الحمد لله العزيز الوهاب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، الذي أنزل القرآن تبصرة لمن أناب، وقال في محكم الكتاب: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله وعلى جميع الآل والأصحاب وسلم تسليما كثيرا إلى يوم المآب.
أما بعد:
فإن أولى ما أفنى فيه المكلف عمره، وعلق به خاطره وأعمل فيه فكره، تحصيل العلوم النافعة الشرعية، واستعمالها في الأعمال المرضية، وأهم ذلك علم كتاب الله تعالى، الذي تولى سبحانه حفظه بفضله، وأعجز الخلائق أن يأتوا بمثله، وجعل ذلك برهانا لتصديق رسالة من أنزل عليه، وأخبر أن الباطل لا يأتيه من خلفه ولا من بين يديه، ثم العلوم المتعلقة به كثيرة، وفوائد كل علم منها غزيرة (^١)، وأعظم العلوم به تعلقا وأشدهم به ارتباطا موَثَّقا، علم التفسير الذي بيّن ما أُنزِل على نبينا - ﷺ - أعظم بيان، فبه حصل التيسير الذي أنعم الله به على الأمة، والتدبر الذي وصف الله به أهل العلم والحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].
وإن مما أنعم الله به على الأمة، أن جعل الكتاب الذي أُنزِل عليها مشتملا على ما يصلحها في جميع شؤونها، في دينها ودنياها، ومعاشها ومعادها، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
_________________
(١) إبراز المعاني، لأبي شامة المقدسي، ص ٣.
[ ٢ ]
ومما اشتمل عليه القرآن الكريم، آيات المعاملات التي بين الله فيها أحكامه وحد فيها حدوده، وشرع فيها ما يُصلِح الفرد والمجتمع، فلم يشرِّع الله تعالى هذه الأحكام للحفاظ على النظام فحسب، بل شرعها سبحانه لحياة كريمة يصلح فيها حال الأمة جمعاء في الدنيا والآخرة.
وقد اعتنى القرآن الكريم في دعوته للخير ونهيه عن الشر بذكر آثار الخير وعواقبه الحميدة، العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة. (^١)
فهو إن أمر بالأوامر الشرعية ونحوها، نبه العقول النيرة على ما اشتملت عليه من المصالح الضرورية المحتاج إليها في المعاش والمعاد، ما يُجزَم بأنه لا أحسن منها، وأن الحكمة تقتضي الأمر بها، وإن نهى عن المحارم والقبائح أخبر بما في ضمنها من الفساد والضرر والشر الحاصل بتناولها، وأن نعمة الله علينا بتحريمها، وتنزيهنا عنها وتكريمنا، وتعلية أقدارنا عن التلبس بها فوق كل نعمة. (^٢)
والبحث عن هذه الحِكم وإبرازها مطلب مهم تجدر العناية به، ذلك أن النصوص جاءت متضافرة في الكتاب والسنة لبيان هذه الحكم.
ومع كثرة الآيات التي بينت هذه الحكم إلا أنها جاءت بأساليب شتى وطرق متنوعة حتى لا تملها الأسماع ولا تسأم منها النفوس.
فتراه مرة يذكر مع الحكم سببه مقرونا بحرف السببية مقدما أو مؤخرا كما في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩] وقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠] وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا الآية﴾ [المائدة: ٣٢].
_________________
(١) انظر: القواعد الحسان لابن سعدي (ص ٣١).
(٢) تيسير الكريم الرحمن: (ص ٢٣).
[ ٣ ]
وتارة يأمر بشيء ويردفه بوصف يبين عاقبته حسنة كانت أم قبيحة كما في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وقوله:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقوله تعالى في الخمر مبينا عاقبته السيئة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].
وحينًا يذكر الحُكم معللا إياه بحرف من حروف التعليل كما في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وأخرى يبين الحُكم وأثره بأسلوب السؤال والجواب كما في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
وإذا تأملت السنة النبوية تجدها كذلك مليئة بتبيين الحِكم وإظهارها، ومن ذلك قوله - ﷺ - للرجل الذي اطلع عليه من جحر في حجرته: (لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) (^١).
