أمامنا قصة عظيمة الأثر؛ وهي القصة الفريدة التي ذُكرت في صورة واحدة، فإن ما نعهده في القرآن الكريم أن أكثر قصص الأنبياء والرسل إنما ذُكر في أماكن عِدَّة، ومواقف عديدة، كل موقف يتناسب فيه ما ذُكر لأخذ العظة والعبرة، إلا قصة نبي الله ورسوله يوسف - ﵇ - فإن قصة يوسف إنما ذُكرت في سورة " يوسف " في موقف واحد، وجُمعت أطرافها كلها في هذه السورة المباركة.
سورة يوسف -﵇- وقصته ذُكرت مجموعة في هذه السورة وحدها، ورغم ذلك فقد وردت في قصة يوسف -﵇- إسرائيليات ومرويات مختلقة مكذوبة، وأحاديث كثيرة ذُكرت في هذا الشأن مما تقدح في عصمة الأنبياء والرسل، لا سيما ما يتعلق بقوله - جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤) على الرغم من أن
[ ١٩٨ ]
الآيات في هذا الشأن ناطقة ببراءة يوسف وعصمته، وأنه من عباد الله المخلصين، وأن المرأة هي التي راودته كما سنتبيّن من خلال الآيات في هذا الشأن.
وردت في قصة يوسف -﵇- إسرائيليات ومرويات؛ فمن ذلك ما أخرجه ابن جرير في ت فسيره والسيوطي في (الدر المنثور) وغيرهما في قوله - تعالى - في أول السورة: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: ٤) قال السيوطي: وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في (الضعفاء)، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه؛ طبع ً اعندما يقول السيوطي: إ ن الحاكم صححه؛ يجب أن نتذكر أن تصحيح الحاكم لا يعتد به إلا إذا وافقه الشيخ الذهبي أو غيره من علماء الحديث.
وروى أيضًا ابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معًا في (الدلائل) عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: جاء بستاني اليهودي إلى النبي -ﷺ- فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف -﵇- ساجدة له؛ ما أسمائها؟ فسكت النبي -ﷺ- فلم يجبه بشيء، فنزل جبريل -﵇- فأخبره بأسمائها، فبعث رسول ال ل هـ -ﷺ- إلى البستاني اليهودي، فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ " قال: نعم، قال: " حرفان، والطارق، والزيال، وذو الكفتا ن، وقابس، ودنان، وهدان، والفيلق، والمصبح، والضروح، والفريخ، والضياء، والنور".
هذه الأسماء في (تفسير ابن جرير) فيها بدل حرفان جربان،، بدل دنان في وثاب، وبدل هودان في عمودان، وفي هـ بدل الف ي لق الفليق؛ يعني: أسماء مختلفة في الروايات الأخرى، بقية الحديث "رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب، قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد "، فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.
[ ١٩٩ ]
والذي يظهر لي -والكلام لشيخنا الشيخ أب ي شهبة- أن هذا من الإسرائيليات، وأُلصقت بالنبي -ﷺ- زورًا، ثم إن سيدنا يوسف رأى كواكب بصورها لا بأسمائها، نعم رآها بصورها لا بأسمائها، ثم ما دخل الاسم فيما ترمز إليه الرؤية، ومدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأئمه وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: هذا ساقط وهو صاحب حديث حُسن يوسف وكله من الأكاذيب.
وقال الإمام الذهبي في (ميزان الاعتدال): قال ابن معين: ليس بثقة؛ أي: راوي هذه الرواية التي هي مروية عنه، وهو الحكم بن ظهير، قال ابن معين عنه: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال مر ة: تركوه، وهو راوي حديث " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ".
فهل مثل هذا تُعتبر روايته في مثل هذا، وبحسبه سقوطًا مقالة البخاري فيه منكر الحديث وتركوه، طبعًا لا تعتبر روايته.
الإسرائيليات في الآية التي حيَّرت بعض المفسرين، وكثر الكلام فيها من الإسرائيليات، الآية هي قوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ومن الإسرائيليات المكذوبة التي لا توافق عقلًا ولا نقلًا ما ذكره ابن جرير في ت فسيره وصاحب (الدر المنثور) وغيرهما من المفسرين في هذه الآية؛ فقد ذكروا في همّ يوسف -﵇- ما ينافي عصمة الأنبياء، وما يخجل القلم فمن تسطيره لولا أن المقام مقام بيان، وتحذير من الكذب على الله وعلى رسله، وهو من أوجب الواجبات على أهل العلم.
فقد روى هؤلاء عن ابن عباس -﵄- أنه سُئِل عن همِّ يوسف -﵇- ما بلغ؟ قال: حلَّ الهميان -يعني: السراويل- وجلس منها مجلس الخاتن، فصيح به: يا
[ ٢٠٠ ]
يوسف لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنا قعد ليس له ريش. ورووا مثل هذا عن علي -﵁- وعن مجاهد وعن سعيد بن جبير، معاذ الله.
