أمر الله تعالى بتقواه في آية الدَّيْن فقال تعالى في مطْلع الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]
فأمر الله جل وعلا المدين بتقواه عند إملاء الدَّيْن والإخبار به، لأنها تدفعه إلى أداء ما عليه من الحق وتردعه عن بخس صاحب الحق حقه.
وكذلك فإن الأمر بالتقوى ملازم للكاتب في قيامه بالكتابة ابتداءً، وعند أدائه للكتابة لئلا يكتب غير الحق.
وكذا الشاهد فإنه مخاطب بالتقوى في هذه الآية حتى لا يكتم شهادته فيبخس الدائن حقه أو يزيد على المدين ما لم يستدنه، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ والضمير في منه عائد إلى الحق، وهو حق لكلا المتداينين فإذا بخس الكاتب أو الشاهد منه شيئا أضر بأحدهما لا محالة (^١).
_________________
(١) التحرير والتنوير (٣/ ١٠٤)
[ ٤١ ]
وأخرج الطبري (^١) بسنده عن قتادة (^٢) قال: (اتقى الله شاهدٌ في شهادته، لا ينقص منها حقًّا ولا يزيد فيها باطلا. اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يَدَعنَّ منه حقًّا ولا يزيدنَّ فيه باطلا) (^٣)
ثم ختم الله جل وعلا هذه الآية وما فيها من أحكام في الإشهاد والكتابة والنهي عن الإضرار بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأمرهم بالتقوى وبين ثمرتها المترتبة عليها وأن التقوى سبب من أسباب إفاضة العلوم (^٤).
وختْم الآية بتقوى الله وإحاطته وعلمه بجميع الأمور في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يحاول كل واحد منهم أن يبخس غيره ويجلب الحظ لنفسه، كما في الختْم بالتقوى ترغيب في امتثال ما أمر الله به من أحكام في هذه الآية، وهذا الختم جامع لبُشرَى التعليم ونذارة التهديد. (^٥)
_________________
(١) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، الإمام العلم المجتهد المفسر، أبو جعفر الطبري، من أهل آمل بطبرستان مولده سنة ٢٢٤، كان من كبار أئمة الاجتهاد، له كتاب (أخبار الأمم وتاريخهم)، كان ثقة صادقا حافظا رأسا في التفسير إماما في الفقه والإجماع والاختلاف، علاّمة في التاريخ وأيام الناس، عارفا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك، توفي سنة ٣١٠ هـ (سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٦٧)
(٢) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي أبو الخطاب، ولد سنة ستين، روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وأبي العالية، وروى عنه أيوب السختياني، ومعمر بن راشد والأوزاعي، وهو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع فإنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، وعن عبد الرزاق عن معمر قال: قال محمد بن سيرين: (قتادة أحفظ الناس، أو من أحفظ الناس) وقد كان رأسا في العربية والغريب وأيام العرب وأنسابها توفي سنة ١١٨ هـ. (السير ٥/ ٢٦٩ - ٢٨٣)
(٣) جامع البيان (٦/ ٨٦)
(٤) انظر: التحرير والتنوير (٣/ ١١٨).
(٥) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١/ ٥٤٩.
[ ٤٢ ]
ولذا فإن من اتقى الله ﷿ في أداء دَيْنه أو قيامه بالكتابة والشهادة فإن الله يهديه لما فيه الخير والنجاة، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) (^١).
ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح (^٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا قَالَ: صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلَا: فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ، وَإنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا).
ولما كانت التقوى ملاك الخير كله فقد أمر الله بها في الآية التي تليها فقال ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الاستقراض وأداء الديون، باب مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلَافَهَا، برقم (٢٢٥٧).
(٢) البخاري، كتاب الكفالة، باب الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا، برقم (٢١٦٩)
[ ٤٣ ]
فكرر الخطاب للمدين بتقوى الله في رد الأمانة وهي الدَّيْن، وخوطب الدائن كذلك بتقوى الله في رد الأمانة وهي الرهن، وقد عبر الله جل وعلا بالأمانة لما في هذا الاسم من مهابة في النفوس، ولأن عدم الوفاء بالأمانة يعتبر خيانة وذلك ما تستنكره النفس أن توصف به (^١)، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -:
(أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (^٢)،والتقوى مانعة من بخس الحق ومن ضياع الأمانة (^٣).
وقد أكد النبي - ﷺ - على تقوى الله في جميع المعاملات المالية، فعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُه). (^٤) فقوله: (التقوى ههنا) إشارة لكونها تحجز العباد عن هذه المعاملات المشينة.
وهكذا فإن الشريعة الإسلامية جاءت بالتأكيد على التقوى في المعاملات المالية وذلك أن المال مادة البدن، والبدن تابع للقلب، فإذا صلح القلب بالتقوى صلح سائر البدن وإذا فسد القلب فسد سائر البدن فيحصل التعدي والظلم الذي هو خلاف التقوى (^٥) وقد قال
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير (٣/ ١٢٢)
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الإجارة، باب الرجل يأخذ حقه من تحت يده برقم (٣٥٣٤) والترمذي في كتاب البيوع، باب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الذِّمِّيِّ الْخَمْرَ يَبِيعُهَا لَهُ، برقم (١٢٦٤)،صححه الشيخ الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٧٨٣) برقم (٤٢٣)
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي (٥/ ٢٩٨).
(٤) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله برقم (٢٥٦٤)
(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٢/ ٢٣١).
[ ٤٤ ]
النبي - ﷺ -: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْب) (^١).
• ومن تقوى الله جل وعلا في هذا الباب: العلم بأبواب المعاملات المالية، فيعلم العبد ما هو واجب عليه وما هو محرم، وما ينبغي عليه اجتنابه وما يجوز له الإقدام عليه، حتى يكون على بينة وبصيرة فلا يدخل إلى جسده مال حرام بسبب جهله.
• ومن تقوى الله كذلك أن يتقي العبد مواطن الشبهات والريبة، وأن يستفتي قلبه فإن ارتاب في سلعة أو معاملة سأل عنها واستبان حالها، وعليه أن يأخذ بفتوى من يثق بدينه من أهل العلم (^٢)، وخصوصا إذا اختلط الحلال بالحرام، فتقوى الله هي النجاة والمخرج، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢،٣].
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه برقم (٥٢)، ومسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات برقم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵁.
(٢) انظر: إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي (٢/ ١٠٧).
[ ٤٥ ]