قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفًا على قولِه: «قالوا سَمِعْنا»، ويجوزُ أن يكونَ حالًا من فاعل «قالوا»، أي: قالوا ذلك وقد أُشْربوا ولا بدَّ من إضمار «قد» لِيَقْرُبَ الماضي إلى الحالِ خلفًا للكوفيين، حيثُ قالوا: لا يُحْتاجُ إليها. ويجوز أن يكونَ مستأنفًا لمجردِ الإِخبارِ بذلك، واستضعَفَه أبو البقاء، قال: «لأنَّه قد قالَ بعدَ ذلك: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ﴾، فهو جوابُ قولِهم:» سَمِعْنا وعَصَيْنا «، فالأَوْلَى ألاَّ يكونَ بينهما أجنبيٌ» . والواوُ في «أُشْرِبوا» هي المفعولُ الأولُ قامَتْ مقامَ الفاعلِ، والثاني هو «العِجْلَ» لأنَّ «شَرِبَ» يتعدَّى بنفسه فَأَكْسَبَتْه الهمزةُ مفعولًا آخرَ، ولا بد من حَذْفِ مضافَيْنِ قبلَ «العِجْل» والتقديرُ: وأُشْرِبوا حُبَّ عبادةِ العِجْلِ. وحَسَّن حَذْفَ هذين المضافين المبالغَةُ في ذلك، حتى كأنَّه تُصُوِّر إشرابُ ذاتِ العِجْل. والإِشرابُ: مخَالَطَةُ المائع بالجامِدِ، ثم اتُّسِعَ فيه حتى قيل في الألوان نحو: أُشْرِبَ بياضُه حُمْرةً. والمعنى: أنهم داخَلَهم حُبُّ عبادتِه، كما داخَل الصبغُ الثوبَ. ومنه:
٦١٧ - إذا ما القلبُ أُشْرِبَ حُبَّ شيءٍ فلا تَأْمَلْ له الدهرَ انْصِرافَا
وعَبَّر بالشربِ دونَ الأكل، لأنَّ الشربَ يتغَلْغَلْ في باطنِ الشيء بخلاف
[ ٢ / ٥ ]
الأكل، فإنه مجاوزٌ، ومنه في المعنى:
٦١٨ - جَرَى حبُّها مَجْرى دَمي في مَفاصِلي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال بعضُهم:
٦١٩ - تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فؤادي فبادِيه مع الخافي يَسيرُ
تَغَلْغَلَ حيثُ لم يَبْلُغْ شرابٌ ولا حُزْنٌ ولم يَبْلُغْ سُرورُ
أكادُ إذا ذَكَرْتُ العهدَ مِنْها أطيرُ لو أن إنسانًا يَطيرُ
وقيل: الإشرابُ هنا حقيقةٌ، لأنه يُروى أن موسى ﵇ بَرَدَ العِجل بالمِبْرَدِ ثم جعل تلك البُرادة في ماءٍ وأمرهم بشُرْبه، فَمَنْ كان يُحِبُّ العجل ظَهَرَتِ البُرادَةُ على شَفَتَيْه، وهذا وإنْ كان قال به السُّدِّي وابن جريج وغيرُهما فَيَرُدُّه قولُه: «في قُلوبهم» .
قوله: «بكُفْرهم» فيه وجهان، أظهرُهما: / أنَّها للسببيةِ متعلِّقَة [٤١ / ب] ب «أُشْرِبوا»، أي: أُشْربوا بسببِ كفرِهم السابِق. والثاني: أنها بمعنى «مع»، يَعْنُون بذلك أنَّها للحالِ، وصاحبُها في الحقيقةِ ذلك المضافُ المحذوفُ أي: أُشْرِبوا حُبَّ عبادةِ العجلِ مختلطًا بكُفْرهم. والمصدرُ مضافٌ للفاعِلِ، أي: بأَنْ كفروا. ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ كقولِه: ﴿بِئْسَمَا اشتروا﴾ [البقرة: ٩٠] فَلْيُلْتفت إليه.
[ ٢ / ٦ ]
قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ يجوزُ فيه الوجهان السابقان من كونِها نافيةً وشرطيةً، وجوابُها محذوفٌ تقديرُه: «فبِئْسَما يَأْمرُكم» . وقيلَ: تقديرُه: فلا تقتلوا أنبياءَ الله ولا تُكّذِّبوا الرسلَ ولا تكتمُوا الحقَّ، وأَسْندَ الإِيمانَ إليهم تَهَكُّمًا بهم، ولا حاجةَ إلى حَذْفِ صفةٍ أي: إيمانُكم الباطلُ، أو حَذْفِ مضافٍ أي: صاحبُ إيمانكم. وقرأ الحسن: «بِهُو إيمانُكُمْ» بضم الهاءِ مع الواو وقد تقدَّم أنِّها الأصل.
[ ٢ / ٧ ]