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ [سبأ: ١٥].
فأخبر الباري جل شأنه أنه أنعم على قوم سبأ بنعم عظيمة كان من أولها نعمة الرزق فقد أنعم الله عليهم في بلدتهم ببستانين جهة اليمين وجهة الشمال، وكان ثمرهما سهل التناول، بل إنه لا يحتاج إلى هذا الجهد، فقد روي أن المرأة كانت تُخرِج مكتلها على رأسها فتمشي بين الجبلين، فيمتلئ مكتلها، وما مست بيدها (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة برقم (٢٧٧٤)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة برقم (٦٧٥).
(٢) انظر: أضواء البيان (٢/ ١٩٩).
(٣) البحر المحيط (٧/ ٣٠٠)، وانظر: التحرير والتنوير (٨/ ١٤٩).
(٤) كما ورد عن قتادة ﵀. انظر: (جامع البيان ٢٠/ ٣٧٦).
[ ١٤٩ ]
فأمرهم الله جل وعلا أن يشكروه على هذه النعمة، فيجازيهم بالعفو الرحمة والغفران.
وأي نعمة أعظم من أن يكون العبد في رغد من العيش ومغفرة وصفح من الرب ولذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
ولكنهم حين أعرضوا عن طاعة الله وشكره، وكفروا هذه النعمة العظيمة بدل الله حالهم ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٦، ١٧].
فأرسل الله عليهم سيلا بدلت بساتينهم الجميلة وثمارهم الناضجة ومناظرهم الحسنة إلى أشجار مليئة الشوك قليلة الثمر من الأراك والسدر، ولما كان أجود هذه الأشجار المبدلة هو السدر قال جل وعلا: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وهذا كله بسبب كفرهم وعدم شكرهم (^١).
ولذلك جعل الله ما حل بهؤلاء القوم من النكال والعذاب، عبرة وآية لكل صبار على المصائب، شكور على النعم فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ [سبأ: ١٩].
فهذه الآيات وما حوته من معانٍ وعظات تبين أهمية الشكر، وأنه سبب النجاة، وطريق للسعادة وطيب الحياة.
وليعلم العبد أنه مهما بذل من الشكر لهذه النعمة فإنه لن يؤديَ شكرها على أتم وجه وأكمله.
ومن شكر الله على هذه النعمة الثناء عليه وحمده عليها فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها) (^٢).
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٦/ ٥٠٨).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، برقم (٢٧٣٤).
[ ١٥٠ ]
ومن الشكر كذلك إظهار ما في القلب من حقوق هذه النعمة باللسان، بتأليه الله وتوحيده، وبالجوارح بالعمل بطاعته والانتهاء عن معصيته، وأن يشفق العبد من زوال هذه النعمة (^١)، فعن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوٍ). (^٢)
_________________
(١) انظر: شعب الإيمان (٤/ ٨٥).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم (٢٧١٥).
[ ١٥١ ]