قصة ز واج النبي -ﷺ- بزينب بنت جحش ابنة عمته -﵊، ورضي الله تعالى عنها-:
هذه القصة التي تناقل المفسرون فيها إسرائيليات لا تقبل؛ لأن فيها ما ينافي عصمة الأنبياء، فيها ما يقدح في خُلق رسول الله -ﷺ- مما يجب أن يتصف به من الصدق، والأمانة، والعِصمة.
[ ٩٦ ]
أما الآيات فهي قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: ٣٧).
روى البعض من المفسرين: أن رسول الله -ﷺ- رأى زينب أبصرها بعدما أنكحها زيد بن حارثة وتبن َّ اه بعدما أعتقه، فوقعت زينب في نفسه، فقال: "سبحان مقلب القلوب " وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، أوردوا أيضًا أن الرسول خرج يوم ً ايريد زيدًا، وعلى الباب ستر من شعر فيرفع الريح الستر ف انكشفت زينب بنت جحش وهي في حجرتها حاسرة؛ فوقع إعجابها في قلب النبي، حاشاه -ﷺ.
هذه القصة البا ط لة ما ذكره بعض المفسرين بهذا الشأن ما هو إلا أكاذيب وأ باطيل وإسرائيليات، وإذا ما حققنا في هذا الأمر عرفنا أن الذي كان سببًا في هذه الثورة الاستشراقية على الإسلام والرسول يرجع في أصله إلى يوحنا الدمشق ي، نصراني عاش في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني الهجري: هذا الرجل وجد أن ينقل هذه الإسرائيليات، وو ُ جد في عهد عبد الملك بن مروان وكان اسمه بالعربي منصور، هذا الرجل هو الذي دس َّ أو ل فِرية مما يتناقله الناس بعده من أن النبي -ﷺ- عشق زينب بنت جحش، وفشت هذه الفرية وراجت بين تابعي التابعين حتى جاءت على لسان قتادة منسوبةً إليه، وذكرها ابن جرير الطبري ونقلها عنه غيره من المفسرين فكانت أعظمَ ال افتراء، وهي تتجافى عن نسق الآية وعن عصمة نبينا محمد ٍ -ﷺ- وعن خلقه.
ولم يثبت في الصحاح شيء من هذا أبدًا، ولم ينسب هذا التاريخ لأحد ٍ بطريق مقبول، وكان يوحنا هذا نصراني ًّا، له باع في المجادلة والمناظرة، وكان يستطيع
[ ٩٧ ]
بمجادلته ومناظرته إفحام بعض المسلمين العوام ببراهين كاذبة من الإسرائيليات، ومن هذه البراهين الإسرائيلية دس َ هذه القصة الكاذبة مقارنًا إي َّ اها بما ن ُ سب كذبًا وبهتانًا إلى داود -﵇- من أنه تخلص من أوريا بعدما أحب زوجته حتى ق ُ تل وتزوجها. كل ذلك دس ٌّ رخيص على رسل الله -عليهم الصلاة والسلام.
نقول توضيحًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ الخصوم فسروا هذه العبارة بأن الذي كان يخفيه في نفسه هو حب زينب، ورغبته الأكيدة في طلاقها من زيد؛ ليتزوجها بعده. وهذا كذب على رسول الله -ﷺ- تفسير خطأ عظيم، وخروج بالآية عن معناها الحقيقي، وتحميل لها بما لا تحتمله. والتفسير الصحيح لقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ هو ما ذكرته الآية بعد ذلك، والبيان: أي: وتخفي ما أعلمك الله به من قبل من أن زيدًا سيطلقها وأنك ستتزوجها بعدها؛ هدمًا لظاهرة التبني، وتشريعًا للأمة أن زوجة المتبنا ة لا تحرم إذا ط لقها المتبن ى؛ لأ نه ليس ابنًا حقيق يًّ اللإنسان، وهذا: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾.
لماذا أخفى النبي ذلك؟ مراعاةً لشعور زيد؛ حياءً منه، مع أن الله - جل وعلا - سيبد ي هذا الأمر لا محالة، ويظهره إلى حيز الوجود، وإنما خشي النبي -ﷺ- من ملامة الناس لعدم علمهم أن يقولوا: إ ن محمدًا تزوج زوجة متبناه، فهذا الذي معنى الآية: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ أي: تخشى الناس أن يقولوا تزوج محمد زوجة ابنه. ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فهو الذي بيده الخلق والأمر، وهو الذي شرع لك ما أوحى به إليك في هذا الموضوع، فلا
[ ٩٨ ]
تلتفت إلى مقالة الناس ما دامت الأوامر وحي ًا من الله، ولا تستحي من أحد؛ لأن الله أحق أن يستحيا منه.
والعجيب أن القرآن الكريم قد قرر أن زواج زوجة المتبنا ة هذا مباح لا حرج فيه، بل هو مشروع وكان مقررًا في الشرائع السابقة، تأم َّ ل الآية: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨) إذًا الذي أخفاه النبي -ﷺ- هو أن زوج زيد السيدة زينب بن جحش سوف يطلقها ويتزوجها رسول الله -ﷺ- ليعلم الناس أن زواج زوجة المتبنَّى هذا أمر جائز مشروع، ويجب أن ي ُ بطل ما عرفته العرب من حرمة زواج زوجة المتبنى، وأن ذلك كزوجة ال ابن، أراد القرآن الكريم بعد أن تبنى رسول الله زيد ًا ثم أعتقه وزوجه ابن ة عمته زينب ًا، وكانت أمام رسول الله لو كان يريدها لتزوجها من قبل، ولكن الله أراد بهذا أن تنتهي هذه الحالة التي كانت العرب تأنف منها، وكان وا لا يرضون أن يتزوج الرجل زوجة متبناه.
فالذي أخفاه النبي -ﷺ- في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ هو الذي أبداه الله وأظهره بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ هذا الذي أخفاه النبي -ﷺ- خشيةَ الحرج من زيد، وخشية ملامة البعض؛ لأنهم لا يفهمون الحكم الشرعي، ومن أجل ذلك كانت الآيات واضحة.
فكلام الناس في الروايات الإسرائيلية أن النبي رآها وأ ُ عجب بها، ونظر إليها، هذا من الإسرائيليات والأكاذيب التي دس َّ ها لكتب التفسير في العصر الأول هذا الرجل النصراني الذي كان عدو ًّا للإسلام يوحنا الدمشقي.
[ ٩٩ ]
بهذا يتبين أن هذه القصة الحق فيها واضح، وأن رسول الله -ﷺ- كل َّ فه ربه أن يخبر بهذا؛ لكي يبطل عادة التبني، وعادة حرمة زواج زوجة المتبنى، وهذا مقرر في الشرائع السابقة كما نطقت الآية القرآنية المباركة.