فكما أن الشيطان يزين للعبد المعصية، فإنه قد يأتيه من جانب الورع والزهد فيجعله يحرم على نفسه أمورا قد أباحها الله له فهذه من خطوات الشيطان التي أمرنا الله تعالى باجتنابها فعن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه أتي بضرع (^٢) وملح فجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم، فقال: لا أريد.
فقال: أصائم أنت؟ قال: لا، قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فأطعم وكفر عن يمينك. (^٣)
ولما امتنع أقوام عن أكل اللحم وغير ذلك مما أباحه الله ظنا منهم أن في ذلك تعبدا لله قام النبي - ﷺ - فحمد الله وأثنى عليه وقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي
_________________
(١) جامع البيان (١٢/ ١٨١).
(٢) المراد بذلك الشاة أو البقر (انظر القاموس المحيط ص ٦٨٤).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٨٠). وأخرجه الثوري في جامعه وابن المنذر من طريقه بسند صحيح (انظر: فتح الباري ١١/ ٧٠٠).
[ ١٦٤ ]
وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)، ولا شك أن ما يخالف سنة النبي - ﷺ - من خطوات الشيطان.
ومن خطوات الشيطان في تحريم ما أحل الله ما كان يفعله أهل الجاهلية من تحريم ما أباحه الله لهم، مثل البحائر التي كانوا يجدعون آذانها فلا ينتفع أهل البيت بها ولا بشيء من أشعارها وألبانها، والسوائب التي كانوا يسيبونها لآلهتهم ويحرمونها على أنفسهم، والوصائل التي كانت تلد ستة أبطن فإذا ولدت سبعة جدعت وقطع قرنها ويقولون: وصلت فلا يذبحونها، وكذلك الحام وهو الفحل من الإبل، فقد كان إذا ولد لولده قالوا: حما هذا ظهره فلا يذبحونه (^١)،فخص الله هذه بالإبطال فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة:١٠٣]
وحذر من اتخاذ هذه الوسيلة الشيطانية بالعموم فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس:٥٩].وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل:١١٦]
وقد حذر النبي - ﷺ - من هذا الطريق فعن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - ﷺ - قال في إحدى خطبه: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا (كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ) الخ الحديث. (^٢).
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢١١)
(٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفة التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، برقم (٢٨٦٥).
[ ١٦٥ ]
قال النووي ﵀ في تعليقه على الحديث: والمراد إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة والوصيلة والبحيرة والحامي وغير ذلك وأنها لم تصر حراما بتحريمهم (^١)