وكذلك ما روته عائشة ﵂ قالت: دف أهل أبيات من البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ - (ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقي) فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك فقال رسول الله - ﷺ - (وما ذاك؟) قالوا نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة (^٢) التي دفت فكلوا وادخروا وتصدقوا) (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر برقم (٥٨٨٧).
(٢) الدافة بتشديد الفاء قوم يسيرون جميعا سيرا خفيفا ودف يدف بكسر الدال ودافة الأعراب من يردمنهم المصر والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة، انظر: (شرح النووي على مسلم ١٣/ ١٣٠).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، برقم (١٩٧١).
[ ٤ ]
وقوله - ﷺ - في الهرة: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) (^١)، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي بينت الحِكم من الأوامر والنواهي (^٢).
وقد سار على ذلك الصحابة ﵃ في بيان الأحكام مع ذكر عللها وحِكمها
فقد كان جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ بعد أن كثر القتل في القراء في معركة اليمامة خشية ضياع القرآن وحفظا للدين.
كما نفى عمر الفاروق ﵁ نصر بن حجاج (^٣) خشية افتتان الناس به لجماله حفظا للعرض والنسل.
وفي زمن عثمان ﵁ شُرِع الأذان الأول للجمعة ليتهيأ الناس للصلاة حتى لا تفوتهم وذلك لما كثر الناس، فإذا أذن المؤذن بين يدي الخطيب وإذا هم قد تهيؤا للخطبة وحين أتم في السفر قال: (ولكني إمام الناس فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولوا: هكذا فرضت) إلى غير ذلك من الأمثلة (^٤).
وعلى ذلك سار سلف الأمة من التابعين ومن بعدهم وذلك ببيان حكمة النص أو بالنظر في النوازل وما فيها من مصالح لتطبيقها بين الناس.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة برقم (٧٥)، والترمذي في جامعه كتاب الطهارة باب سؤر الهرة برقم (٩٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم مثل الشافعي وأحمد وإسحاق لم يروا بسؤر الهرة بأسا وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب وقد جود مالك هذا الحديث عن عبد الله بن أبي طلحة ولم يأت به أحد أتم من مالك. وصححه الألباني (إرواء الغليل ١/ ١٩٢).
(٢) للاستزادة من الأمثلة في القرآن والسنة يرجع إلى: تعليل الأحكام (ص ١٥ - ٣٠)، أضواء البيان (٣/ ١٢٩، ١٣٠).
(٣) نصر بن حجاج بن علاط السلمي من أولاد الصحابة ولد في عهد النبي - ﷺ - وكان ذو هيئة حسنة (الإصابة ٦/ ٤٨٥).
(٤) انظر: تعليل الأحكام (ص ٦٥، ١٤٤)، أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية، سميح الجندي (ص ٤١ - ٤٥)
[ ٥ ]
فحين روى الإمام مالك بن أنس (^١) حديث رسول الله - ﷺ - أنه: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) بين الحكمة من ذلك فقال: (إنما ذلك مخافة أن يناله العدو) (^٢).
وتأمل فتواه ﵀ حين أراد الخليفة أن يرد البيت على قواعد إبراهيم فقال له: (لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله) (^٣).
وهذا أبو يوسف (^٤) صاحب الإمام أبي حنيفة (^٥) يستدرك على شيخه في حديث رسول الله ﷺ: (أنه جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما) (^٦)، وذلك أن أبا حنيفة قضى للفرس بسهم معللا ذلك بقوله: (لا أفضل بهيمة على رجل مسلم) فاستدرك عليه أبو يوسف بقوله: (ليس ذلك على وجه التفضيل ولو كان على وجه التفضيل ما كان ينبغي أن يكون للفرس سهم وللرجل سهم لأنه قد سوّى بهيمة برجل، إنما هذا على
_________________
(١) إمام دار الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الحميري ثم الأصبحي المدني، حليف بني تيم من قريش ولد في سنة ثلاث وتسعين فأخذ عن نافع، وسعيد المقبري، وعامر بن عبد الله ابن الزبير، وابن المنكدر، والزهري، وعبد الله بن دينار توفي في ربيع الأول سنة ١٧٩ هـ (سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨، ٤٩، ١٣٠).
