الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
نذكر أن كتب التفسير التي عُنيت بالإسرائيليات، أو ذكرتها سواء بحسن قصد أو بعدم تعمد، ابن جرير الطبري (معالم التنزيل) للبغوي، (لباب التنزيل) للخازن، ابن كثير القرطبي، أبو السعود، النسفي، هذه الكتب مع أن ابن كثير من أميزها وأفضلها؛ إذ أنه عقَّب على كثير مما ذكر، ومحَّص كثيرًا من الروايات إلا أن أكثر ما ورد في هذه الكتب لا يزال يحتاج إلى تنقية.
وردت روايات بشأن العصا مع صِهر موسى -﵇-:
ورد في تفسير النسفي: أن موسى -﵇- هو الذي أخذ العصا بعدما ردَّها سبع مرات، وأن هذه العصا توارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب -﵇- فكان مكفوفَ البصر فلما مسَّها هداه الله وأكرمه الله بها، وأنه ضَنَّ بها -﵇.
وفي رواية الطبري: أن العصا استودعها ملِك في صورة رجل عند شعيب، وأن الذي أعطى موسى العصا ابنة شعيب، وفي رواية أخرى للطبري: أن العصا هي التي طارت إلى موسى، وليس موسى ولا ابنة شعيب أخذها أو أعطتها له، وهي رواية مقاتل عند الثعلبي في قصصه. وهناك رواية أخرى ثالثة عند الطبري: أن الذي أعطى العصا لموسى هو جبريل، ولا شك أن تناقض هذه الروايات واختلافها يدل على بطلانها.
[ ٨٩ ]
ونستطيع أن نقول:
إن إبطال هذه الروايات يتأتى من وجوه: هذه الروايات كلها ضعيفة، فرواية النسفي عن طريق محمد بن السائب الكلبي وهو معروف بالضعف، ورواية الطبري الأولى من طريق السدي وهو ضعيف أيضًا، والروايات الأخرى تأتي عن طريقهما، وهذان الراويان مشهوران برواية الإسرائيليات، كما أن رواية الإمام النسفي ذكرت أن شعيبًا كان مكفوفًا، وفي هذا وصف للأنبياء بما لا يليق بهم؛ إذ إن العمى نقص بشري، والأنبياء منزهون عن كل نقص بشري؛ لأنهم يرسلون إلى الناس، ولا بد أن يكونوا مع الفطانة، والتبليغ، والصدق، والأمانة يكون شكلهم مقبولًا وطيبًا، لا يقدح في أداء رسالتهم.
ثالثًا: نقول: لقد ورد في رواية النسفي أن موسى -﵇- عرف قيمة العصا، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٨) أن موسى -﵇- لما ذكر بعض المآرب شكرًا أجمل الباقي؛ حياءً من التطويل، أو ليسأل عنها الملك العلام فيزيد في الإكرام، والمآرب الأخرى أنها كانت تماشيه، وتحدثه، وتحارب العدو والسباع، وتصير رِشاء فتطول بطول البئر أي: كالحبل الذي يُنزل به الدلو ليملأ به الماء، وتصير شعبتاها دلوًا، وتكونان شمعتين بالليل وتحمل زاده ويركزها، فتثمر ثمرة يشتهيها، ويركزها فينبع الماء، فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوامّ.
هذا تكلف صعب وتعسف بالغ الشدة، إذ لو كانت كذلك لما استنكر موسى -﵇- صيرورتها ثعبانًا، أو حيةً تسعى، أو جانًّا كما كان يفرّ منها هاربًا، ويولي مُدبرًا.
إذًا فكل ذلك من الإسرائيليات المنقولة عن أهل الأخبار والقصص، وكذا قولهم: أن العصا كانت لآدم -﵇- أو أعطاه إيَّاه جبريل -﵇- وأيضًا بينما ذكره الإمام النسفي في شأن العصا، وبين ما جاء في القرآن الكريم تناقض واضح،
[ ٩٠ ]
ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ (طه: ١٧ - ٢٣) تدل هذه الآيات على أن موسى -﵇- لم يكن يعرف ما في العصا من أسرار، وإنما عَرَف ذلك بعدما ألقاها بأمر ربه، ولما تحولت إلى حية تسعى خاف منها، فأم َّ نه الله.
وكون العصا آية من آيات الله الكبرى يبطل كل ما ذكر فيها من روايات، فإن العصا عصى عادية تمامًا، وليست كما صوروا، وقد صوروها ووصفوها بكل هذه الأوصاف التي لا ت ُ تصو َّ ر قبل أن يوحى إلى موسى -﵇ - وكانت العصا آية ومعجزة لموسى بعد الوحي، كما أن هناك فرقًا بين المقامين كما جاء في حال موسى والعصا في سورة "النمل" و"القصص".
قال الإمام النسفي في المآرب: إ ن العصا شعبتاها تكونان شمعتين بالليل، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا قال موسى لأهله: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (القصص: ٢٩).
قضية الأجلين:
أي الأجلين قضى موسى -﵇- مع صهره؟
الذي يظهر من نص القرآن الكريم أن موسى قضى أبعد الأجلين عشر سنين عند صهره، وهذا ما تدل ّ عليه الآية: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ (القصص: ٢٩)، ذكرت الآية هذا الكلام، وع ُ طفت بالفاء، والفاء للترتيب والتعقيب، يعني: عقب انقضاء الأجل سار موسى لأهله، وقد
[ ٩١ ]
ذُكرت فيه أخبار موقوفة على ابن عباس تدل على هذا. أما ما ذكره الإمام النسفي عن وهب بن منبه قال: لبث موسى عند شعيب ثماني ة وعشرين سنة، عشر منها نهر بصافوراء، وأقام عنده ثماني عشرة سنة بعدها، حتى ولد له أولاد، فهو ظاهر أنه من الإسرائيليات التي لا حاجة لنا فيها، وليست متطابقة مع النص القرآني.
بعد ذلك أي ّ البنتين تزوج موسى - ﵇-؟
وردت الروايات تفيد أن موسى -﵇- تزوج من الصغرى لكنها روايات ضعيفة، والأرجح أن موسى -﵇- تزوج واحدة من ابنتي الشيخ الكبير، والله أعلم أهي الصغرى أم الكبرى؟.