ومن الأحوال التي نهى الله عنها وغلظ عقوبة فاعلها لما فيها من الزور، القذف ورمي المحصنات، فهذا غاية الزور والبهتان، فقد رتب الله جل وعلا عليه أغلظ العقوبات في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣].
فبين الله جل وعلا في هذه الآيات خطورة قذف العفيفات الحرائر سواء كن ثيبات أو أبكارا
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم (١٢١٨). ومعنى: (عوان) أي هن عندكم بمنزلة الأسرى
[ ١١٧ ]
ولشناعة هذا القول وما يترتب عليه كانت شهادة الفرد غير كافية، في إثبات وقوع الزنا حتى يأتي بأربعة شهداء عدول، فمن لم يفعل ذلك فقد وقع في الإثم وعرض نفسه للعقوبة
لما لهذا القول المنكر من الشناعة والخطورة فقد رتب الله ﷿ في هاتين الآيتين على من تفوه بهذا القول أربع عقوبات:
الأولى: عقوبة جسدية، وقد جعلت قريبة من عقوبة الزنا، بأن يجلد ثمانين جلدة.
الثانية: عقوبة أدبية، فيكون متهما لا يوثق بكلامه، وترد شهادته.
الثالثة: عقوبة دينية، فيصبح بذلك فاسقا بعيدا عن الإيمان.
الرابعة: عقوبة أخروية، وهي العذاب العظيم والطرد من رحمة الله في الآخرة كذلك.
وإن كانت الآيتين نصت على قذف الرجال للنساء فإن الحكم عامٌّ في قذف الرجال للرجال أو النساء للنساء أو النساء للرجال بإجماع العلماء (^١).
فعلى العبد المسلم الذي يرجو صلاح نفسه ونجاتها أن يبتعد عن قول الزور كبيره وصغيره، فإن من سب إنسانا وقذفه كذبا وزورا بالفسق أو بارتكاب كبيرة من الكبائر أو بما فيه معرة فإنه يلزمه التعزير (^٢).
ومن رحمة الله بعباده أن من تاب من هذه الفرية العظيمة فإن الله يتوب عليه، بعد أن يطهَّر بالجلد، فيرتفع عنه الفسق، ويصبح بين المسلمين ثقة عدلا تقبل شهادته (^٣).
كما لا يناله شيء من الوعيد الأخروي إذا صدقت توبته، لأن عمومات نصوص الكتاب والسنة دالة على أن من تاب تاب الله عليه وإن اقترف كبيرة من الكبائر
لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾
_________________
(١) ﴿أضواء البيان، (٤/ ٤٤ - ٤٦).
(٢) ﴿انظر: التحرير والتنوير (١٨/ ١٦١)، أضواء البيان (٤/ ٤٨).
(٣) ﴿وهذا القول هو قول الجمهور من أئمة المذاهب، خلافا لأبي حنيفة، لأن الاستثناء -عنده- بعد المتعاطفات يرجع إلى الأخير منها. (انظر: تفسير القرآن العظيم ٦/ ١٤، أضواء البيان ٤/ ٤٧).
[ ١١٨ ]
خلافا لمن جعل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ خاصة فيمن رموا عائشة أو بقية أزواج النبي - ﷺ - وأنه لا توبة لهم. (^١)
فليحذر العبد المسلم من خطورة قول الزور وما يترتب عليه من الآفات في الدنيا والآخرة وليجتهد في اجتنابه وخصوصا في بيت الزوجية فإن ذلك أدعى للطمأنينة وراحة العيش وقبل ذلك رضا الله عن عبده وتوفيقه للخير والفلاح في الدارين.
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٤/ ٤٦)، ولأن النبي - ﷺ - لم يعامل حسان ومسطح معاملة المرتدين بل طهروا بالحدِّ (روح المعاني ١٨/ ١٢٧). أما بالنسبة لأمهات المؤمنين بعد نزول تبرئة الله ﷿ فمن رماهن بذلك فهو كافر، قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به [بعد هذا الذي ذكر] في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن. وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم. (تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٢)
[ ١١٩ ]