هذا الإلحاد المتعمد في التفسير، ورد عن فِرَقٍ دخلت الإسلام بقصد القضاء عليه، لا حبًّا في الإسلام من هذه الفرق الباطنية. والباطنية اسم يطلق على جماعات متعددة من غلاة الشيعة، كالإسماعيلية، والقرامطة، والخرمية، والرافضة، وإنما أطلق عليهم جميعًا هذا الاسم؛ لاشتراكهم جميعًا في مبدأ التأويل الباطني، وللنصوص الشرعية، وهذه الدعوة ظهرت أولًا في زمن المأمون، وانتشرت في زمان المعتصم، ولها فروع، وتكاثرت هذه الفرقة، ثم نتج عنها فِرَق قاديانية والبابية، والبهائية.
[ ٤٢٧ ]
وإذا أردنا أن نبين نشأةَ هذه الفرقة باختصارٍ شديدٍ، نقول: يذكر أصحاب التواريخ: أن دعوة الباطنية بعدما ظهرت أيام المأمون والمعتصم انتشرت، والذين أسسوا هذه الدعوة جماعة منهم: ميمون بن ديصان، المعروف بالقداح، وكان مولى لجعفر بن الصادق، اجتمعوا كلهم مع ميمون القداح في سجن والي العراق فأسسوا مذاهب الباطنية، ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن، ولما رحل ميمون بن القداح إلى ناحية المغرب، انتسب في هذه الناحية إلى عقيل بن أبي طالب وزعم أنه من نسله، فلما دخل في دعوته قومٌ من الروافض وغلاتهم، والحلولية ادعى منهم من ادعى أنه من أبناء إسماعيل بن جعفر الصادق. وظهرت في دعوته إلى الباطنية حمدان قرمط، بذلك لُقِّبَ لقرمطة في خطه، أو في خطوه، وإليه تنسب القرامطة.
ظهر بعده في الدعوة أبو سعيد الجنابي، وكان من مستجيبي حمدان تغلَّبَ على ناحية البحرين، ثم ظهرت هذه الفتنة بالمغرب على يد سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح وظهرت الفتنة أيضًا بأرض فارس على يد مأمون أخي حمدان قرمط وظهرت بأرض الديلم، وانتشرت هذه الدعوة، ولم تلبس هذه الفرقة حتى انتشرت في كثير من البلاد.
ومن أراد معرفة الخط البياني لها علوًّا وانحطاطًا، وظهورًا وانكماشًا؛ فعليه بكُتُب الفرق ككتاب (الفَرْقُ بين الفِرَق) وكتاب (فضائح الباطنية) وكتاب (تلبيس إبليس) و(مشكاة الأنوار) وغيرها.
لا بد أن نعرف أن هذه الفرقة -فرقة الباطنية- لها صلة وجذور تنتمي إلى المجوس، من يمعن النظر في مبادئها؛ يدرك أن هناك اتصالًا قويًّا بين هذه الفرقة وبين المجوسية؛ فإن دعاة الباطنية أولوا أصول الدين، وأحكام الشريعة تأويلًا
[ ٤٢٨ ]
يؤدي في النهاية إلى تفضيل المجوسية، ودفع الشريعة، ونفيها أو جعل الشريعتين المجوسية وشريعة الإسلام في كفتي الميزان متساويتين إلى آخره.
الإمام البغدادي يوضح لنا هذه الحقيقة فيقول: إن الذين وضعوا أساس الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى أسلافهم، ولم يجسروا على إظهار ذلك؛ خوفًا من سيوف المسلمين، وتراهم تأولوا آيات القرآن، وسنن النبي -﵊- على وفق أُسُسِهِم.
يقول البغدادي: ثم إن الباطنية لما تأولت أصول الدين على الشرك احتالت أيضًا لتأويل أحكام الشريعة على وجوهٍ تؤدِّي إلى رفع الشريعة كليةً، والذي يدل على أن هذا مرادهم بتأويل الشريعة أنهم أباحوا لأتباعهم نكاح البنات، والأخوات، وأباحوا شرب الخمر وأباحوا جميع اللذات، ولم يقف أمرهم عند هذا، بل خلطوا كلامهم بمعتقدات الفلاسفة الخارجين عن دين الإسلام.