(٢) الموطأ، كتاب الجهاد، باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو برقم (٩٦٢) (٢/ ٤٤٦)، وهو عند البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو برقم (٢٨٢٨٢)، ومسلم في كتاب الإمارة باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم برقم (١٨٦٩).
(٣) الموافقات، لأبي إسحاق الشاطبي (٤/ ٥٥).
(٤) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش بن سعد بن بجير بن معاوية الأنصاري الكوفي. حدث عن هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حنيفة، ولزمه وتفقه به، وهو أنبل تلامذته وحدث عنه: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن الجعد، وثقه النسائي وقال أبو حاتم: يكتب حديثه توفي سنة ١٨٢ هـ. (سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٣٥ - ٥٣٨).
(٥) أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي الكوفي الإمام عالم العراق، ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة، روى عن عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار ونافع مولى ابن عمر، وحماد بن أبي سليمان وبه تفقه وعني بطلب الآثار وارتحل في ذلك، أخذ عنه أبو عاصم النبيل وعبد الله بن المبارك ومحمد بن الحسن الشيباني قال عنه ابن معين: ثقة، قال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، توفي شهيدا في سنة ١٥٠ هـ. (سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٩٠ - ٤٠٣)
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب سهام الفرس برقم (٢٧٠٨)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين برقم (١٧٦٢).
[ ٦ ]
أن يكون عدة الرجل أكثر من عدة الآخر، وليرغب الناس في ارتباط الخيل في سبيل الله، ألا ترى سهم الفرس إنما يرد على صاحب الفرس فلا يكون للفرس دونه) فبين ﵀ أن الحكمة في ذلك هو ترغيب الناس في تكثير العدة وتقوية المسلمين (^١).
ومما يبين أهمية هذه الحكم كذلك: أننا مأمورون بالتأمل والتفكر فالله ﷿ لم يخلق الخلق عبثا كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [٢٧] بل خلقهم لحكمة عظيمة. وأمرنا جل وعلا بالتدبر والتأمل في آياته الشرعية والكونية فقال:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩] ومدح الله أصحاب العقول وأرباب الحِكم بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] فالبحث عن الحِكم وتلمسها من التفكر والتأمل الذي أمر الله به، وهما كذلك وسيلة لبيان هذه الحِكم وإظهارها (^٢).
وبهذا تتبين أهمية الحِكم وعناية السلف ﵏ في إعمال فكرهم واجتهادهم في تحصيلها وذلك باستقرائهم لنصوص الوحي أو بالنظر في النصوص ودلالات الألفاظ والسياق، أو بالاستنباط والتأمل مما جاء فيه النص بحكم وسكت عن حكمته إلى غير ذلك من الطرق التي تعرف بها الحِكم (^٣).
_________________
(١) الخراج، لأبي يوسف (ص ١٩).
(٢) علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه، د. عبد الله بن بيه (ص ٣٦، ٣٧).
(٣) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص ١٨٩ - ١٩٦)، طرق الكشف عن مقاصد الشارع، نعمان جغيم (ص ٥٩، ٧٩)، أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية لسميح الجندي (ص ٨٦ - ١٠٥).
[ ٧ ]
وفي ذلك يقول العز بن عبد السلام (^١): (ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر وتارة بالإخبار، وتارة بما رتب عليها في العاجل والآجل من خير أو شر أو نفع أو ضر وقد نوع الشارع ذلك أنواعا كثيرة ترغيبا للعباد وترهيبا وتقريبا إلى أفهامهم، فكل فعل عظمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله، أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالاستقامة أو بالبركة أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته أو للثواب عاجلا أو آجلا، أو لشكره له أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه أو تكفير سيئاته، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب، وكل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه أو ذم فاعله أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه أو نفى محبته أو محبة فاعله أو الرضا به أو الرضا عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم والشياطين أو جعله مانعا من الهدى والقبول أو وصفه بسوء أو كراهة، أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه أو جعله سببا لنفي الفلاح أو لعذاب آجل أو عاجل أو لذم أو لوم أو ضلاله أو معصية، فهو دليل المنع من الفعل ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة) (^٢).
