الجمهورُ على رَفْعِها على أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، ويَجيء فيه الخلافُ المشهورُ في تعدُّدِ الخبرِ، فَمَنْ أجازَ ذلك حَمَلَ الآيةَ عليه من غير تأويلٍ، ومَنْ مَنَعَ ذلك قال: هذه الأخبارُ وإن تعدَّدَتْ لفظًا فهي متَّحِدَةٌ معنًى، لأنَّ المعنى: هم غيرُ قائلين للحقِّ بسبب عَماهم وصَمَمِهم، فيكون من باب: «هذا حُلوٌ حامِضٌ» أي مُزٌّ، و«هو أَعْسَرُ يَسَرٌ» أي أَضْبَطُ، وقول الشاعر:
٢٢٣ - ينامُ بإحدى مُقْلَتَيْهِ ويتَّقي بأخرى المَنايا فهو يَقْظانُ هاجِعُ
أي: متحرِّزٌ، أو يقدَّر لكلِّ خبرٍ مبتدأً تقديرُه: هم صُمٌّ، هم بُكْم، هم عُمْي، والمعنى على أنهم جامعون لهذه الأوصافِ الثلاثة، ولولا ذلك لجاز أن تكونَ هذه الآيةُ من باب ما تعدَّدَ فيه الخبرُ لِتعدُّدِ المبتدأ، نحو قولِك: الزيدونَ فقهاءُ شعراءُ كاتبون، فإنه يَحْتمل أن يكونَ المعنى أن بعضَهم فقهاءُ، وبعضَهم شعراء وبعضَهم كاتبون، وأنَّهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة، بل بعضُهم اختصَّ بالفقه، والبعضُ الآخر بالشعرِ، والآخرُ بالكتابة.
وقُرئ بنصبها، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه حالٌ، وفيه قولان، أحدُهما: هو حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في «تَرَكَهم»، والثاني من المرفوع
[ ١ / ١٦٥ ]
في «لا يُبْصرون» . والثاني: النَصبُ على الذَمِّ، كقولِه: ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ [المسد: ٤] . وقول الآخر:
٢٢٤ - سَقَوْني النَّسْءَ ثم تَكَنَّفوني عُدَاةَ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وزُورِ
أي: أَذُمُّ عُداةَ اللهِ. الثالث: أن يكونَ منصوبًا بتَرَكَ أي: تَرَكهم صُمًَّا بُكْمًا عُمْيًا.
والصَّمَمُ داءٌ يمنعُ من السَّماع، وأصلُه من الصَّلابة، يقال: «قناةٌ صَمَّاء» أي صُلبة، وقيل: أصلُه من الانسدادِ، ومنه: صَمَمْتُ القارورةَ أي: سَدَدْتُها. والبَكَم داءٌ يمنع الكلامَ، وقيل: هو عدمُ الفَهْمِ، وقيل: الأبكم مَنْ وُلِد أخرسَ.
وقولُه: ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ جملةٌ خبريةٌ معطوفةٌ على الجملةِ الخبريةِ قبلها، وقيل: بل الأُولى دعاءٌ عليهم بالصَّمَم، ولا حاجةَ إلى ذلك. وقال أبو البقاء: «وقيل: فهم لا يَرْجِعُون حالٌ، وهو خطأٌ، لأن الفاء تُرَتِّبُ، والأحوالُ لا ترتيبَ فيها» . و«رَجَعَ» يكونُ قاصرًا ومتعديًا باعتبَارَيْنِ، وهُذَيْل تقول: أَرْجَعَهُ غيرُهُ فإذا كان بمعنى «عاد» كان لازمًا، وإذا كان بمعنى أعاد كان متعديًا، والآية الكريمةُ تحتمل التقديرينِ، فإنْ جَعَلْنَاه متعديًا فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُهُ: لاَ يَرْجِعُون جوابًا، مثلُ قوله: ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] . وَزَعَمَ بعضُهم أنه يُضَمَّن معنى صار، فيرفعُ الاسم وينصِبُ الخبر، وجَعَل منه
[ ١ / ١٦٦ ]
قولَه ﵇: «لا تَرْجِعوا بعدي كُفَّارًا يضربُ بعضُكم رِقابَ بعض»، ومَنْ مَنَعَ جريانِهِ مَجْرى «صار» جَعَلَ المنصوبَ حالًا.
[ ١ / ١٦٧ ]