لما حرم الله على آدم ﵇ الأكل من الشجرة لم يطمعا في الأكل من الشجرة حتى أتاهما الشيطان وغرهما وأسمى هذه الشجرة بشجرة الخلد مكرا وكيدا منه.
وكذلك الحال مع بني آدم فإن الشيطان يزين لهم ما حرمه عليهم من الطعام والشراب فيزين لهم الخمر بتسميتها شراب الأفراح، أو مشروب الروح ونحو ذلك، فيقع العبد بهذه الوسيلة في المعصية، حيث يخف وقع الاسم عليه فيدعوه ذلك لشرب الخمر. (^٢)
وقد بين النبي - ﷺ - لأمته هذه المكيدة الإبليسية، فعن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، ويضرب على رءوسهم المعازف، والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة، والخنازير) (^٣)
فهاهو النبي - ﷺ - يبين لأمته ما يحصل من تسمية ما حرمه الله تعالى بغير اسمه ومن ذلك الخمر وأخبر بالوعيد الشديد لمن يغير الحقائق ويغر الناس.
_________________
(١) جامع البيان (١٢/ ٨٠، ٨١).
(٢) انظر: إغاثة اللهفان (١/ ١١٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٢٩٥١)، وأبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب ما جاء في الداذي برقم (٣٦٨٨). والنسائي في السنن، كتاب الأشربة، باب منزلة الخمر، برقم (٥٦٥٨)، وابن ماجة في كتاب الفتن، باب العقوبات، برقم (٤٠٢٠)، وابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، باب إخباره - ﷺ - عما يكون في أمته من الفتن والحوادث، برقم (٦٧٥٨)، والحاكم في المستدرك في كتاب الأشربة برقم (٧٢٣٧) وصححه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح لغيره (صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٠٢).
[ ١٦٧ ]
فعلى العبد أن يحذر الوقوع في حبائل الشيطان، فإن أي عمل محرم فهو من خطوات الشيطان، فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: خطوات الشيطان: عمله (^١).
وأخبرنا الله تعالى أن الخمر من عمل الشيطان وحذرنا وأمرنا باجتنابها فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة:٩٠].
ومن عمل الشيطان كل طعام حرمه الله تعالى علينا من ميتة أو مما لم يذكر اسم الله عليه، فهو الذي يحمل العبد على الوقوع في شراكه وفي أعماله المحرمة.
وقد جاء في تفسير قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: أنه هو الذي عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه ثم اقتدى بها غيره (^٢).
ويعضد هذا القول ما أخرجه عبد الرزاق (^٣) عن معمر (^٤)
عن قتادة قال: (لما أهبط إبليس قال: أي رب! قد لعنته فما عمله؟ قال: السحر، قال: فما قراءته؟ قال:
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٧١).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٨٨).
(٣) عبد الرزاق بن همام بن نافع أبو بكر مولى حمير اليماني ولد سنة ١٢٦ هـ حدث عن: معمر، فأكثر عنه، والأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس، وحدث عنه: شيخه سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وابن راهويه ويحيى بن معين وعلي بن المديني، قال عبد الرزاق: لزمت معمرا ثماني سنين، وعن ابن معينقال: كان عبد الرزاق في حديث معمر أثبت من هشام بن يوسف، وقال الإمام أحمد: إذا اختلف أصحاب معمر، فالحديث لعبد الرزاق. قال عنه ابن حجر: ثقة حافظ مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير، وقال البخاري: ما حدث من كتابه فهو أصح، مات سنة ٢١١ هـ (سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٦٤، ٥٦٥) (تقريب التهذيب ١/ ٣٥٤) (التاريخ الكبير ٦/ ١٣٠).
(٤) معمر بن راشد الإمام الحافظ، أبو عروة بن أبي عمرو الازدي، مولاهم البصري، نزيل اليمن، مولده سنة خمس أو ست وتسعين، وطلب العلم وهو حدث، حدث عن: قتادة والزهري وعمرو بن دينار، وهمام بن منبه وحدث عنه: أيوب، وعمرو بن دينار، والسفيانان، وابن المبارك وعبد الرزاق بن همام .. عن معمر، قال: سمعت من قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما شئ سمعت في تلك السنين إلا وكأنه مكتوب في صدري = = قال أبو حفص الفلاس: معمر من أصدق الناس، وثقه النسائي وابن حبان وغيرهم مات في رمضان سنة ١٥٢ هـ أو ١٥٣ هـ (سير أعلام النبلاء ٧/ ٥ - ٧) (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٩)
[ ١٦٨ ]
الشعر، قال: فما كتابه؟ قال: الوشم، قال: فما طعامه؟ قال: كل ميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما شرابه؟ قال: كل مسكر، قال: فأين مسكنه؟ قال: الحمام، قال: فأين مجلسه؟ قال: الاسواق، قال: فما صوته؟ قال: المزمار، قال: فما مصايده؟ قال: النساء) (^١).
فدل هذا الأثر على أن شرب المسكر وأكل المحرمات من أعمال الشيطان، ويريد الشيطان أن يوقع بني آدم في هذه المحرمات التي سماها الله تعالى رجسا أي: شرًّا وسخطا (^٢)، وهي توصل إلى الغواية ولا شك، كيف لا وهي تصد العبد عن ذكر ربه، وعن الصلاة كما نصت الآية الكريمة فهي تلهي القلب والبدن عن خالقه، وتبعده عن النجاح والفلاح، وقد بين الله تعالى في سورة النور أن خطوات الشيطان تقود كذلك إلى الفحشاء والمنكر فقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١].
فمن رحمة الله تعالى وحكمته أن أمرنا باجتناب ما يبعدنا عنه، ونهانا عن كل ما يشين العبد في الدنيا ويوبقه في الآخرة.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب الشعر والرجز برقم (٢٠٥١١) (١١/ ٢٦٨)، والبيهقي في شعب الإيمان، باب في حفظ اللسان برقم (٥٠٩١) (٤/ ٢٧٧).
(٢) انظر: جامع البيان (١٠/ ٥٦٥)، تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٩).
[ ١٦٩ ]