أمر الله ﷿ المتدايِنَيْن بكتابة الدين بينهما سواء أكان صغيرا أم كبيرا فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وبين جل وعلا أن لهذه الكتابة حِكما عظيمة، ومن تلك الحكم ما نص عليه جل وعلا في قوله: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ومعنى الآية: أن من حِكَم كتابة الدَّين وكيفيته ومقداره بين المتدايِنَيْن أنه أقرب إلى عدم الريبة بين الطرفين، حيث يرجع للكتاب الذي كتِب فيفصل النزاع، ويزيل ما يعلق في القلب من شكوك. (^٢)
وهذا من عظيم فضل الله بالمجتمع المسلم أن قطع عنهم السبل والوسائل التي تؤدي إلى حصول الريبة والشكوك.
فأي أخوة ترجى بعد ذلك؟ وخصوصا إذا اتسع الأمر وانتقل الأمر من مجرد الظن إلى التباغض والتنازع وما يحصل جراء ذلك من غيبة ونميمة (^٣).
_________________
(١) انظر: نظم الدرر (٢/ ٢٤٦).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٧٢٥).
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ١١٨)، تفسير سورة البقرة للعثيمين (٣/ ٤١٨).
[ ١٩٢ ]
وقد بين الله ﵎ أن هذه الظنون تقدح في الأخوة فوصفها بالإثم فقال:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) (^١).
ولأجل هذا فقد حث أحكم الحاكمين على قطع ما يفضي إلى الشكوك والظنون في مثل هذه الحالة، حرصا على تكاتف المؤمنين وتآخيهم كما نص الحديث السابق.
وفي بعض الأحوال يحصل من حسن الظن والمحبة بين الأخ وأخيه ما يُشعر الدائن بالأمان والاطمئنان نحو المدين، فإن وصل الأمر إلى هذا الحد فلا بأس حينئذ من عدم الكتابة أو الرهن (^٢) كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وهكذا تتوثق الصلات بين المجتمع، ويحب كل أخ لأخيه ما يحبه لنفسه. (^٣)