كان العرب في الجاهلية إذا كانت اليتيمة في حجره، كره أن يشاركه فيها أحد غيره فإن كانت جميلة تزوجها بدون أن يُصْدِقها، أما إن كانت دميمة عضلها ومنعها من الزواج خشية أن يشاركه أحد في مالها أو يفوت عليه هذا المال، فأنزل الله قوله (^٤):
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧].
_________________
(١) ﴿هو أسامة بن زيد، أبو زيد الليثي مولاهم المدني. الإمام العالم الصدوق حدث عن سعيد بن المسيب، ومحمد ابن كعب القرظي، وعمرو بن شعيب، روى عنه حاتم بن إسماعيل، وابن وهب، وأنس بن عياض، قال يحيى ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقد يرتقي حديثه إلى رتبة الحسن، استشهد به البخاري وأخرج له مسلم في المتابعات، توفي ١٥٣ هـ. (سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٢، ٣٤٣)
(٢) ﴿جامع البيان (٥/ ١١٠).
(٣) ﴿التفسير الكبير (٦/ ١٤٥).
(٤) ﴿انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٧٧)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٢٤).
[ ١٠٢ ]
ولما كان الأمر في الجاهلية بهذه المنزلة أمر الله عباده المؤمنين باجتناب ظلم اليتيمة، ثم حثهم على فعل الخير فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ وفي هذا إشارة إلى سعة علم الله واطلاعه على عباده، وهذا يدعو العبد إلى مراقبة الله والخوف من عقابه إن هو عضلها أو ظلمها.
وفي الآية دعوة كذلك إلى المنزلة العليا من المراقبة وهي الإحسان إلى اليتيمة بأن يتطلب لها الولي من هو خير منه، أو لا يرد مَن طلبها فإن الله ﷿ وعد على ذلك بأحسن الجزاء فقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل:٩٦].
ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يأخذ الناس بالدرجة العليا في هذا المعنى فكان إذا سأل الوليَّ عن مولاته فقيل: هي غنية جميلة قال له: اطلب لها من هو خير منك وأعْوَد عليها بالنفع. وإذا قيل: هي دميمة فقيرة قال له: أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك (^١).