وأيضًا يقول الإمام الشهرستاني: ثم إن الباطنية القديمة خلطوا كلامهم بكلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على هذا المنهج، فقالوا في الباري -﵎-: لا نقول هو موجود ولا موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز.
وكان لهم هدف معين من أجله كانوا يعملون، من كلامهم كان البعض يقول: أوصيك بتشكيكِ الناسِ في القرآنِ والتوراةِ والزبور والإنجيل، وكانوا يدعون إلى إبطال الشرائع، وذكر عنهم: أنهم أبطلوا القول بالمعاد، والقول بالعقاب والثواب، وقالوا: إن الجنة هي نعيم الدنيا، وأن العذاب إنما هو اشتغالُ أصحابِ الشرائع بالصلاة والصيام، والحج والجهاد.
وقالوا: إن أهلَ الشرائع يعبدون إلهًا لا يعرفونه، ولا يحصلون منه إلا على اسم بلا جسم، كلام فاسد كثير؛ لو أردنا أن ننظر نظرة عابرة إلى بعض نماذج من
[ ٤٢٩ ]
كلامهم الباطل، نراهم أوَّلُوا الوضوء بأنه الإمام، والصلاة عبارة عن الناطق، والهجَّع وهو الرسول النائب عن الإمام، وقالوا: إن الغسل هو تجديد العهد، وقالوا: الزكاة عبارة عن تزكية النفس، والمراد بالكعبة النبي، والمراد بالباب علي، والمراد بالصفا هو النبي، والمروة علي، والجنة راحة الأبدان، والنار مشقة الأبدان، وهكذا كلام لهم باطل.
ولهم في تأويل الآيات كلام غاية في العجب: في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١) قالوا هما أبو بكر وعمر، وفي قوله ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ (الزمر: ٦٥) أي: بين أبي بكر وعمر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: المراد هي عائشة. فقالوا: أئمة الكفر قالوا: طلحة، والزبير وأصحابهم، في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (الرحمن: ١٩) قالوا: علي وفاطمة، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (الرحمن: ٢٢) الحسن والحسين، كلام كثير يناقض شرعنا ويبطل شريعتنا ويخرجون به عن الشريعة إلى أباطيلهم الفاسدة. وقالوا: إن الزنا إفشاء سرهم ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: ٩٩) هو التأويل الذي يقولونه، ولهم كلام في هذا، والحقيقة العلماء ردوا على أباطيلهم.
ونرى ابن الجوزي في مناقشة هادئة يقول: هذه التأويلات الرمزية للباطنية كلام باطل، فيقول: إن قلتم عن إمامٍ معصوم مثلًا؛ فما الذي دعاكم إلى قبوله، أو
[ ٤٣٠ ]
قبول قوله بلا معجزة، وترك قول محمد -ﷺ- مع المعجزات؟ ثم ما يؤمنكم أن يكون ما سمع من الإمام المعصوم له باطن غير ظاهر؟
يقولون: إن هذا أسرار وكذا، وإذا قيل: هذه البواطن والتأويلات هل يجب إخفائها أم إظهارها؟ إن قالوا: يجب إظهارها، نقول: لم كتمها محمد -ﷺ-؟ وإن قالوا: يجب إخفاؤها، قلنا: ما وجب على الرسول إخفاؤه كيف يحل لكم أنتم إفشاؤه؟! والحقيقة: أنهم عطلوا ظواهر الشرع بما ادعوه من تفاسيرهم، وأبطلوا أصول الدين بكلامهم الباطل هذه وذاك.
من الفرق المتعمدة الإلحاد في التفسير أيضًا: القاديانية: وفرقة القاديانية هذه الجماعة ظهرت على يد مرزا غلام أحمد، الذي ولد عام ١٢٥٢هـ سنة ١٨٣٩م في آخر عهد حكومة سيخ من أسرة نزحت قديمًا من سمرقند، واستوطنت قرية قاديان، وهذه الأسرة تنتمي إلى الترك إلى سلالة مغولية، منهم سلالة تيمورلنك القاديانية إلى آخره.
