والتابوت شيء ذُكر في قصة طالوت الذي كان ملكًا على بني إسرائيل، والآيات القرآنية أشارت إلى هذا، والذي ذُكر في التابوت في القرآن إشارات لم يفصل ولم يبين.
الإسرائيليات باختصار التي أوردها المفسرون حول هذا التابوت، وما له من بركات، وما فيه من آثار.
من الإسرائيليات التي التبس فيها الحق بالباطل ما ذكره غالب المفسرين في تفسيرهم في قصة طالوت، وتنصيبه ملكًا على بني إسرائيل، واعتراض بني إسرائيل عليه، وإخبار نبيهم لهم بالآية الدالة على ملكه، وهي التابوت،
[ ١١٤ ]
والآيات في هذا واضحة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٨).
نعرف أن بني إسرائيل قال لهم نبيهم: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٤٧). ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾.
ذكر العلامة ابن جرير والثعلبي والبغوي والقرطبي وابن كثير، والسيوطي في كتابه (الدر)، وغيرهم في تفسيرهم كثير من الأخبار عن الصحابة والتابعين، وعن وهب بن منبه وغيره من مسلمة أهل الكتاب، وعندما نقول: "مسلمة أهل الكتاب" نَصِفُ الذين دخلوا من أهل الكتاب في الإسلام وأسلموا، وطبعًا منهم من كان ينقل أخبارًا لا يقصد أن يدسّ في ثقافة المسلمين؛ إنما ينقل من أخبارهم، فورد عن وهب بن منبه وغيره من مسلمة أهل الكتاب في وصف التابوت، وكيف جاء، وعلام يشتمل، وعن السكينة وكيف صِفتها؟ كل هذا ورد في أشياء كثيرة نحكيها باختصار، مع أنني قرأت في (معالم التنزيل) للإمام البغوي في هذا التابوت وفي داود وجالوت وطالوت روايات إسرائيلية أكثر من ثلاث عشرة صفحة.
ذكروا في شأن التابوت أنه كان من خشب الشمشات، ونحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين. كلمة الشمشاد أو الشمساد نوع من أنواع الخشب الجيد، كان عند آدم إلى
[ ١١٥ ]
أن مات، كلها أخبار، ثم عند شيث، ثم توارثه أولاده إلى إبراهيم، ثم كان عند إسماعيل، ثم يعقوب، ثم كان في بني إسرائيل، إلى أن وصل إلى موسى ﵇. فكان يضع فيه التوراة ومتاعًا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت شمويل، وكان عندهم حتى عصوه فغلبهم عليه العمالقة، وهذا الكلام وإن كان محتملًا للصدق والكذب، لكننا في غُنية عنه، ولا يتوقف تفسير الآية عليه، أين كان؟ وكم كان مقداره؟ ومَن الذي توارثه من آدم إلى شيث إلى إبراهيم إلى إسماعيل إلى يعقوب؟ كل هذا كلام لا يُسمن ولا يغني من جوع.
وقال بعضهم: إن التابوت إنما كان في بني إسرائيل ولم يكن من عهد آدم -﵇ - وأنه الصندوق الذي كان يحفظ فيه موسى -﵇- التورا ة، ولعل هذا أقرب إلى الحق والصواب كما قال شيخنا الشيخ أبو شهبة.
وكذلك أكثروا من النقل في السكينة، فروي عن علي بن أبي طالب -﵁-: "هي ريح خجوج وهفافة لها رأسان، ووجه كوجه الإنسان". الريح الخجوج: هي التي تمر كثيرًا شديدة المرور من غير استواء، ولكن تأمل كيف يكون للريح رأسان، ووجه كوجه الإنسان، كل هذا إسرائيليات!!
وورد عن مجاهد أنه قال: السكينة حيوان كالهِر -يعني: كالقط- له جناحان وذنب، ولعينيه شعاع إذا نظر إلى الجيش انهزم، وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت بصراخ هِر أيقنوا بالنصر. وهذا من خرافات بني إسرائيل وأباطيلهم. وعن وهب بن منبه قال: السكينة روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تتكلم، فتخبرهم ببيان ما يريدون. وعن ابن عباس: "السكينة: قسط من ذهب، كانت تُغسل فيه قلوب الأنبياء أعطاه الله موسى -﵇".
[ ١١٦ ]
كل هذه الروايات لم يثبت منها شيء، والحق أنه ليس في القرآن ما يدل على شيء من ذلك، ولا فيما صح عن النبي -ﷺ- شيء، وإنما هذه من أخبار بني إسرائيل التي نقلها إلينا مسلمة أهل الكتاب، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين، وتناقلوها، ومرجعها إما إلى كعب الأحبار أو وهب بن منبه وأمثالهما.
التفسير الصحيح للسكينة:
التفسير الصحيح -والذي ينبغي أن تُفسر به- أن المراد بها الطمأنينة والسكون الذي يحلّ بالقلب عند تقديم التابوت أمام الجيش، فهي من أسباب السكون: الطمأنينة، وبذلك تقوى نفوسهم، وتشتدّ وترتفع معنوياتهم، فيكون ذلك من أسباب النصر، فهو كقوله -جل وعلا-: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ (التوبة: ٤٠) أي: طمأنينته، وما ثبَّت به قلبه، ومثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (الفتح: ٤) ﴿فَأَ نْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (الفتح: ٢٦) فالمراد بالسكينة طمأنينة القلب، ثبات النفوس، اليقين الذي ينزل على قلوب مَن يتبع شرع الله ويتبع رسوله.
يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة:
ويعجبني في هذا ما قاله الإمام أبو محمد الشيخ عبد الحق بن عطية، حيث قال: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس به، وتقوى، وكذلك ذكروا في مجيء التابوت أقوالًا متناقضةً متضاربةً يردّ بعضُها بعضًا، مما يدل على أن مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وابتداعاتهم، وأنه ليس فيه نقل يُعتدّ به، ولا يُوثَق به.
[ ١١٧ ]
روي عن ابن عباس أنه قال: "جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون". ورُوي عن السدي: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت، وقال الحسن: كان التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت المُلكَ حملته الملائكة. سبحان الله!! هذا مع أنهم رووا -كما سلف- أنهم لما عصوا وأفسدوا غلبتهم العمالقة، فأخذوا التابوت. الرواية عن الحسن: فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة ووضعته بينهم، وقال قتادة: بل كان التابوت في التيح خلَّفه موسى عند يوشع بن نون، فبقي هناك حتى حملته الملائكة ووضعته في دار طالوت فأقروا بمُلكِه.
وذكر غير هؤلاء: أن التابوت كان بأريحاء، وكان الذين استولوا عليه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الأكبر، فأصبح التابوت على رأس الصنم، فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحتهم فأصبح الصنم مكسورَ القوائم مُلقًى بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قِبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها أمراض في رقابهم. هذه كلها إسرائيليات.
وقيل: بل جعلوه في مخرأة قوم لهم -المكان الذي يذهبون إليه للغائط- فكان كل من تبرز هناك أصيب بالناصور وقيل: بالباصور، فتحيروا في الأمر فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون، ما دام هذا التابوت فيكم، فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت، ثم علقوها على ثورين وضربوا جنوبهما، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل، فكسروا نَيريهما -ما يوضع على رقبة الثور عند الحرف، والجر بالجر -.
[ ١١٨ ]
والرواية تقول: أنهما كسرَا نيريهما، وقطعا حبالهما، ووضعَا التابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل، ورجعا إلى أرضهما فلم يرع بني إسرائيل أي: ويلفت أنظارهما إلا التابوت، فكبروا، وحمدوا الله تعالى، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَة﴾ أي: تسوقه. وكل هذا من أخبار بني إسرائيل، الذين غيروا وحرفوا وبدلوا، فالله أعلم بصحتها، وأقرب هذه الأقوال من الصحة، وما يدل عليه القرآن هو ما روي عن ابن عباس -﵄-.
وكذلك اختلفوا في تعيين البقية مما ترك آل موسى وآل هارون، يعني: كل جزئية مما يتعلق بالتابوت فيها أخبار واختلافات وتناقضات، اختلفوا في تعيين قوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ ما هذه البقية؟ والمراد بآل موسى وآله هارون هما ذاتهما، وهذا أمر معهود في لغة العرب، فالحديث الشريف: «لقد أُعطي مزمارًا من مزامير آل داود» أي: صوتًا حسنًا، ولم يكن في آل داود حسن الصوت أحد إلا هو، فالمراد بآل داود هو داودُ نفسُه، فعندما نقول: ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ يعني: موسى وهارون، وكانت هذه الأشياء محفوظةً في التابوت، فعن عبد الله بن عباس قال: "عصاه ورضاض الألواح" أي: البقية هذه كانت عصى موسى، والرضاض: الألواح، الرضاض هو الفتات الذي ينفصل من احتكاك لوحين وما يتهشم منهما، قال ابن عباس: "هذه هي البقية الباقية مما ترك آل موسى وآل هارون". لأن الألواح لما انكسرت عندما ألقاها موسى -﵇- حين عاد ووجدهم يعبدون العجل بقيت منه هذه الآثار.
وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة، وبعضهم قال: والتوراة، قال أبو صالح: الآثار هذه عصى موسى وعصى هارون، ولوحين من التوراة، وقفيذ من المن، القفيذ: قدر من الكيل من المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل
[ ١١٩ ]
في التيه، وقيل: عصى موسى ونعلاه، وعصى هارون وعمامته، وثياب موسى وثياب هارون، ورضاض الألواح. إلى غير ذلك.
على كل حال، هي أقوال متقاربة، كما قال شيخنا الشيخ أبو شهبة، ولا يردّ بعضها بعضًا، وكلها محتملة، فالله أعلم بالصواب منها.
وهي على كل حال، من الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب، فلا نصدقها ولا نكذبها، بل نتوقف عندها، والذي نقطع به ويجب الإيمانُ به، أنه كان في بني إسرائيل تابوت أي: صندوق من الخشب مثلًا ونحوه، من غير بحث في حقيقته وهيئته، من أين جاء؟ لا يلزمنا أن نسأل من أين جاء؟ إذ ليس في ذلك خبر صحيح عن المعصوم -ﷺ- وأن هذا التابوت كان فيه مخلفات، وآثار من مخلفات موسى وهارون -﵉- مع احتمال أن يكون تعيين ذلك في بعض ما ذكرنا آنفًا، وأن هذا التابوت كان مصدرَ سكينة وطمأنينة لبني إسرائيل لا سيما عند قتال عدوهم، وأنه عاد إلى بني إسرائيل تحمله الملائكة، من غير بحث في الطريق الذي حملته بها الملائكة، وبذلك كان التابوت آية دالة على صدق طالوت في كونه ملِكًا عليهم، وما وراء ذلك من الأخبار التي نقلناها، أو نقلنا بعضًا منها لم يقم عليه دليل.