وكما بين الله سوء مصير من يأكل مال الناس بالباطل على وجه العموم، فقد خص منهم أصنافا بالتهديد والعقاب، تشنيعا لما يتعاملون به.
ومن هؤلاء: المرابون، فقد بين تعالى سوء عاقبة أكلة الربا وأنهم يقومون يوم القيامة بهيئة مقيتة فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، (٣/ ٤٤٩)، وهذا هو اختيار ابن كثير أن (مدين والأيكة) أمة واحدة وأن العذابين اجتمعا عليها وسيأتي تفصيل ذلك في (ص ١٨٩)
(٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الْإِزَارِ وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ، برقم: (١٠٦).
[ ٦٦ ]
فيبعث آكل الربا كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جميع أهل المحشر. (^١) والتخبط: التخبل فيتخبل من مسه إياه، كما قال قتادة ﵀: (وتلك علامةُ أهل الرّبا يوم القيامة، بُعثوا وبهم خَبَلٌ من الشيطان). (^٢) ولا يخص هذا الوعيد آكل الربا فحسب بل كل من شارك في هذه الصفقة المحرمة، فعن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) (^٣).
فليتأمل المرابي حاله إذا أغراه المال والطمع فقام إلى صفقاته ومراباته كالمجنون لا يفكر إلا في مصلحته وغناه، أنه يقوم يوم القيامة كأن به خبلا ومسا من الشيطان!! فإن تأمل هذا الحال كان رادعا له عن هذا المنكر العظيم، أما إذا عاند واستكبر، فليتفكر فيما ختم الله به الآية حيث قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ فهل يطيق ذلك؟!
وقد وصف لنا النبي - ﷺ - حال آكل الربا، أشنع وصف وأقبحه ليبين سوء عاقبة هذه الجريمة، فعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا) (^٤).
وعلى هذا .. فليعلم المتعامل بالربا بعد أن عرف سوء مآله ومصيره ثم أصر على ذلك أنه مخذول مهزوم، كيف لا وقد أعلن بمعاقرته للربا الحربَ على الله ورسوله، وأنى يستطيع ذلك؟ فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، (٤/ ٣٩٠).
(٢) أخرجه الطبري بسنده عن قتادة (٦/ ١٠)، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وكان من أثبت الناس في قتادة. (انظر: التهذيب ٤/ ٥٧) وهي طريق صحيحة، (انظر: موسوعة التفسير الصحيح، للدكتور: حكمت بن بشير ياسين ١/ ٥٠).
(٣) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله، برقم (١٥٩٨).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب آكل الربا وشاهده وكاتبه، برقم (١٩٧٩)
[ ٦٧ ]
قال ابن عباس ﵁ عند تفسير هذه الآية: (فمن كان مقيمًا على الرّبا لا ينزعُ عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضَرب عنقه) (^١).