القاديانية من مبادئهم: يدعي صاحبها أن الله سماه نبي. من مبادئهم: تكفير من لا يؤمنُ بمبادئهم. من مبادئهم: مساواة الوحي القادياني بالقرآن الكريم، وليس عندهم لا وحي ولا شيء، إنما هي أوهام وخرافات. من مبادئهم: اعتقاد القادياني في الله والأنبياء والصحابة، اعتقادًا يصل إلى قمة الكفر.
[ ٤٣١ ]
من مبادئهم: النهي عن الصلاة خلف المسلمين أحياءً، ولا يُصَلَّى على المسلمين أمواتًا. من مبادئهم: نسخ فريضة الجهاد. كلام واضح في الإلحاد ضد الإسلام.
وإذا أردنا أن نأخذ بعض نماذج من تحريفاتهم فهذه هي الآية قول الله -جل وعلا-: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد﴾ (الصف: ٦) يقولون: إن الآية تبشر بمجيئي، وأن المراد من أحمد هو أنا، أي: غلام أحمد مؤسس هذه الجماعة.
وفي قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (الصف: ١٣) يقولون: إن المراد بها القاديانيون، وليس الصحابة المعروفون، في قوله تعالى: ﴿وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠) في وصف نبينا محمد -﵊- يقولون: ليس المراد أنه آخر النبيين، إنما هو زينة النبيين، واستدلوا على ذلك بقراءات أخر، كلام لا حجة معه، ولا شك أن هذا التفسير مخالف لما جاءت به الأحاديث النبوية الصريحة: بأن نبينا خاتم الأنبياء جميعًا، سواء قُرئت الآية "خَاتَم" أو "خَاتِم" بالقراءتين.
ومن الأحاديث: ما أخرجه الإمام أحمد قول رسول الله -ﷺ-: «إن الرسالة قد انقطعت؛ فلا رسول بعدي ولا نبي» حديث حسن صحيح، وحديث البخاري ومسلم المتفق عليه: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنا بيتًا، فأحسنه، وأجمله إلا موضعَ لبنة من زاويةٍ، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هَلَّا وُضِعَت هذِهِ اللبنة؟ قال: فأنا اللبنَةُ، وأنا خَاتَمُ النبيين» حديث متفق عليه.
[ ٤٣٢ ]
الفرق المنحرفة الأخرى البابية والبهائية: وأيضًا إطلالة سريعة على هذه الفرق، فنجد أن البابية نسبة إلى المؤسس الأول للجماعة الذي كان يلقب بالباب، والبهائية نسبة للمؤسس الثاني؛ حيث كان يلقب ببهاء الله، وهذه النحلة قامت على يد ميرزا علي محمد، الملقب بالباب الذي نشأ في شيراز بجنوب إيران، وأخذ شيئًا من مبادئ العلوم ثم اشتغل بالتجارة، ولما بلغ من العمر الخامسة والعشرين ادعى إنه المهدي المنتظر، وكان إعلانُه بهذه الدعوة سنة ١٢٦٠ هـ فأخذها بالتسليم طائفة من الجهلة، وأرسل بعض هؤلاء الجهال إلى نواحٍ مختلفة من إيران للإعلام بظهوره، ونشر مزاعمه، وأكاذيبه، والبابية والبهائية، وكلام كثير كله من الأباطيل.
لننتقل إلى نماذج من تفاسيرهم: يقول ميرزا علي المسمى بالباب المؤسس لهذه الفرقة يقول في تفسير قوله: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: ٤) المراد من يوسف هو الحسين بن علي، والمراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمد، وبالنجوم أئمة الحق؛ فهم الذين يبكون على يوسف سجدًا.
