الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:
المسوخ من المخلوقات:
المسوخ جمع: مسخ، أي: الممسوخ من حالة إلى حالة أخرى، يعني: هناك مخلوقات مسخها الله وحوَّلها من شيء إلى شيء، ونعلم أن الله -﷾- قد عاقب فريقًا من بين إسرائيل أصحاب السبت، لما عصوا ربهم واعتدوا في يوم السبت كان العقاب لهم كما نطقت الآية: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (البقرة: ٦٥).
حديثنا عن حديث أو عن إسرائيلية وردت ذكرها زنادقة أهل الكتاب، فوضعوا حديثًا عن النبي -ﷺ- وهو خرافات لا يُصدقها عقل، قالوا: إن هناك بعضَ أنواع الحيوانات زعموا أنها مُسخت -سبحان الله العظيم- ولو أن هذه الخرافات نُسبت إلى من دخل في الإسلام من أهل الكتاب، من نسميهم أقطاب الرواية الإسرائيلية مثل كعب الأحبار وأمثاله، أو حتى نسبوها إلى بعض الصحابة أو التابعين؛ لهان الأمر، ولكن عظم الإثم أن يُنسب ذلك إلى رسول الله -ﷺ- المعصوم، وهذا اللون من الوضع والدسّ مِن أخبث أنواع الكيد للإسلام ونبي الإسلام -ﷺ.
ذكر الإمام السيوطي -عفا الله عنه، بعدما أورد طامَّات وإسرائيليات في قصة هاروت وماروت، ولم يعلق عليها بكلمة - هذا الحديث الغريب ونصه: أخرج الزبير بن بكار في (الموفقيات) وابن مردويه والديلمي: أن النبي -ﷺ- سئل عن المسوخ فقال:
"هم ثلاثة عشر الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث، والضب، والوطواط، والعقرب، والدعموث، والعَنكبوت، والأرنب، وسهيل، والزهرة، فقيل: يا رسول الله، وما سبب مسخهنّ؟ يعني: كأن هذه الأشياء كانت خلقًا آخر، ثم مُسخت إلى هذه الحيوانات، فقال -كما زعم هؤلاء-:
[ ١٠٩ ]
فأما الفيل فكان رجلًا جبارًا لوطيًّا لا يدع رطبًا ولا يابسًا، وأما الدب فكان مؤنثًا يدعو الناس إلى نفسه، وأما الخنزير فكان من النصارى الذين سألوا المائدة، فلما نزلت كفروا، وأما القردة فيهودٌ اعتدوا في السبت، وأما الجريث -هي على وزن سكيت، وهي نوع من السمك- فكان ديّوثًا الذي لا يغار على زوجته - فنسخ إلى الجريث يدعو الرجال إلى حليلته، ولا يغضب.
أما الضب فكان أعرابيًّا يسرق الحاج بمحجنه، وأما الوطواط فكان رجلًا يسرق الثمار من رءوس النخل، وأما العقرب فكان رجلًا لا يسلم أحدٌ من لسانه، وأما الدعموث -دابة صغيرة مثل الدودة دويبة، أو دودة سوداء تكون في أماكن تجمع الماء إذا نضب ماؤها - فكان نمامًا يفرق بين الأحبة، وأما العنكبوت فامرأة سَحرت زوجَها، وأما الأرنب فامرأة كانت لا تتطهر من حَيْضها، وأما سهيل فكان عشارًا باليمن -العشار هو الذي يأخذ عشر الثمرات، والإنتاج، ضرائب يأخذها بلا مقابل، وهو معروف أن هذا من المكسب من المحرمات - وأما الزهرة فكانت بنتًا لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت وماروت".
حديث ذكره السيوطي ونقله عن غيره، ويتعلق بقضية المسوخ من المخلوقات. ألا قبح الله من وضع هذا الكذب وهذا الزور والباطل، ونسبه إلى المعصوم إلى مَن لا ينطق عن الهوى -ﷺ.
يقول شيخنا فضيلة الشيخ محمد أبو شهبة:
ومما يقضى منه العجب أن الإمام السيوطي ذكر هذا الهُراء من غير سند، ولم يعقب عليه بكلمة استنكار، سبحان الله، مع أن الإمام السيوطي له مواقف كثيرة طيبة في التعقيب على الأحاديث الباطلة، والموضوعات، ونحو ذلك: ومثل هذا لا يشك طالب علم في بطلانه فضلًا عن عالم كبير.
[ ١١٠ ]
وأما العلامة ابن الجوزي فقد حكم عليه بالوضع، وكذا ذكره الإمام السيوطي في (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) وتعقبه بما لا يجدي، يعني: كأنه عقَّب عليه بكلام هزيل لا يبين بطلانه وفساده، وكان من الأمانة العلمية -والكلام لشيخنا الشيخ أبو شهبة- أن يشير -أي: السيوطي- إلى هذا، وبعد هذا الكذب والتخريف ينقل الإمام السيوطي ما رواه الطبراني في (الأوسط) بسندٍ ضعيفٍ، كذا قال عن عمر بن الخطاب قال: جاء جبريل إلى النبي -ﷺ- في غير حينه، ثم ذكر قصة طويلة في وصف النار، وأن النبي -ﷺ- بكى، وأن جبريل بكى حتى نوديَا: إن الله أمنكما أن تعصياه. الكلام هذا مذكور في تفسير الإمام السيوطي (الدر المنثور) الجزء الأول صفحة ١٠٢ وما بعدها، وأغلب الظن -كلام شيخنا الشيخ أبو شهبة- أن هذا من الإسرائيليات التي دُسَّت في الرواية الإسلامية على حين غفلة من الناس.