ورَوَوْا أيضًا في البرهان الذي رآه، ولولاه لوقع في الفاحشة بأنه نُودي أنت مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء، وقيل: رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط، وقيل: في سقف الحجرة، وأنه رآه عاض ًّا على إبهامه، وأنه لم يتعظ بالنداء حتى رأى أباه على هذه الحال.
بل أسرف واضع وهذه الإسرائيليات الباطلة؛ فزعموا أنه لمَّا لم يرعوِ من رؤية صورة أبيه عاضًّا على أصابعه ضربه أبوه يعقوب، فخرجت شهوته من أنامله، ولأجل أن يؤيِّد هؤلاء الذين افتروا على الله ونبيه يوسف هذا الافتراء يزعمون أيضًا أن كل أبناء يعقوب قد وُلد له اثنا عشر ولدًا ما عدا يوسف، فإنه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدًا فلم يولد له غير أحد عشر ولدًا.
بل زعموا أيضًا في تفسير البرهان فيما روي عن ابن عباس أنه رأى ثلاث آيات من كتاب الله؛ وهي قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ (الانفطار: ١٠، ١١)، وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيه﴾ (يونس: ٦١)، وقوله - تعالى -: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الرعد: ٣٣).
وقيل: رأى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢).
ومن البديهي أن هذه الآيات بهذا اللفظ العربي لم تنزل على أحد قبل نبينا محمد -ﷺ، وإن كان الذين افتروا هذا ل ايعدمون جوابًا بأن يقولوا: رأى ما يدل على معاني هذه الآيات بلغتهم التي يعرفونها.
بل قيل في البرهان: إنه أُرِي تمثال الملك وهو العزيز، وقيل: خياله.
[ ٢٠١ ]
وكل ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم التي افتجروها على الله وعلى رسله، وحمله إلى بعض الصحابة والتابعين كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأمثالهما، وليس أدلّ على هذا مما رُوي عن وهب بن منبه قال: لما خلا يوسف وامرأة العزيز خرجت كفٌّ بلا جسد بينهما مكتوب عليها بالعبرانية: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت الكفّ بينهما مكتوب عليها بالعبرانية: وإنا عليكم لحافظين كرامًا كاتبين يعلمون ما تفعلون، ثم انصرفت الكفّ وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة مكتوب عليها: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلًا، وانصرفت الكف وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة مكتوب عليها بالعبرانية: واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؛ فولى يوسف -﵇- هاربًا.
هذا الكلام في (الدر المنثور) رواه الإمام السيوطي وغيره.
وقد كان وهب أو من نقل عنه وهب ذكيًّا بارعًا حينما زعم أن ذلك كان مكتوبًا بالعبرانية، وبذلك أجاب عمَّا استشكله، ولكن مع هذا لن يجوز هذا الكذب إلا على الأغرار والسُّذَّج من أهل العلم، ولا أدري أيّ معنى يبقى للعصمة بعد أن جلس بين فخذها وخلع سرواله، وما امتناعه عن الزن ى على مروياتهم المفتراة إلا وهو مقهور مغلوب، ولو أن عربيدًا رأى سورة أبيه بعد مماته تحذره من معصية؛ لكفَّ عنها وانزجر، فأي فضل ليوسف إذًا وهو نبي من سلالة أنبياء.
ويتابع شيخنا الشيخ أبو شهبه فيقول: بل أي فضل له في عدم مقارفته الفاحشة بعدما خرجت شهوته من أنامل قدميه، وما امتناعه حينئذٍ إلا قصريٌّ جبريّ، ثم ما هذا الاضطراب الفاحش في الروايات، أليس الاضطراب الذي لا يمكن
[ ٢٠٢ ]
التوفيق بينه كهذا من العلل التي ردَّ المحدثون بسببها ال كثير من المرويات؛ لأنه أمارة من أمارات الكذب والاختلاق، والباطل لجلج، وأما الحق فهو أبلج.
ثم كيف يتفق ما حيك حول نبي الله يوسف -﵊- وقول الحق -﵎- عقب ذكر الهمّ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤)، فهل يستحق هذا الثناء من حلّ التكة وخلع السروال، وأن جلس بين رجليها إلى آخر ما ذكروه من الكذب، ولا أدري أنصدق القرآن أم نصدق كَذَبة بني إسرائيل ومخرفيهم؟! بل كيف يتفق ما روى هو وما حكاه الله -﷿- عن زليخة بطلة المراودة؛ حيث قالت: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف: ٥١) وهو اعتراف صريح من البطلة التي أعيتها ال حي ل عن طريق التزين حينًا، والتودد إليه بمعسول القول حينًا آخر، والإرهاب والتخويف حينًا ثالثًا فلم تفلح، وقالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: ٣٢).
ثم انظر ماذا كان جواب السيد العفيف الكريم ابن الكريم ابن الكريم اين الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم صلوات الله وسلامه- قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (يوسف: ٣٣).
