قصة نوح - ﵇- من القصص الذي ذكر في القرآن الكريم، ومنهجه في الدعوة، وصبره على قومه، وأنّ الله -﷾- نصره على من كذبه، وأمره بصنع سفينة يحمل فيها من آمن معه؛ هذه القصة التي ذُكرت في أكثر من سورة لم يسلم التفسير الذي رواه المفسرون وذكره حول هذه القصة من بعض الإسرائيليات، ودائمًا نقول: إن ابن جرير والبغوي وأبو السعود، والقرطبي و(الدر المنثور) هذه التفاسير حوت قدرًا من الإسرائيليات.
فمن الإسرائيليات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير؛ كابن جرير و(الدر المنثور) ما روي في سفينة نوح ﵇؛ فقد أحاطوها بهالة من العجائب
[ ٢٥٤ ]
والغرائب؛ من أي خشب صنعت؟، وما طولها؟، وما عرضها؟، وما ارتفاعها؟، وكيف كانت طبقاتها؟ وذكروا خرافات في خلقة بعض الحيوانات من الأخرى، وقد بلغ ببعض الرواة أنهم نسبوا بعض هذا إلى النبي -ﷺ- قال صاحب (الدر المنثور) وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: "كانت سفينة نوح - ﵇ - لها أجنحة، وتحت الأجنحة إيوان" أقول: قبّح الله من نسب هذا إلى النبي -ﷺ- كلام شيخنا الشيخ أبو شهبة.
وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم؛ أولاد سيدنا نوح، وذكر أن طول السفينة كان ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا وطولها في السماء ثلاثون ذراعًا، وبابها في عرضها.
ثم ذكر عن ابن عباس مثل ذلك في طولها وارتفاعها، وهذا أمارة على أن ذلك من رواية ابن عباس عن أهل الكتاب، وأن من رفعها إلى النبي -ﷺ- فقد غلط، ثم قال -أي: ابن مردويه-: وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر، عن ابن عباس: أن نوحًا لما أمر أن يصنع الفلك، قال: يا رب، وأين الخشب، قال: اغرس الشجر؛ فغرس الساج عشرين سنة، إلى أن قال: فجعل السفينة ستمائة ذراع طولها وستين ذراعًا في الأرض -يعني: عمقها- وعرضها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون. كلام يتناقض، لا ندري بأي رواية نصدق، أبرواية ابن عباس هذه أم بروايته السابقة؟ وهذا الاضطراب أمارة الاختلاق والكذب ممن وضعوها أولًا، وحملها عنهم ابن عباس وغيره.
وأمر -أي: نوح- أن يطليها بالقار؛ القار والقير وهو الدهان الأسود يُطلى به الخشب والإبل وهو ما يعرف بالزفت أو شيء من هذا المعنى، أُمر أن يطليها
[ ٢٥٥ ]
بالقار، ولم يكن في الأرض قار؛ ففجر الله له عين القار حيث تنحت السفينة تغلي غليانًا حتى طلاها؛ فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب، وأطبقها وحمل فيها السباع والدواب؛ فألقى الله على الأسد الحمى وشغله بنفسه عن الدواب، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، ثم أطبق عليهما.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن الحسن، قال: كان طول سفينة نوح -﵇- ألف ذراع، ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع.
وإليك ما ذكره بعد ذلك من العجب العجاب، قال: وأخرج ابن جرير عن ابن عباسٍ -﵄- قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم -عليه م االسلام-: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة، فحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًّا من ذلك التراب؛ قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام بن نوح؛ فضرب الكثيب بعصاه قال: قم بإذن الله؛ فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قد شاب، قال له عيسى -﵇: هكذا هلكت؟ قال: لا، مت وأنا شاب؛ ولكنني ظننت أنها الساعة قامت، فمن ثَمّ شبتُ، قال: حَدّثنا عن سفينة نوح، قال: طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات؛ فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير؛ فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمزه؛ فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر يخرب السفينة بقرضه أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد؛ فخرج من فمه سنور وسنورة؛ فأقبلا على الفأر فأكلاه -السنور: القط- وفي رواية أخرى: أن الأسد عطس فخرج من منخره سنوران -قطان ذكر وأنثى- فأكلا الفأر، وأن الفيل عطس فخرج من منخره خنزيران ذكر وأنثى؛ فأكلا أذى السفينة.
