قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨].
فكما أمر الله عباده بالتقوى في اجتناب ما حرم، فقد أمرهم بأن يتقوه فلا يحرموا طعام طيبا أباحه الله لهم!! فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ لأن الإيمان يحمل على التقوى في امتثال الأوامر واجتناب النواهي (^٣)، فإذا حرّم العبد على نفسه المباح، فقد أصبح مخالفا أمر الله، وليخش من العقوبة وعليه بالتوبة إلى الله تعالى وملازمة التقوى. (^٤)
_________________
(١) ﴿انظر: جامع البيان (٩/ ٥٦٤).
(٢) ﴿انظر: جامع البيان (٩/ ٥٧٢)، نظم الدرر (٢/ ٣٩٧).
(٣) ﴿البحر المحيط (٤/ ١٥).
(٤) ﴿انظر: جامع البيان (١٠/ ٥٢٣).
[ ١٢٧ ]
كما أن الآية تدل على أن أكل الطيبات واللذائذ لا ينافي التقوى.
وقد ورد النهي الصريح عن النبي - ﷺ - فيمن يزهد عما أحل الله له فعن أنس بن مالك ﵁ أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش.
فحمد الله وأثنى عليه فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (^١)، وفي لفظ من حديث عائشة ﵂: (ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فو الله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية) (^٢).
فأعلمهم النبي - ﷺ - أنه وإن غفِر له إلا أن ذلك لا يمنعه من التعبد لله.
فكل فعل يفعله - ﷺ - من عزيمة ورخصة فهو فيه في غاية التقوى والخشية، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجد في العمل قياما بالشكر، وما ترخص فيه فإنما هو للإعانة على العزيمة ليعملها بنشاط.
وبهذا يُعلم أن التنزه مما ترخص فيه رسول الله - ﷺ - ليس من التقوى في شيء، بل قد يكون من أعظم الذنوب وأخطرها على العبد (^٣).
وقد أنكر الله ﷿ على من امتنع عن أكل الطيبات تزهدا وتمنعا بلا حاجة أو لما يلقيه أهل الضلال من الشبهات فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٩].
_________________
(١) ﴿رواه مسلم في صحيحه، في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم (١٤٠١).
(٢) ﴿رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع، برقم (٦٨٧١).
(٣) ﴿فتح البار ي (١٣/ ٣٤٢).
[ ١٢٨ ]
فالاستفهام يتضمن الإنكار على من امتنع عما أباح الله تعالى له، ويتضمن الإنكار على من يتبع هواه فيقول: (ما ذبح الله بسِكِّينهِ خير مما ذبحتم بسكاكينكم) قولا على الله تعالى بغير علم لأن الحكمة إخراج ما حرمه الله علينا من الدم بخلاف ما مات حتف أنفه (^١).
ولكن الحق: أن اتباع أمر الله تعالى خير من اتباع الأهواء، وهذا هو التقوى ولذلك قال تعالى في الآية التالية: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ [الأنعام: ١٢٠].
فالتقوى الحقيقية هي التقرب إلى الله بترك الآثام والمعاصي الظاهرة والباطنة التي حرمها الله ﵎ لا بترك الحلال الطيب. (^٢)
كما أن من تقوى الله عدم الاعتداء فيما هو حق له ﷿، وهو التحليل والتحريم فهو أعلم بما يصلح العباد.
وقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى قتادة أنه قرأ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧] فقال: (منْ حَرَّمَ حَلالَ اللَّهِ فَقَدْ أَحَلَّ حَرَامَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ) (^٣).