وقصده -﵊- بقوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ تبر ؤ من الحول والطول، وأن الحول والقوة إنما هما من الله - جل وعلا - وهو سؤال منه لربه واستعانة به على أن يصرف عنه كيدهنَّ، وهكذا شأن الأنبياء.
والحقيقة عندما نتأمل الآيات نجد فيها أكثر من عشرة أدلة كلها واضحة، فبعد ما مضى من قولها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف: ٥١)، وقول
[ ٢٠٣ ]
الله - ﷿ - ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ (يوسف: ٢٤)، وقوله - ﷿ - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤) نرى أن الشيطان نفسه قد شهد ليوسف -﵇- في ضمن قوله كما ذكر القرآن وحكاه الله عنه بقوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: ٨٢، ٨٣)، ويوسف بشهادة الحق السالفة من المخلصين.
وكذلك شهد ليوسف شاهد من أهلها، هذا الشاهد كما نطقت الآية عندما قال - جل وعلا -: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (يوسف ٢٦: ٢٨)، وهذا الشاهد قيل: كان رجلًا عاقلًا حكيمًا مجربًا من خاصة الملك، وكان من أهلها، وقيل: كان صبيًّا في المهد، وكان ذلك إرهاصًا بين يدي نبي الله يوسف إكرامًا له.
على أيَّة حال نطق هذا الشاهد بالقول الفصل عندما قال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾؛ أي: شُقَّ وقطع من الأمام ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ كأنه هو الذي يقدم عليها ويقبل، فدفعته ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأن قدّ القميص وشقه من الخلف معناه أنه كان يجري ويهرب منها ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ الآيات.
وقد أسفر التحقيق عن براءة يوسف وإدانة زليخة امرأة العزيز، فكيف تتفق كل هذه الشهادات الناصعة الصادقة، وتلك الروايات المزوّرة عن الإسرائيليات لا تتفق، وقد ذكر الكثير من هذه الروايات ابن جرير الطبري، والثعلبي، والبغوي، وابن كثير، والسيوطي.
[ ٢٠٤ ]
وتعرَّف أخا الإسلام ويا طالب العالم أن هذه الكتب مع جلالة قدرها لم تسلم من سوق هذه الروايات الكثيرة الإسرائيلي ات، وقد مر بها ابن كثير بعد أن نقلها حاكيًا من غير أن ينبّه إلى زيفها، وهذا من المواضع التي تعدّ زلَّات لابن كثير؛ إذ ينقل هذه الإسرائيليات وهذه الروايات ولا يعقّب عليها، ولا ينص على تزييفها، مع أن ابن كثير تأخّر؛ يعني: لو كان لابن جرير الطبري المتوفى في أول القرن الرابع أو الثعلبي أو البغوي، أو هؤلاء الذين تقدمت بهم الحياة في القرون الأربعة أو الخمسة الأولى، فابن كثير الذي تُوفي في عام سبعمائة وأربع وسبعين في أواخر القرن الثامن كان حريًّا به أن يدفع هذه الأباطيل وأن ينقدها، وأن يبين زيفها.
ومن العجيب حقًّا إن الإمام ابن جرير على جلالة قدره يحاول أن يضعف في ت فسيره مذهب الخلف الذين ينفون هذا الزور والبهتان، ويفسرون الآيات على حسب ما تقتضيه اللغة وقواعد الشرع، وما جاء في القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، ويعتبر هذه المرويات التي سقناها الآن هي قول جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين يؤخذ عنهم. راجع (تفسير ابن جرير).
وكذلك تابعه على مقالته هذه الثعلبي والبغوي في تفسيريهما؛ تفسير البغوي (معالم التنزيل)، والثعلبي في أيضًا (الكشف والبيان) تفسيره، وهذه المرويات الغثة المكذوبة التي يأباها النظم الكريم، ويج ز م القلم والنقل باستحالتها على الأنبياء -﵈ - هي التي اعتبرها الطبري ومن تبعه أقوال السلف، بل يسير في خط اعتبار هذه المرويات، فيورد على نفسه سؤالًا فيقول: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا، وهو
[ ٢٠٥ ]
لله نبي؟ ثم أجاب بما لا طائل تحته، ولا يليق بمقام الأنبياء والمرسلين. فانتبه أخا الإسلام.
ثم نذكر أيضًا ما وقع فيه الإمام الواحدي وهو صاحب تفسير (البسيط)، و(الوسيط)، و(الوجيز)، وله قدمه الراسخة في علم التفسير إلا أنه أيضًا ذهب إلى ما ذهب إليه هؤلاء؛ فذهب الواحدي في تفسيره (البسيط) قال: قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم الآخذون للتأويل عمَّن شاهد التنزيل: هم يوسف -﵇- بهذه المرأة همًّا صحيحًا، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه؛ زالت كل شهوة منه، وهي غفلة شديدة من هؤلاء الأئمة من الواحدي وغيره لا نرضاها ولا يرضاها الله ورسوله.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٠٦ ]