[ ٢٥٦ ]
وأنه لما أراد الحمار أن يدخل السفينة أخذ نوح بأذني الحمار، وأخذ إبليس بذنبه فجعل نوح -﵇- يجذبه وجعل إبليس يجذبه، فقال نوح: ادخل شيطان يريد به الحمار؛ فدخل الحمار ودخل معه إبليس؛ فلما سارت السفينة جلس إبليس في أذنابها يتغنى؛ فقال له نوح -﵇-: ويلك! من أذن لك؟ قال: أنت، قال: متى؟ قال: أن قلت للحمار ادخل يا شيطان، فدخلت بإذنك.
وزعموا أيضًا أن الماعز لما استصعبت على نوح أن تدخل السفينة؛ فدفعها في ذنبها، فمن ثم انكسر وبدا حياها، ومضت النعجة فدخت من غير معاكسة ف مسح على ذنبها، فستر الله حياها - يعني فرجها.
وزعموا أيضًا أن السفينة نوح -﵇- طافت بالبيت أسبوعًا - أي: بالكعبة، يعني سبع مرات - بل رووا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن النبي -ﷺ-: "إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، وصلّت عند المقام ركعتين" سُبحان الله! كلام عجيب.
يقول شيخنا الدكتور أبو شهبة: وهذا من تفاهات عبد الرحمن هذا، وقد ثبت عنه من طريق أخرى نقلها صاحب (التهذيب) عن الساجي، عن الربيع، عن الشافعي، قال: قيل لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن جدك أنّ رسولَ الله -ﷺ- قال: "إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلّت خلف المقام ركعتين" قال: نعم، وقد عُرف عبد الرحمن بمثل هذه العجائب المخالفة للعقل، وتندر ب هـ العلماء.
قال الشافعي فيما نقل في (التهذيب) أيضًا: ذكر رجل ٌ لمالك حديثًا منقطعًا؛ فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يُحدثك عن أبيه، عن نوح.
وأنه لما رست السفينة على الجودي، وكان يوم عاشوراء صام نوح وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرًا لله، إلى غير ذلك من التخريفات
[ ٢٥٧ ]
والأباطيل التي جاءت في (تفسير ابن جرير) وفي تفسير (الدر المنثور) وغيرهما من التفاسير، وهذه التخاريف والأباطيل التي لا نزال نسمعها ونسمع أمثالها من العوام والعجائز هذا لا يمكن أن يمت إلى الإسلام بصلة.
وإنا لننزه المعصوم رسول الله -ﷺ- من أن يصدر عنه ما نسبوه إليه، وإنما هي أحاديث خرافة اختلقها اليهود وأضرابهم على توالي العصور، وكانت شائعة مشهورة في ال جاهلية؛ فلما جاء الإسلام نشرها أهل الكتاب الذين أسلموا بين المسلمين، وهؤلاء رووها بحسن نية، ولم يزيفوها اعتمادًا على أنها ظاهرة البطلان؛ لكن زنادقة اليهود أوغلوا هم وأمثالهم في الكيد للإسلام ونبيه فزوروا بعضها، ونسبوه إلى النبي -ﷺ- وما كُنّا نُحِبُّ لابن جرير ولا للسيوطي ولا لغيرهما من المفسرين أن يسودوا صحائف كتبهم بهذه الخرافات والأباطيل، فحذاري أيها القارئ في أي كتاب من كتب التفسير تجد مثل هذا أن تجعله كلامًا مصدقًا، وألق بهذا دبر أذنيك -أي: ألقه وراء ظهرك- وكن عن الحق منافحًا وللباطل مزيفًا.