ونظام البهاء له كلام في الوصية والميراث جاء عنه ما نصه: قرر بهاء الله أن يكون لكل شخص حق في التصرف في أملاكه في حال حياته، بأي طريقة يختارها، وأوجب على كل شخص وصيته يعين فيها كيف يكون تقسيم ميراثه بعد وفاته؛ فإذا توفي شخص بدون وصية، يقسم ما تركه على نسب معينة على سبعة أصناف من الوارث، وهم الأولاد والزوجة أو الزوج والأب والأم والأخوة
[ ٤٣٣ ]
والأخوات والمعلمين، هذا كلام عندهم في تعليماتهم التي تخالف تعاليم الإسلام في كثير.
رأي الأزهر حول هذه الفرقة؟
وقد أصدر الأزهر الشريف عدة فتاوى بكفر هذه النحلة البابية والبهائية؛ لاعتناقها المبادئ الضالة التي تنافي أبسطَ قواعد الإسلام؛ فهم ينكرون الجنة والنار ويقولون: إن قصة آدم ليست حقيقة، وإنما هي وهمية، وينكرون في الميراث أشياء صريحة في القرآن الكريم، وكان آخر ما صدر عن الأوساط الدينية في مصر بشأن هذه النحلة هذا التقرير الذي قدمه أمين مجمع البحوث الإسلامية لنيابةِ أمن الدولة العليا بعد القبض على جماعةٍ من هذه الفرقة البابية والبهائية المنحرفة.
جاء في البيان والتقرير: إن جميع الفتاوى التي صدرت من الأزهر من الشيخ الخضر حسين أفتت بتكفير هذه الطائفة، وخروجها عن الدين الإسلامي؛ لما يأتي:
أولًا: للقول بأن محمد رسول الله ليس خاتم الأنبياء، وهذا يخالف صريح القرآن والسنة وما علم من الدين بالضرورة.
ثانيًا: عندهم إنكار ما جاء بالقرآن، بل القول بإلغائه، وهذا كفر صريح.
ثالثًا: البهائية مذهب يحاول صياغةَ الدين من جديد؛ بالخلط بين اليهودية والمسيحية والإسلام؛ لإيهام السذج بأنه الدين الذي يجمع بين جميع الديانات، وهذا مخالف للإسلام ولليهودية والمسيحية.
وعندما ظهرت هذه الدعوة في إيران حاربها العلماء وأعدموا زعيمها بعد محاكمته، وظهور كفره.
[ ٤٣٤ ]
خامسًا: اعتبارهم لمدينة حيفا قبلة لهم بدلًا من الكعبة، وهذا كفر وضلال مبين؛ عداوة ظاهرة للقرآن والسنة، وما أجمعت عليه الأمة.
في ختام الكلمة عن هذه الفرقة يلاحظ: أن الباطنية والبهائية يتلاقيان، ويتشابهان في تأويل النصوص بالباطل مع المجوس ومع اليهود؛ ليفسدوا على المسلمين دينهم، فالبهائية امتداد للباطنية وبما اشتركوا فيهِ من المبادئ الهدامة والمعتقدات الفاسدة، وقد ادعى ميرزا علي الملقب بالباب: أنه رسول الله، ووضع كتابًا، وزعم أن ما فيه شريعة منزلة من السماء، وسماه (البيان) وزعم أن شريعته ناسخة للشريعة الإسلامية، وأبطل فرائض الإسلام وحرفها، بهذا يتفق ويتشابه مع ما في الباطنية.
وعندهم أيضًا من يدعي حلول الإله في بعض الأشخاص فالقرامطة قالوا بإلهية محمد بن إسماعيل بن جعفر، وادعوا الحلول، ودعواهم تظهر في مقالاتهم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الباطنية دائمًا مع كل عدوٍّ للمسلمين. والصلة بينهم وثيقة بينهم وبين الصهيونية؛ فقد رأت الصهيونية في البهائية الوسيلة العظمى لتشويه عقيدة الإسلام، بل إن الصهيونية أوَّلَت نصوص التوراة بما يتفق مع هوى البهائية؛ ليشتركوا في عداوتهم للإسلام.
هذا القدر يكفي عن هذه الفرقة.