ومن المواضع التي أشارت إلى مراقبة الله، قوله جل وعلا في الأمانة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]
ويدخل في هذه الآية كل من هو مؤتمن على أمانة في دِين أو دنيا، ومن ذلك قضاء الدين ورد الحقوق إلى أصحابها، لأن (الأمانة) جاءت بلفظ الجمع فيدخل فيها كل ما يمكن أن يؤتمن الإنسان عليه (^١).
وقد ختمت الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وهذان الاسمان يستلزمان مراقبة الله تعالى إذ هو سميع لما نقول، بصير بما نفعل، فمن تعبد الله تعالى بهذين الاسمين حصلت له المراقبة (^٢)
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قرأ هذه الآية ثم قال: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ) (^٣).
والإحسان في أداء الدين من المراقبة، وهو أن يؤدي العبد الدّيْن على الوجه الأكمل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - دَيْنٌ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا وَقَالَ اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَقَالُوا إِنَّا لَا نَجِدُ سِنًّا إِلَّا سِنًّا هِيَ أَفْضَلُ مِنْ سِنِّهِ قَالَ: (فَاشْتَرُوهَا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) (^٤).
_________________
(١) انظر: جامع البيان (٨/ ٤٩٤)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٣٨)، أضواء البيان (٥/ ٥٦٩)
(٢) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم (٢/ ٦٥).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في الجهمية، برقم (٤٧٢٨)، قال الألباني صحيح الإسناد، والإشارة منه ﷺ أراد بها تحقيق إثبات السمع والبصر لله ببيان محلهما من الإنسان يريد أن له سمعا وبصرا، ولم يرد بذلك الجارحة فان الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين، (انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٧٣)
(٤) رواه البخاري، كِتَاب فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ وَالتَّفْلِيسِ، باب حسن القضاء، برقم (٢٢٦٣)، ومسلم في كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه، برقم (١٦٠١).
[ ٥٠ ]
ومن المراقبة أن يُنظِر الدائن مدينه في أداء دينه إن كان معسرا، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه) (^٢)، فكان إنظاره للناس بما قام في قلبه من مراقبة الله تعالى، فتجاوز الله عنه لما كان يتجاوز عن الناس.
فيجب على العبد أن يستحضر مراقبة الله له وأنه مطلع عليه في معاملته للناس خصوصا تلك التي تتعلق بالحقوق المالية، فإن الله وحده هو المحيط بعباده، ويعلم السر وأخفى.
فمراقبة الله إن غابت من قلب العبد فسد قلبه، وأصبح غاشا لنفسه وللمجتمع، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - مر على صَبِرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني) (^٢).
وهكذا فإن مراقبة الله تعالى تجعل العبد مرتبطا بخالقه، مستحضرا عظمته في كل موقف فيدفعه ذلك إلى العدل في معاملته، وألا يظلم من ظلمه، بل قد يتجاوز ويعفو، فيصلح قلبه ويرتقي إلى درجات الكمال.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف، برقم (١٩٧٢) ومسلم في كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر برقم (١٥٦٠).
(٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ - من غشنا فليس منا، برقم (١٠٢).
[ ٥١ ]