ومن الصبر كذلك الصبر في الإنفاق على زوجته وأولاده من الحلال، فمع قلة ذات اليد واضطراب الأرزاق، قد يكون النكاح سببا في أن يلج الإنسان باب الحرام فيُدخِل في جوف زوجته وعياله ما حرم الله فيكون ذلك سببا في هلاكه.
ولذلك كان لزاما على العبد أن يصبر على هذا النوع من العداء، ألا وهو عداء المحبين.
وما أجمل أن يجد العبد زوجته وأولاده عونا له على الطاعة، يحثونه على الخير ويحذرونه من اكتساب الحرام، وأنهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على النار، حينها يعيش العبد في طمأنينة وسعادة. ولا يكون ذلك إلا بتربية الأهل والزوجة على الطاعات وخصال الخير، والورع، والابتعاد عن المعاصي والذنوب، وهذا يحتاج من العبد إلى تصبر ومجاهدة حتى يستقيم البيت كله على طاعة الله
ولذلك فقد أمر الله نبيه - ﷺ - فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢].
_________________
(١) ﴿تيسير الكريم الرحمن، (ص ٨٦٨).
[ ١١٣ ]
فلما كانت العبادة شديدة على النفس ورعايتها تحتاج إلى مجاهدة أمر الله بالاصطبار عليها، فكيف بالزوجة والأولاد. (^١)
ولاشك أن هذا يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة، بل وعد الله بالرزق من امتثل أمره فقال: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ أي: لا نسألك مالًا بل نكلفك عملا ببدنك، نؤتيك عليه أجرا عظيما وثوابا جزيلا ونعطيك المال ونكسبكه. (^٢)
وعلى هذا فإن النكاح مدرسة للتربية على الصبر، وكفى بالإنسان رفعة وفلاحا أن يكون من الصابرين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]. وقال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]
_________________
(١) ﴿انظر: روح المعاني، (١٦/ ٢٨٥).
(٢) ﴿جامع البيان، (١٨/ ٤٠٥).
[ ١١٤ ]