الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
كنا قد تكلمنا عن الأحاديث الموضوعة، وخاصة ما يتعلق ببر الوالدين، وهناك كثرة من الأحاديث التي أوردها المفسرون في بر الوالدين، ومن ذلك ما أخرجه أبو السعود في ت فسيره لقول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ١١٦)، فقد أخرج في هذه الآية، قال: قال رجل لرسول الله -ﷺ-: "إن أبويا بلغا من الكبر، وإني أَلِي منهما ما ولِيَ مني في الصغر، فهل قضيتهما حقهما؟ قال: لا؛ فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك، وأنت تريد -أو تنتظر- موتهما". هذا الحديث قال عنه الحافظ ابن حجر حين تعرض له في تخريجه لأحاديث (الكشاف): لم أجده.
من الأحاديث الضعيفة أيضًا في عقوق الوالدين: ما أخرجه كثير من المفسرين رووا: أن شيخًا أتى النبي -ﷺ- فقال: إن ابني هذا له مالٌ كثيرٌ، وإ نه لا ينفق عليَّ من مالِهِ، فنزل جبريل -﵇- قال: إن هذا الشيخ قد أنشأَ في ابنه أبياتًا، ما قُرِعَ سمعٌ بمثلها، فاستشهدها فأنشدها الشيخ فقال:
غَذَوْتُك مَوْلُودًا ومُنْتُك يَافعًا تُعلُّ بما أُحْنُو عَلَيكَ وتَنْهَلُ
إذَا لَيْلةٌ ضَافَتْك بالسُّقْمِ لَم أَبِتْ لسُقْمِكَ إلَّا باكِيًا أَتَملْمَلُ
كَأَنِّي أنا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بالذي طُرِقتَ به دُوني وعَيْنِيَ ت هـ ملُ
فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ والغَايَةَ الَّتي إليْها مَدَى مَا كُنْتُ فِيك أُؤَمِّلُ
جَعَلْتَ جزَائي غلْظَةً وفَظَاظَةً كأَنّك أنتَ المُنْعمُ الْمُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَكَ إذ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبوَّتي فَعَلْتَ كَمَا الجَارُ المجاورُ يَفْعَلُ
وأنشد هذه الأبيات، فغضب رسول الله -ﷺ- فقال: "أنت ومالك لأبيك" ذكر هذه الرواية أبو السعود وغيره، هذا الحديث فيه ضعف وانقطاع، يقول صاحب
[ ٣٦٥ ]
كتاب (تمييز الطيب من الخبيث) أخرجه ابن ماجه، والطبراني في (الأوسط) و(الصغير) من طريق المنكدر بن محمد المنكدر عن أبيه عن جابر، والمنكدر هذا ضعفوه من قِبَلِ حفظه، وهو في الأصل صدوق، لكن في السند من لا يعرف، والحديث عند البزار منقطع، قال شيخنا بعد إيراده من طرق كثيرة: وهو قوي.
وهذا الحديث أورده القاضي أبو بكر بن العربي من نفس الطريق في (أحكام القرآن)، وقال تعقيبًا عليه: قال سليمان: لا يروى هذا الحديث عن محمد بن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد تفرد به عبد الله بن خلصة.
كما أورد هذا الحديث ابنُ جرير في (المطالب العالية) من رواية بن أبي عمر عن الشعبي، وعنه قال حبيب الرحمن تعقيبًا عليه في كتابه (المطالب العالية)، ضعف البوصيري السند؛ لضعف محمد بن أبي ليلى، وإذا ثبت أن الحديث ضعيف السند منقطع غير متصل لا نعلم صحةَ نسبِهِ إلى رسول الله -ﷺ- فمن الخطأ البَيِّنِ رفعُهُ إلى المعصوم -﵊- على أنه قد روي في بر الوالدين في (الصحيحين) وغيرهما ما يغني عن هذه الأحاديث، فقد ورد في فضل البر ما لا يحصى كثرة من الأحاديث، وصح عن العقوق أنه من أكبر الكبائر، وأقبح الذنوب.