فإلى نماذج أخرى نستكمل منها هذا النوع من الأحاديث في فضائل السور؛ يروي لنا زملاؤنا في كتبهم ما ورد أيضًا من الأحاديث؛ ما جاء في فضل سيدنا يونس -﵇- فقد أخرج أبو السعود رواية عن النبي -ﷺ-: "لا تفضلوني على يونس بن متى، فإنه كان له كل يوم مثل عمل أهل الأرض" وهذا الحديث طبعًا غير الحديث الصحيح الوارد في (الصحيحين) «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» فطبعًا الزيادة هذه في الحديث الأول غير صحيحة، أدخلت على الحديث الجملة "كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض" أبدًا كلام غير صحيح. فالشيخان وأصحاب السنن لم يوردوا لنا هذه الجملة.
ورد في إهلاك قوم لوط عند قوله تعالى في الحجارة التي ألقيت عليهم: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: ٨٣) قال: إنهم -يعني قوم لوط- بسبب ظلمهم مستحقون لها، وهم لابسون بها؛ أي: بالحجارة التي عذبوا بها، وفيه وعيد شديد لأهل الظلم كافة، وعن رسول الله أنه سأل جبريل -﵇- فقال: "يعني ظالمي أمتك، وما من ظالم منهم إلا وهو يعرض علي هـ حجر، يسقط عليه من ساعة إلى ساعة".
وهذا الخبر الذي أورده أبو السعود في تفسير الآية مردود من وجهين؛ أولهما: أن الحكم باقٍ على عمومه، أما قوله في الحديث يعني: "ظالمي أمتك" فتخصيص
[ ٣٥٩ ]
يحتاج إلى دليل ولا دليل، ثانيهما: أن الخبر مجهول الأصل لا يعرف له سند، وفيه يقول الحافظ ابن حجر: ذكره الثعلبي من غير سند.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٧). قال بعض المفسرين: إنه لم يعطَ الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة، فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة، وهذا عندنا ضعيف، هذا قول الحافظ ابن حجر، وهذا عندي ضعيف؛ لأن قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٥٦) إشارة إلى أنا مملكون لله، وهو الذي خلقنا وأوجدنا، وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٥٦) إشارة إلى أنه لا بد من الحشر والقيامة، ومن المحال: أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك، فمن عرف عند نزول بعض المصائب أو عرف بأنه لا بد في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى، فهناك تحصل السلوى التامة عند تلك المصيبة، ومن المحال: أن يكون المؤمن بالله غير عارف بذلك. ومن ذلك نرى الخبر الذي أورده أبو السعود ضعيف سندًا متنًا.