ولما كان أمر الحكم بهذه المثابة اعتنى العلماء من بعدهم به وأولوه اهتماما وحرصا بالحديث عنه في ثنايا كتبهم أو بإفراد مؤلف خاص به.
ومن أمثلة هذه الكتب ما كتبه القفال الشاشي في كتابه (محاسن الشريعة في فروع الشافعية) (^٣)
_________________
(١) عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد، ولد ونشأ في دمشق وزار بغداد سنة ٥٩٩ هـ فأقام شهرا وعاد إلى دمشق، فتولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي ثم الخطابة بالجامع الاموي، ولما سلم الصالح إسماعيل قلعة " صفد " للفرنج اختيارا أنكر عليه فغضب وحبسه ثم أطلقه فخرج إلى مصر فولاه صاحبها الصالح نجم الدين أيوب القضاء والخطابة ومكنه من الأمر والنهي، ثم اعتزل ولزم بيته. من كتبه التفسير الكبير والإلمام في بيان أدلة الأحكام وقواعد الأحكام في إصلاح الأنام وغيرها توفي بالقاهرة سنة ٦٥٩ هـ (الأعلام ٤/ ٢١).
(٢) الإلمام في بيان أدلة الأحكام (ص ٧٩ - ٨٣) واختصره ابن القيم في بدائع الفوائد (٤/ ٦، ٧).
(٣) هو أبو بكر، محمد بن علي بن إسماعيل بن الشاشي الشافعي القفال الكبير، إمام وقته بما وراء النهر، وصاحب التصانيف، كان أعلم أهل ما وراء النهر بالأصول توفي عام ٣٦٥ هـ (سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٨٤)، ويوجد من كتابه هذا نسخة مخطوطة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية.
[ ٨ ]
وللراغب الأصفهاني كتاب موسوم بـ (الذريعة إلى مكارم الشريعة) (^١).
وكذلك ما كتبه محمد بن عبد الرحمن البخاري (^٢) في كتابه (محاسن الإسلام).
ومن الكتب التي أصّلت وعرفت بهذا الفن كتاب (الموافقات في أصول الشريعة) للإمام الشاطبي (^٣)، وقد أسماه قبل ذلك (التعريف بأسرار التكليف) (^٤)، كما ألف العز بن عبد السلام كتابه (قواعد الأحكام).
ومن هذه الكتب التي عنيت ببيان الحِكم: (حجة الله البالغة) لِشاه ولي الله الدهلوي (^٥).
وهكذا استمر العلماء ﵏ يألفون في بيان حكمة التشريع وبيان أسراره حتى وقتنا الحاضر، وما ذاك إلا لأهميته وعناية القرآن به.
قال الشاطبي: (والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد) (^٦).
وقال: (وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى) (^٧).
وهكذا نجد كلام العلماء عن الحكم واضحا جليا.
وممن تطرق لهذا الموضوع من المعاصرين على سبيل التمثيل لا الحصر:
_________________
(١) هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني كان عالما بأنواع العلوم وماهرا في التفسير وله المفردات، والذريعة إلى محاسن الشريعة وأفانين البلاغة توفي عام ٥٣٥ هـ (طبقات المفسرين للأدنه وي ص ١٦٩).
(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن أحمد العلامة أبو عبد الله البخاري الواعظ المفسر قال السمعاني كان إماما متفننا قيل إنه ألف في التفسير كتابا أكثر من ألف جزء وأملاه في آخر عمره تفقه بأبي نصر أحمد بن عبد الرحمن الريغذموني وكانت وفاته في شهر جمادي الآخرة سنة ٥٤٦ هـ (طبقات المفسرين للسيوطي ص ٩٤). (معجم المؤلفين ٣/ ٣٨٩).
