قوله تعالى: ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: قرأ علقمة ويحيى والأعمش «رِدَّتْ» بكسر الراء على نَقْلِ حركةِ الدالِ المدغمة إلى الراء بعد تَوَهُّم خُلُوِّها مِنْ حركتها، وهي لغةُ بني ضَبَّة، على أن قطربًا حكى عن العرب نَقْلَ حركةِ العين إلى الفاء في الصحيح فيقولون: «ضِرْب زيدٌ» بمعنى ضُرِب زيد، وقد تقدَّم ذلك في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ﴾ [الآية: ٢٨] في الأنعام.
قوله: ﴿مَا نَبْغِي﴾ في «ما» هذه وجهان، أظهرهما: أنها استفهاميةٌ فهي مفعولٌ مقدمٌ واجبُ التقديم؛ لأن لها صدرَ الكلام، أي: أيَّ شيءٍ نبغي. والثاني: أَنْ تكونَ نافيةً ولها معنيان، أحدهما: ما بقي لنا ما نطلب، قاله الزجاج. والثاني: ما نبغي، من البغي، أي: ما افْتَرَيْناه ولا كَذَبْنا على هذا المَلِكِ في إكرامه وإحسانه. قال الزمخشري: «ما نبغي في القول وما نتزيَّد فيما وَصَفْنا لك من إحسان المَلِك» .
[ ٦ / ٥١٩ ]
وأَثْبَتَ القرَّاءُ هذه الياءَ في «نبغي» وَصْلًا ووقفًا ولم يَجْعلوها من الزوائد بخلاف التي في الكهف كما سيأتي: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] . والفرق أنَّ «ما» هناك موصولةٌ فحُذِفَ عائدُها، والحذفُ يُؤْنِسُ بالحذف، وهذه عبارة مستفيضة عند أهلِ هذه الصناعةِ يقولون: التغيير يُؤْنس بالتغيير بخلافها هنا فإنها: إمَّا استفهاميةٌ، وإمَّا نافيةٌ، ولا حَذْفَ على القولين حتى يُؤْنَسَ بالحذف.
وقرأ عبد اللَّه وأبو حيوة ورَوَتْها عائشة عن النبي ﷺ «ما تبغي» بالخطاب. و«ما» تحتمل الوجهين أيضًا في هذه القراءة.
والجملةُ مِنْ قوله: ﴿هذه بِضَاعَتُنَا﴾ تحتمل أنْ تكونَ مفسِّرةً لقولهم «ما نبغي»، وأن تكونَ مستأنفةً.
قوله: ﴿وَنَمِيرُ﴾ معطوفٌ على الجملة الاسمية قبلها، وإذا كانت «ما» نافيةً جاز أن تُعْطَفَ على «نَبْغي»، فيكونَ عَطْفَ جملةٍ فعلية على مثلِها. وقرأت عائشة وأبو عبد الرحمن: «ونُمير» مِنْ «أماره» إذا جَعَلَ له المِيرة يُقال: ماره يَميره، وأماره يُمِيْره. والمِيرة: جَلْبُ الخير قال:
٢٨٠٥ - بَعَثْتُكَ مائِرًا فمكَثْت حَوْلًا متى يأتي غِياثُكَ مَنْ تُغِيْثُ
والبعيرُ لغةً يقع على الذَّكَر خاصةً، وأطلقه بعضُهم على الناقة أيضًا، وجعله نظيرَ «إنسان»، ويجوز كَسْرُ بائه إتباعًا لعينه، ويُجمع في القلة على أبْعِرَة، وفي الكثرة على بُعْران.
[ ٦ / ٥٢٠ ]