قال جل وعلا مبينا ما عليه أهل الشرك من السخف والتعدي عليه ﵎: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ
_________________
(١) وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس ﵄، (انظر: جامع البيان ١٠/ ٥١).
(٢) وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير (انظر: المصدر السابق ١٠/ ٤٩).
(٣) وقد رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٥). وابن كثير في تفسيره وقال: جمهور السلف والخلف على إيجاب الجزاء لمن تكرر منه القتل (٣/ ١٩٦).
(٤) انظر: جامع البيان (١٠/ ٥٥).
[ ١٥٩ ]
بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ [الأنعام:١٣٦].
أخرج الطبري بسنده إلى ابن عباس: (جعلوا لله من ثمراتهم وما لهم نصيبًا، وللشيطان والأوثان نصيبًا. فإن سقط من ثمرة ما جَعَلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب الله التقَطُوه وحفظُوه وردُّوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدُّوه. فهذا ما جعلوا من الحروث وسِقْي الماء. وأما ما جعلوا للشيطان من الأنعام فهو قول الله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣]) (^١).
وهذا الفعل منهم في غاية الجهل والتعالي على الله ﷿.
ولا شك أن من خف قلبه من تعظيم الله الخالق البارئ الذي ذرأ وبرأ (^٢) لهم الحرث والأنعام ليأكلوا منها، وركب سبيل الهوى فإنه يعظم ما لا يستحق التعظيم من الأوثان والأحجار بل ويقدم لهم القرابين التي خلقها الله وأوجدها، فأين تعظيم الله ﵎؟!!
بل هذا غاية الجهل والسفه، فعن ابن عباس ﵄ قال: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَلْيَقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠]) (^٣).
وذلك أنهم فضلوا ما جعل لغير الله على ما جعل له ﷾ وعظموا غير الله على الله ﵎، ولذلك ذمهم الله ﵎ ووبخهم، وختم الآية بقوله:
_________________
(١) جامع البيان (١٢/ ١٣٢).
(٢) ذرأ وبرأ بمعنى خلق إلا أن برأ لها من الاختصاص بخلق الحيوان ما ليس لغيرها (انظر: لسان العرب ١/ ٣١)
(٣) أحكام القرآن، ابن العربي (٢/ ٧٥٢).
[ ١٦٠ ]
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء ما يقسمون، فقسمتهم بين الله الخالق المالك الذي لا يتقرب إلا إليه، وبين آلهتهم في ذاتها سيئة وآثمة، ثم تفضيل ما جعل لغير الله والجور في القسمة، يدل على سوء حكمهم (^١)، وجرم صنيعهم، وقد بين الله في الآيات بعدها أنه سيجزيهم على هذه الفرية العظيمة، والوصف الظالم الآثم.
وبهذا يعلم العبد أن الفلاح والفوز بتعظيم شعائر الله جل وعلا فيما أمرنا ونهانا، وأن تعظيم هذه النعم إنما هو تعظيم للمنعم سبحانه.
وأن الشقاء كل الشقاء في التعدي على ما نهى الله عنه، والتجرؤ على حقوقه ﵎ بإشراك أي أحد معه.
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٤٤).
[ ١٦١ ]