(٣) هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، أبو إسحاق الشاطبي فقيه أصولي لغوي مفسر من مصنفاته الاعتصام والموافقات وغيرها من الكتب، توفي سنة ٧٩٠ هـ. (شجرة النور الزكية ص ٢٣١).
(٤) انظر: الموافقات (١/ ٢٥).
(٥) هو أحمد ولي الله بن عبد الرحيم بن وجيه الدين العُمري الدهلوي نسبة إلى مدينة (دهلي الهندية) ولد سنة ١١١٤ هـ له مؤلفات كثيرة منها (الزهراوين) في تفسير سورة البقرة وآل عمران، والفوز الكبير في أصول التفسير، توفي سنة ١١٧٦ هـ. (الأعلام للزركلي ٨/ ١١٩) (ترجمة محقق كتابه حجة الله البالغة ١/ ١٠، ١١).
(٦) الموافقات (٢/ ٣٢٢).
(٧) المصدر السابق (٢/ ٣٢٣).
[ ٩ ]
١ - علي أحمد الجرجاوي (^١) أحد علماء الأزهر، له كتاب بعنوان (حكمة التشريع وفلسفته).
٢ - الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، له رسالة لطيفة موسومة بـ (منهج التشريع الإسلامي وحكمته) (^٢).
٣ - الطاهر ابن عاشور (^٣) في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية).
٤ - علال الفاسي (^٤) في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها).
كما أن في بيان الحِكم من الفوائد ما يؤكد أهميتها ويدعو إلى الاهتمام بها (^٥).
ومن أهم هذه الحِكم التي ينبغي معرفتها: الحِكم المتعلقة بأبواب المعاملات وذلك أن الشريعة توسعت في بيان الحكم والعلل في تشريع هذه الأحكام ببيان مصلحتها للعباد وتتميمها لمكارم الأخلاق ومحاسن العادات، فإذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول والانقياد (^٦).
_________________
(١) علي بن أحمد الجرجاوي: صحفي أزهري مصري، رأس جمعية " الأزهر " العلمية، وأنشأ جريدة " الإرشاد " الأسبوعية، وقام برحلة ألف فيها كتابه: الرحلة اليابانية، وله كتاب: حكمة التشريع والفلسفته، توفي سنة ١٣٤٠ هـ. (الأعلام ٤/ ٢٦٢)
(٢) هو الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي: المفسر الأصولي من علماء شنقيط ثم من علماء المدينة ولد بشنقيط وتعلم بها، وحج عام (١٣٦٧ هـ) واستقر مدرسا في المدينة المنورة ثم الرياض وأخيرا في الجامعة الاسلامية بالمدينة عام (١٣٨١ هـ) وتوفي بمكة عام ١٣٩٣ هـ، ومن كتبه: أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن ودفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب وآداب البحث والمناظرة (الأعلام ٦/ ٤٥) وأصل رسالة (منهج التشريع) محاضرة ألقاها فضيلته في الجامعة الإسلامية.
(٣) محمد الطاهر بن عاشور: رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه، عين (عام ١٩٣٢ م) شيخا للإسلام مالكيا. وهو من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة، ومن مؤلفاته: مقاصد الشريعة الإسلامية وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام والتحرير والتنوير توفي عام ١٣٩٣ هـ. (الأعلام ٦/ ١٧٤).
(٤) هو علال أو محمد علال بن عبد الواحد بن عبد السلام الفاسي من كبار علماء وخطباء المغرب كان أستاذا بكلتي الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط وفاس ومن مؤلفاته: دفاع عن الشريعة ومقاصد الشريعة ومكارمها توفي سنة ١٣٩٤ هـ. (الأعلام ٤/ ٢٤٦).
(٥) وقد أفردت مبحثا مستقلا في بيان فوائد معرفة الحِكم انظر (ص ٣١).
(٦) انظر: الموافقات (٢/ ٥٩٠، ٥٩١).
[ ١٠ ]