لننتقل بعد ذلك إلى قصة أخرى؛ ألا وهي قصة داود -﵇- ذلك الرسول الذي ذكر القرآن له بعض المواقف؛ فهناك موقف مع خصومه الذين جاءوا إليه خصمان بغى بعضهما على الآخر ولهما قصة ذكرت في س ورة " ص "، كذلك قصة داود - ﵇ - مع جالوت وطالوت وقد تكلم المفسرون في ذلك وأفاضوا ونقل في تف اسيرهم إسرائيليات كثيرة تخل بمقام الأنبياء وتنافي عصمتهم. وإليك ما ذكر باختصار حول قصة داود ﵇.
[ ٢٥٨ ]
فمن الإسرائيليات التي تناقلها المفسرون ما ذكره بعضهم في قصته عند قوله - جل وعلا -: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَاب * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاط * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب﴾ (ص: ٢١ - ٢٥)
ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم والبغوي والسيوطي في (الدر المنثور) من الأخبار ما تقشعر منه الأبدان، ولا يوافق عقلًا ولا نقلًا؛ عن ابن عباس ومجاهد، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار، والسدي وغيرهم، روايات محصلها: أن داود -﵇- حدث نفسه إن ابتُلي أن يعتصم؛ فقيل له: إنك ستُبتَلى وستعلم اليومَ الذي تُبتلى فيه؛ فخذ حذرك، فقيل له: هذا اليوم الذي تُبتلى فيه؛ فأخذ الزبور ودخل المحراب وأغلق بابه وأقعد خادمه على الباب، وقال: لا تأذن لأحدٍ اليوم؛ فبينما هو يقرأ الزبور إذا جاء طائر مذهب يدرج بين يديه؛ فدنا منه فأمكن أن يأخذه فطار فوقع على كوة المحراب، فدنا منه ليأخذه؛ فطار فأشرف عليه لينظر أين يقع؛ فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض؛ فلما رأت ظله نفضت شعرها، فغطت جسدها به، وكان زوجها غازيًا في سبيل الله، فكتب داود إلى رأس الغزاة أن اجعله في حملة التابوت -أي: صندوق فيه بعض مخلفات أنبياء بني إسرائيل.
وكان حملة التابوت إما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا؛ فقدمه في حملة التابوت فقتل، وفي بعض هذه الروايات الباطلة أنه فعل ذلك ثلاث مرات، حتى قتل في
[ ٢٥٩ ]
الثالثة؛ فلما انقضت عدتها خطبها داود -﵇- فتسور عليه الملكان، وكان ما كان مما حكاه الله تعالى في الآيات، أو مما ذُكر في الآيات؛ رفع ذلك إلى النبي.
ولم يقف الأمر عند هذه الروايات الموقوفة عن بعض الصحابة والتابعين، ومسلمة أهل الكتاب أيضًا نقلوها لنا، بل جاء بعضها مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- قال صاحب (الدر) وأخرج الحكيم الترمذي في (نوادر الأصول) وابن جرير، وابن حاتم بسند ضعيف عن أنس -﵁- قال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: إن داود -﵇- حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل؛ هكذا في (الدر المنثور) وفي (تفسير البغوي)، ولعل العبارة: فظع -يعني فوجئ بهذا- إن داود ﵇ حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل وأوصى صاحب الجيش؛ فقال: إذا حضر العدو فقرب فلانًا بين يدي التابوت -وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قُدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم معه الجيش- فقُتل وتزوج المرأة، ونزل الملكان على داود -﵇- فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدًا؛ حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، فأكلت الأرض جبينه وهو يقول في سجوده: رب ذلّ داود ذلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، ربّ إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنوبه جعلت ذنوبه حديثًا في المخلوق من بعده.
فجاء جبريل -﵇- من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود، إن الله قد غفر لك، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل؛ فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة؛ فقال: يا رب، دمي الذي عند داود، قال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك؛ فإن شئت لأفعلن، فقال: نعم، فعرج جبريل وسجد داود -﵇- فمكث ما شاء الله ثم نزل، فقال: قد سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه، فقال: قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة؛ فيقول له: هب لي دمك الذي عند داود؛ فيقول: هو لك يا رب،
[ ٢٦٠ ]
فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت، عوضًا. وقد رواها البغوي أيضًا عن طريق الثعلبي في تفسيره.
يقول شيخنا الدكتور أبو شهبة: والرواية منكرة مختلقة على الرسول -ﷺ- وفي سند هذه الرواية المختلقة على رسول الله -ﷺ- ابن لهيعة وهو مضعف في الحديث، وفي سندها أيضًا يزيد بن أبان الرقاشي كان ضعيفًا في الحديث، وقال فيه النسائي والحاكم أبو أحمد: إنه متروك، وقال فيه ابن حبان: كان من خيار عباد الله من البكائين بالليل، غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة؛ حتى كان يقلبُ كلام الحسن؛ يجعله عن أنس عن النبي -ﷺ- فلا تحل الرواية عنه إلا على جهة التعجب.
وقال العلامة ابن كثير في ت فسيره: وقد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثًا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس -﵁- ويزيد وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة؛ ومن ثَمّ يتبين لنا كذب رفع هذه الرواية المنكرة إلى رسول الله -ﷺ- ولا نكاد نصدق ورود هذا عن المعصوم -﵊- وإنما هي اختلاقات وأكاذيب من إسرائيليات أهل الكتاب.
