وإذا أنجز الله لعبده ما وعده من تيسير النكاح، فلا يظنن المسلم أن هذا نهاية عهده بالصبر، بل هو مقبل على حوادث لا غنى له عنه، فإن الصبر هو الحل الأمثل والعلاج الرباني الذي أمر الله تعالى به، فلئن صبر العبد في بداية أمره حتى أنعم الله عليه بالنكاح، فإنه يحتاج في التعامل مع زوجته وأولاده إلى الصبر وقد يكون هذا الصبر صبرا عن معصية الله، وقد يكون صبرا في طاعة الله.
وقد بين الله تعالى ذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].
_________________
(١) ﴿البحر المحيط (٣/ ٣١٤).
(٢) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٤٣)، روح المعاني (٥/ ١٢).
(٣) ينسب هذا البيت لعلي بن طالب ﵁ ومطلع قصيدته: (رأتك الليالي يابن آدم ظالما ..)
(٤) ﴿أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة (انظر: الدر المنثور ٤/ ٣٤٤).
[ ١١٢ ]
فإن الزوجة والأولاد قد يفتنان الزوج ويصدانه عن الطاعات وأعمال البر، فكثير من الأزواج قد يتقاعس عن فعل الخير بسبب استعطاف زوجته له فإذا فات الأمر وانقضى همَّ أن يعاقبها أو يطلقها، وهذا خطأ بيِّن في كلا الحالين.
وقد وجهنا الله ﵎ التوجيه المناسب تجاه هذه الظاهرة، فحذرنا من طاعتهن في المعصية وأمرنا بالصبر والصفح عنهن، حتى وإن كن سببا في تقصير الزوج في الطاعات فقال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾.
قال السّعدي في تفسيره: (لما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد فيما هو ضرر على العبد، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ لأن الجزاء من جنس العمل) (^١).