لقد أقام الله السماوات والأرض على العدل، وأمر به، وفي المقابل فقد حرم الظلم على نفسه، وحرمه على عباده، فعن عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا الحديث) (^٢).
ولما أمر الله عباده بالعدل بين الزوجات حال التعدد، كانت التقوى من أعظم ما يدعو إلى العدل، ولذلك فقد ذكّر الله عباده وأمرهم بها كي تستقيم الحياة وينعم العبد (^٣).
_________________
(١) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢١/ ٢٢)، التحرير والتنوير (٢٨/ ٢٨٤).
(٢) ﴿رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (٢٥٧٧).
(٣) ﴿انظر: نظم الدرر (٢/ ٢٠٤).
[ ٨٧ ]
فأخبر في هذه الآية ألا جناح على المرأة إذا هي خافت من زوجها نشوزا وأثرة عليها إلى غيرها واستعلاء منه أو انصرافا عنها، أن تتصالح معه فيما يتفقان عليه لبقاء واستدامة عقد النكاح من ترك يومها له أو إعطائه مالا أو نحو ذلك، فلما بيّن ذلك ذكر عباده بالتقوى وأن ذلك خير من إلجاء المرأة إلى التنازل عن شيء من حقها فقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨].
فوعد الله بالأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقى الله في نسائه وأبقى من كرهها وقسم لها ما قسم لمثيلاتها، وإن وجد في ذلك مشقة وكراهية، فما عند الله خير وأبقى، ولعله بامتثال أمر الله وبالصبر عليها وحسن معاشرتها وتحمل خلقها وطبعها تصفو حياتهما وتنقلب الكراهية إلى محبة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر) (^١).
ولما كان قلب العبد بمنزلة لا يستطيع معها أن يساوي ويعدل في محبته لأزواجه رفع الله ﵎ الحرج عن عباده في ذلك وبين أن التقوى هو إصلاح العمل بالقسم بين النسوة بالسوية وعدم الميل والجور في التعامل.
فقد قال ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩].
_________________
(١) ﴿رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، برقم (١٤٦٩)، ويفرك: أي يبغض.
[ ٨٨ ]
فقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم (^١) بسنديهما عن علي أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، يعني: في الحب والجماع. (^٢)
فالواجب على الرجل حينئذ ألا يتعمد الإساءة لزوجته، أو يظلمها في حقها فتكون كالمعلقة لا هي مطلقة ولا هي متزوجة فهذا هو المنهي عنه، فعن مجاهد قال: لا تعمدوا الإساءة.
وعن ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁ قال: تذروها لا هي أيِّم ولا هي ذات زوج. (^٣)
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقسم فيعدل فيقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) (^٤).
ثم بين ﵎ أن تقوى الله وامتثال أمره فيما يملك العبد من الإحسان إلى زوجته وإصلاح ما سلف سبب لمغفرة الذنوب. فقال: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ وما أسعد العبد إذا غفر الله له ذنوبه ورحمه لأنه اتقاه. فالعبد محتاج لهذه التقوى لأن فيها صلاح له ونجاة في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو محمد التميمي الحنظلي الإمام ابن الإمام حافظ الري وابن حافظها سمع من أبيه وابن وارة وأبي زرعة وروى عنه أبو الشيخ بن حيان ويوسف الميانجي أخذ علم أبيه وأبي زرعة وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال كان عابدا زاهدا من كبار الصالحين ومن تصانيفه التفسير المسند وكتاب الجرح والتعديل وتوفي سنة ٣٢٧ هـ (طبقات المفسرين للأدنه وي ص ٦٦).
(٢) ﴿جامع البيان، (٩/ ٢٨٦). تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٨٣).
(٣) ﴿جامع البيان (٩/ ٢٩٠).
(٤) ﴿رواه أبو داود في السنن، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء برقم (٢١٣٤)، والترمذي في كتاب النكاح، باب التسوية بين الضرائر، برقم (١١٤٠)، والنسائي في كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، برقم (٣٩٤٣)، وابن ماجه في كتاب النكاح باب القسمة بين النساء، وأحمد في المسند برقم (٢٥١٥٤). والحاكم في المستدرك في كتاب النكاح برقم (٢٧٦١) قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
[ ٨٩ ]