وهل يشكّ مُؤمن عاقل يقر بعصمة الأنبياء في استحالة صدور هذا عن داود -﵇- ثُمّ يكون على لسان من؟! على لسان من كان حريصًا على تنزيه إخوانه الأنبياء عما لا يليق بعصمتهم، وهو نبينا محمد -ﷺ- ومثل هذا التدبير السيئ والاسترسال فيه على ما رووا لو صدر من رجل من سوقة الناس وعامتهم؛ لاعتبر هذا أمرًا مستهجنًا مستقبحًا، فكيف يصدر من رسول جاء لهداية الناس، زكت نفسه وطهرت سريرته وعصمه الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو الأسوة الحسنة لمن أرسل إليه؟!.
[ ٢٦١ ]
ولو أنّ القصة كانت صحيحة؛ لذهبت بعصمة داود، ولنفرت منه الناس، ولكان لهم العذر في عدم الإيمان به فلا يحصل المقصد الذي من أجله أرسل الله الرسل، وكيف يكون على هذه الحال من قال الله في شأنه: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب﴾ قال ابن كثير في تفسيرها: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله -﷿- بها، وحسن مرجع، وهو الدرجات العالية في الجنة؛ لنبوته وعدله التام في ملكه، ك ما جاء في الصحيح «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في حكمهم وما وُل ُّ وا» وقال رسول الله -ﷺ-: «إن أحب الناس إلي يوم القيامة وأقربهم مني مجلسًا؛ إمام عادل، وإن أبغض الناس إلي يوم القيامة هو أشدهم عذابًا؛ إمام جائر» رواه أحمد والترمذي.
ولكي يستقيم هذا الباطل، قالوا: إن المراد بالنعجة في الآية: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (ص: ٢٣) حول هذا المعنى قالوا: إن المراد بها المرأة، وإ ن القصة خرجت مخرج الرمز والإشارة، ورووا أن الملكين لما سمعا حكم داود وقضاءه بظلم صاحب التسع والتسعين نعجة لصاحب النعجة، قالا له: وما جزاء من فعل ذلك، قال: يقطع هذا - وأشار إلى عنقه - وفي رواية: يضرب من هاهنا وهاهنا - وأشار إلى جبهته وأنفه وما تحته - فضحكا وقالا: أنت أحق بذلك منه ثم صعدا.
ولننتقل إلى ما ذكره البغوي في ت فسيره؛ فقد ذكر في ت فسيره وذكر غيره عن وهب بن منبه: أن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة، لا يرقأ دمعه ليلًا ولا نهارًا، وكان أصاب الخطيئة، وهو ابن سبعٍ وسبعين سنة؛ فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب؛
[ ٢٦٢ ]
فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه فيساعدونه على ذلك؛ فإذا كان يوم نياحته يخرج في الفيافي فيرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي معه الشجر والرمال والطير والوحش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي وتبكي معه الجبال والحجارة والدواب والطير حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطير الماء والسباع إلى آخره.
والحق أن الآيات ليس فيها شيء مما ذكروا، وليس هذا في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وهي التي عليها المعول، وليس هناك ما يصرف لفظ النعجة من حقيقته إلى مجازه، ولا ما يصرف القصة عن ظاهرها إلى الرمز والإشارة. وما أحسن ما قال الإمام القاضي عياض: لا تلتفت إلى ما سطره الإخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ونقله بعض المفسرين ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك في كتابه، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نص عليه في قصة داود هو قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت. هذا الكلام نقله القاضي في كتابه (الشفا ب التعريف بحقوق المصطفى) - ﷺ.
والمحققون ذهبوا إلى ما ذهب إليه القاضي؛ قال الداودي: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم، وقد روي عن سيدنا علي -﵁- أنه قال: من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة. وذلك حد الفرية على الأنبياء لماذا؟ لأن حد القذف لغير الأنبياء ثمانون؛ فرأى -﵁- تضعيف هذا الحد بالنسبة للأنبياء، وفي الكذب عليهم رمي لهم بما هم براء منه؛ فف ي هـ معنى القذف لداود بالتعدي على حرمات الأعراض والتحايل في سبيل ذلك، وهو كلام مقبول من حيث المعنى إلا أنه لم يصح
[ ٢٦٣ ]
عن الإمام ذلك كما قال العراقي؛ سواء ثبت أو لم يثبت فمن يتهم الأنبياء يستحق أكثر من ذلك.
بقيت لنا خاتمة: وهي التفسير الصحيح للآيات؛ وإذا كان ما روي من الإسرائيليات الباطلة التي لا يجوز أن تفسر بها الآيات؛ فما التفسير الصحيح لها إذًا؟
والجواب: أن داود -﵇- كان قد وزع مهام أعماله ومسئولياته نحو نفسه ونحو الرعية على الأيام، وخص كل يوم بعمل؛ فجعل يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء وفصل الخصومات، ويومًا للاشتغال بشئون نفسه وأهله، ويومًا لوعظ بني إسرائيل.
والختام: بأن نبي الله داود -﵇- كان بريئًا مما نسبه الكذابون وأصحاب القصص الإسرائيلي ودسوه في كتب التفسير.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٦٤ ]